من الصعيد إلى المهرجانات العالمية.. هكذا بدأت رحلة المخرج «محمد حامد»
في الوقت الذي يواجه فيه الفن المستقل تحديات كبيرة، يواصل المخرج الأسيوطي «محمد حامد» حصد النجاحات من خلال أعماله الوثائقية التي شاركت في مهرجانات محلية ودولية ونالت العديد من الجوائز، كان أحدثها فوزه بجائزة أفضل تصوير سينمائي عن فيلمه الوثائقي «نبت الأرض» في مهرجان «PFF BloriArt» بإيطاليا. هنا يستعيد حامد رحلته التي بدأت بشغف مبكر بالرسم والخط العربي في قرية عرب العوامر بمركز أبنوب، وصولًا إلى عالم التصوير والإخراج السينمائي.
رسم البورتريهات والمناظر الطبيعية
يقول المخرج محمد حامد، 43 عامًا، إن بداياته الفنية سبقت دخوله عالم التصوير والسينما، إذ كان مولعًا بالرسم منذ الصغر، خاصة رسم البورتريهات والمناظر الطبيعية الخلابة التي أحاطت به في قريته.
ويضيف أن أهالي القرية كانوا يطلقون عليه لقب “الفنان” تقديرًا لموهبته وشغفه المبكر بالفن. ومع تطور اهتماماته الإبداعية، اتجه إلى التصوير والإخراج السينمائي، ليقدم أعمالًا حصدت إشادات وجوائز عدة، كان أبرزها فيلم “نبت الأرض” الذي نال العديد من الجوائز المصرية والدولية، مؤكدًا حضوره في المشهد السينمائي المستقل.
ويكمل حامد: “لم يكن في مدرستي مدرس متخصص في التربية الفنية لاكتشاف موهبتي أو حتى مواهب غيري، وكنت أعشق الكتب التي تحتوي على عدد كبير من الصور، إذ كانت تجذبني أكثر من غيرها. وبعد المرحلة الثانوية درست في مدرسة الخطوط العربية لمدة أربع سنوات، تعلمت خلالها الخط الفارسي والنسخ والرقعة والديواني والزخارف الإسلامية، وكان مشروع التخرج عبارة عن لوحة بالخط العربي، كما تخصصت في الخط الكوفي والزخارف الإسلامية لمدة عامين”.
ويتابع: “تعرفت بعد ذلك على جابر عبد العليم، خريج كلية الفنون الجميلة، فعاد إلي شغفي بالرسم، لكنه حدثني عن أن الفن لا يقتصر على الرسم فقط، بل يشمل التصوير الضوئي والسينما والمسرح والشعر والأدب والقصة. وبدأ يوجهني إلى قصور الثقافة، كما أهداني كتاب “تجربتي مع التصوير السينمائي” لمدير التصوير سعيد الشيمي، وكانت مقدمة الكتاب كأنها تتحدث عني، ومنذ ذلك الوقت أصبح حلمي أن التقي به يومًا ما”.
اقرأ أيضًا:بأنامل من ذهب.. خيوط النول تروي حكاية سيدات بني عدي مع الكليم

أول جائزة
يضيف المخرج محمد حامد لـ«باب مصر»: “توجهت إلى الثقافة، وهناك تعرفت على الدكتورة صفاء كامل، المتخصصة في الفن التشكيلي، والتي كانت تنظم عشرات ورش الرسم. وشاركت في مسابقة للرسم نظمتها جمعية أحمد بهاء الدين، وكانت هي المسؤولة عنها، وحصلت خلالها على المركز الرابع مكرر، وتم تكريمي. وكانت تلك أول جائزة أحصل عليها في حياتي، وفرحتي وقتها لا توصف، خاصة أن المسابقة ضمت عددًا كبيرًا من الكُتاب والفنانين والمسؤولين من أسيوط وخارجها. وفي العام التالي حصلت على المركز الثالث وتم تكريمي أيضًا”.
وتابع: “بعدها تعرفت على حمدي سعيد، مدير الأنشطة بجمعية أحمد بهاء الدين آنذاك، وتطوعت مع الفريق، وشاركنا في عشرات من القوافل الثقافية بمراكز وقرى أسيوط، ونظمنا العديد من الورش لاكتشاف المواهب. ورغم أن الفريق كان يضم شبابًا متطوعين، فإنه كان يؤدي عملًا عظيمًا دون مقابل، وكانت لدينا إرادة قوية وإيمان بأهمية الدور الثقافي في اكتشاف المواهب في قرى ومدارس أسيوط”.
ويقول: “كنا نعمل حتى قبل إنشاء مركز أحمد بهاء الدين الثقافي، وكنا نجتمع في الحدائق العامة لترتيب خطواتنا، إلى أن تكللت الجهود ببناء المركز في قرية الدوير بمركز صدفا، وكان افتتاحه بفريق تطوعي حديث الجميع في ذلك الوقت”.
ويوضح أن تلك الفترة زادت من شغفه بالفن والتوثيق، قائلًا: “كنت في قمة سعادتي بتوثيق تلك اللحظات التي لا تغيب عن ذاكرتي. وكانت طاقة المكان وروح الفريق والمحبة والإخلاص دافعًا كبيرًا للاستمرار. كما كان للفنان عماد أبو جرين فضل كبير في مسيرتي، إذ كنت أذهب إلى مرسمه بمدينة أسيوط الجديدة، وأصور لوحاته، وأستمع إلى آرائه في أعمالي، واستفدت كثيرًا من مكتبته المتنوعة والقيمة، كما وثقت معه لحظات عمله وأنشطته الفنية مع الأطفال”.

