«البيت الإيطالي» ببورسعيد.. من مجد روما إلى زمن الغياب
لم يكن الوصول إلى حقيقة «البيت الإيطالي» ببورسعيد سهلا. فقد ظل المبنى لسنوات طويلة لغزا صامتا، يطل على ناصية العالم دون أن يبوح بكل أسراره. ومن هنا بدأ الحوار، حوار بيننا وبين الباحث الدكتور أحمد رجب يوسف، الذي قضى ما يقرب من أربعة أعوام، بين عامي 2022 و2025، غارقا في تفاصيل المبنى، مدفوعا بعشق خفي للمكان وولع بتاريخ بورسعيد. لم يكن الحديث معه مجرد نقل معلومات، بل كان اقترابا من روح البيت نفسه، حيث تحولت الدراسة إلى قراءة حية لوثيقة معمارية وسياسية في آن واحد.
في البداية يشير الباحث إلى أن الموقع لم يكن اختيارا عشوائيا. فالبيت الإيطالي يقع في حي الشرق، بالقرب من المدخل الشمالي لقناة السويس. ويطل بواجهته الرئيسية على شارع عادل طه، بينما تطل واجهته الشمالية الغربية على شارع محمود صدقي. هذا الموقع الاستراتيجي يعكس أهمية بورسعيد في الحسابات الدولية. حيث كانت المدينة تمثل مفتاح السيطرة على واحد من أهم الممرات المائية في العالم.
الفاشية ورمزها الاستعماري
يؤكد الباحث خلال الحوار أن إنشاء المبنى عام 1938، في عهد موسوليني، لم يكن عملا ثقافيا خالصا. بل ارتبط بثلاثة أهداف رئيسية: اقتصادية، واستعمارية، وسياسية. ويرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1938، حيث ورد على اللوحة التذكارية تاريخ الانتهاء في 28 أكتوبر من ذلك العام. بينما تم افتتاحه رسميا في 21 إبريل 1939.
وقد صممه المهندس الإيطالي كليمنتي بوسيري فيتشي، في زمن كانت فيه إيطاليا الفاشية تسعى إلى مد نفوذها السياسي والثقافي خارج حدودها. فبعد الحرب العالمية الأولى، عانت إيطاليا من أزمات اقتصادية حادة، ووجدت في التوسع الخارجي وسيلة للخروج من هذه الأزمات. كما سعت إلى تأمين طرقها نحو مستعمراتها في إفريقيا، وكانت قناة السويس تمثل شريانا حيويا لا يمكن تجاهله.

الخبرات الإيطالية المعمارية في مصر
لكن الحديث عن البيت الإيطالي يقودنا بالضرورة إلى العلاقة التاريخية بين إيطاليا ومصر. وهي علاقة سبقت الفاشية بوقت طويل. يشير الباحث إلى أن الإيطاليين كانوا من أوائل الجاليات الأوروبية حضورا في مصر منذ القرن التاسع عشر. بل إن العلاقات التجارية بين مصر والمدن الإيطالية تعود إلى العصور الوسطى.
ومع بدايات عصر محمد علي، استعان بالخبرات الإيطالية في النهضة العمرانية. حيث لم تكن لإيطاليا في ذلك الوقت أطماع سياسية مباشرة، مما جعل وجودها مقبولا ومؤثرا.
ويضيف الباحث أن مصر ظلت، حتى بدايات القرن العشرين، من أهم بلدان المهجر للإيطاليين. وكانت اللغة الإيطالية من اللغات الأجنبية الشائعة. كما انتشرت الجاليات الإيطالية في الموانئ المصرية، خاصة الإسكندرية وبورسعيد. وقد جاءت الجالية الإيطالية في مصر في المرتبة الثانية بعد الجالية اليونانية من حيث العدد. وكان نفوذها يعتمد على كثرة عددها واتصالاتها الاقتصادية والاجتماعية بالمصريين.
الملك فؤاد في البلاط الإيطالي
من الشواهد المهمة التي يذكرها الباحث أن إيطاليا استضافت الخديوي إسماعيل بعد خلعه، كما نشأ الملك فؤاد في البلاط الإيطالي وتشبع بالثقافة الإيطالية. وهو ما انعكس لاحقا على علاقات القصر الملكي بإيطاليا. كذلك تعاطفت الصحافة الإيطالية في مصر مع مطالب الاستقلال. الأمر الذي خلق حالة من التقارب النفسي بين الجانبين.
غير أن هذه العلاقة التاريخية تحولت في الثلاثينيات إلى مسار سياسي مختلف مع صعود الفاشية. فقد سعت إيطاليا إلى نشر مبادئها من خلال المدارس والجمعيات والأندية، وكان البيت الإيطالي أحد أهم هذه الأدوات. فقد استخدم المبنى ناديا للاجتماع، ومسرحا، وسينما، ومركزا لنشر الثقافة الإيطالية. لكنه كان يحمل في داخله رسالة سياسية واضحة.
اللوحة التذكارية للبيت
في سياق الحوار، تتسع القراءة لتفاصيل المكان ذاته، حيث لا تبدو اللوحة التذكارية مجرد عنصر زخرفي، بل نصا سياسيا كاملا محفورا في الحجر. فاللوحة المثبتة أعلى المدخل الرئيسي تأتى بتكوين رأسي مهيب، تعلوه تاج المملكة الإيطالية، في إشارة واضحة إلى شرعية السلطة الملكية التي كانت الفاشية تحرص على الظهور تحت مظلتها.