التصوير السينمائي والإخراج
يواصل محمد حامد حديثه قائلًا: “انتقلت إلى القاهرة واستقريت بها ثلاث سنوات، وكنت أواظب على حضور نوادي السينما في دار الأوبرا المصرية والمركز الثقافي للسينما. وهناك تعرفت على المهندس شادي العناني، خريج المعهد العالي للسينما، والتحقت معه بورشة استمرت ثلاثة أشهر حول بناء الديكور السينمائي، وتعلمت خلالها العلاقة بين العدسات والديكور، وأدركت أن نجاح أي عمل فني يعتمد على تكامل أدوار المصور والمخرج ومهندس الديكور”.
ويضيف: “بعد ذلك التحقت بالمدرسة العربية للسينما والتلفزيون، بعدما استمعت إلى شرح للدكتورة منى الصبان عن المدرسة، واجتزت اختبارات السيناريو والتصوير والإخراج والمونتاج والصوت، وكانت الدراسة بالنسبة لي منهجًا متكاملًا أسهم بشكل كبير في فهم السينما والإخراج”.
ويشير إلى أن مشروع تخرجه كان فيلم “نبت الأرض”، موضحًا أن فكرته جاءت بعد زيارة سابقة إلى قرية سلام بمحافظة أسيوط، وهي القرية التي وُلد فيها ووثق بعض الصور لهم، ثم عاد بعد عامين لتصوير الفيلم وتوثيق هذه المهنة التراثية العريقة التي توارثتها الأجيال. وتابع: “ساعدتني الدكتورة سحر عيسى في اختيار اسم الفيلم، بينما تابعت الدكتورة منى الصبان جميع تفاصيله وكانت المشرفة عليه”.
اقرأ أيضا: «دير الجنادلة» بأسيوط.. كنوز أثرية بين الجبل والتاريخ
فيلم “نبت الأرض“
بابتسامة تعكس سعادته، يقول المخرج محمد حامد: “حصد الفيلم أولى جوائزه بحصوله على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في يناير 2025، ثم شارك في 25 مهرجانًا دوليًا. وحصد 7 جوائز متنوعة، من بينها جائزة أفضل تصوير سينمائي في مهرجان بإيطاليا، وجائزة أفضل مونتاج، إلى جانب ترشيحه لجوائز أخرى”.
ويوضح أن الفيلم من سيناريو وتصوير وإخراج محمد حامد، ومونتاج نيفين سراج الدين، وموسيقى نصر الدين أحمد. ويشير حامد إلى أنه سبق ذلك مشاركته في مسابقة “مصريات” التابعة لإدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، قائلًا: “عرفت بالمسابقة من خلال صديقي الكاتب أحمد راشد البطل. وكان آخر موعد للتقديم بعد يومين فقط، لكن موظف البريد أخبرني أن إرسال المشاركة إلى القاهرة لم يتم قبل انتهاء الموعد، فقررت السفر بنفسي لتسليمها”.
ويضيف: “تم قبول أعمالي ضمن المعرض، ولاقت الصور إعجاب الحضور، وأتذكر أن الفنان محمد صبحي كان حاضرًا، وكانت المفاجأة عندما أعلن عن فوزي بالمركز الأول في التصوير الضوئي على مستوى الجمهورية. وبجائزة المسابقة اشتريت أول كاميرا خاصة بي، وكان شعورًا لا يوصف، وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم”.
وتابع: “توالت بعد ذلك الجوائز والمشاركات في المعارض الفنية والمهرجانات، وحصلت على عدد من الجوائز من بينها جائزة لجنة التحكيم في صالون الربيع بقصر ثقافة الإسماعيلية، وميدالية فضية باسم الفنان نور الشريف، كما شاركت في مهرجان السينما الإفريقية بالأقصر بلوحات بعنوان “وجوه من الجنوب”.
واختتم حديثه قائلًا: “لا أنسى كلمات المخرجة الكبيرة أنعام محمد علي عندما قالت لي: “كادراتك حلوة وعينك في التصوير.. والله ينور عليك”. كانت تلك الكلمات دافعًا كبيرًا للاستمرار، كما تحقق حلمي بلقاء مدير التصوير سعيد الشيمي خلال إحدى الورش المقامة ضمن مهرجان السينما العربية والأوروبية بالأقصر، واستفدت كثيرًا من خبراته وحرصه على مشاركة معرفته معنا”.

مهرجانات وجوائز دولية
حصد فيلم “نبت الأرض” عددًا من الجوائز المحلية والدولية، من أبرزها:
- جائزة لجنة التحكيم الخاصة مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، يناير 2025.
- جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان DopAo الدولي للأفلام الوثائقية بالبرتغال، مايو 2025.
- جائزة أفضل مونتاج وشهادة التميز في المهرجان المصري الأمريكي، الدورة الخامسة، عام 2025.
- جائزة سمير سيف ضمن الملتقي السابع لأفلام المحاولة، نوفمبر 2025.
- جائزة أفضل تصوير سينمائي في مهرجان PFF BloriArt الدولي للأفلام القصيرة بإيطاليا، فبراير 2026.
كما شارك الفيلم في عدد من المهرجانات المصرية والعالمية، وحصل على جائزة السينما المستقلة في مهرجان AJR VISION بدولة إسبانيا عام 2025.
اقرأ أيضًا: «خرائط الأشجار».. مبادرة لتوثيق الأشجار النادرة وحمايتها رقميًا