وتحت التاج يأتي النص الإيطالي المنفذ بالحفر الغائر، وبخط هندسي صارم، زواياه حادة ومستقيمة. وهو ما يعكس روح الانضباط والقوة التي سعت الفاشية إلى ترسيخها، حتى في شكل الحروف نفسها. لم يكن اختيار الخط عفويا، بل جزءا من خطاب دعائي يعتمد الصرامة والبساطة والوضوح. ليجسد فكرة الدولة القوية التي لا تعرف التردد.
اللوحة التذكارية.. بيان سياسي لهوية إيطاليا
تحمل عبارات اللوحة دلالات إيديولوجية مباشرة، فذكر درع سافوي يحيل إلى الأسرة المالكة. بينما تشير عبارة “روما العائدة إمبراطورة” إلى حلم إحياء الإمبراطورية الرومانية. أما الإشارة إلى “عبادة لغة دانتي” فتؤكد مركزية اللغة الإيطالية كأداة للهوية القومية.
وفي حين يأتي تاريخ الثامن والعشرين من أكتوبر مقرونا بالرقم السادس عشر. ليشير إلى ذكرى الزحف على روما عام 1922، الحدث الذي أوصل موسوليني إلى السلطة، تتحول اللوحة إلى بيان سياسي مكتمل. لا يقل وضوحا عن أي خطاب رسمي.
ويمتد هذا الخطاب إلى التكوين المعماري للمبنى نفسه. فالواجهة الرئيسية المنحنية لا تعبر فقط عن معالجة جمالية، بل تعكس توجها شائعا في العمارة الفاشية، التي مزجت بين الكلاسيكية الجديدة والحداثة المبسطة.
فالانحناء يمنح الكتلة حضورا بصريا قويا، ويجعل المبنى يبدو كأنه يتقدم نحو الفراغ. وهو تأثير مقصود يعزز فكرة القوة والسيطرة. كما أن خلو الواجهات من الزخارف التقليدية يتفق مع النزعة الفاشية التي تميل إلى التقشف الشكلي، والتركيز على الكتلة والفراغ بدلا من الزخرفة.
رمزية الخلود في خطاب الإمبراطورية
في المدخل الرئيسي تظهر رمزية الفاشية بوضوح أكبر. حيث تكتنف الفتحة الرئيسة أنصاف أعمدة تأخذ هيئة “حزمة اللكتور”، وهي الرمز الذي اقتبسه موسوليني من القضاء الروماني القديم. ويتكون من مجموعة عصي تتوسطها فأس، في دلالة على الوحدة والقوة والسلطة. وجود هذا الرمز في المدخل لا يترك مجالا للشك في هوية المبنى الأيديولوجية. كما يتكرر الشكل نفسه في عناصر أخرى أعلى الواجهة، بما يعزز وحدة الخطاب البصري.
كما استخدم المعماري العقود نصف الدائرية، وهو عنصر مستمد من العمارة الرومانية القديمة. في محاولة واضحة لاستحضار الماضي الإمبراطوري. هذه العودة إلى النماذج الكلاسيكية كانت سمة أساسية في العمارة الفاشية، التي سعت إلى تأكيد الاستمرارية التاريخية بين روما القديمة وإيطاليا الحديثة. وتظهر أيضا زخرفة “اللانهاية” في المشغولات الحديدية للدرابزينات. وهي رمز يشير إلى الاستمرارية والخلود، بما ينسجم مع خطاب الإمبراطورية التي لا تنتهي.
نموذج للعمارة الأيديولوجية
من خلال هذه العناصر مجتمعة، يبدو “البيت الإيطالي” ببورسعيد نموذجا واضحا لعمارة أيديولوجية. حيث تتحول الخطوط والأشكال والرموز إلى لغة سياسية. فالمكان لا يقدم نفسه كمبنى ثقافي فقط، بل كمنصة دعائية تجسد طموحات الفاشية في التوسع والهيمنة. ومن هنا تأتي أهميته التاريخية، ليس فقط كمعلم معماري في بورسعيد. بل كشاهد على مرحلة حاولت فيها السياسة أن تكتب رسالتها في الحجر، وتزرعها على ضفاف قناة السويس.
ولإبراز الطابع المعماري الفاشي الذي يحمله المبنى. يشير الباحث خلال الحوار إلى مقارنات مهمة مع نماذج قائمة في إيطاليا نفسها. فالعناصر المعمارية التي تظهر في البيت الإيطالي ببورسعيد. خاصة “حزمة اللكتور” على جانبي المدخل، ليست معزولة عن سياقها الأيديولوجي، بل تتكرر في عمائر فاشية معروفة.
نماذج في بلدان مختلفة
من بين هذه النماذج “نصب النصر التذكاري” بمدينة بولزانو شمال إيطاليا، الذي شيد بأمر موسوليني عام 1928. حيث تزين واجهته أنصاف أعمدة تأخذ هيئة “حزمة اللكتور”، على نحو يشبه ما يظهر على يمين ويسار المدخل الرئيسي للبيت الإيطالي ببورسعيد. كما يظهر التشابه أيضا في “بيت الفاشية” بمدينة بوميتسيا على الساحل الغربي للبحر المتوسط، الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1939. حيث يتكرر التكوين المعماري ذاته في المدخل الرئيسي، مع أنصاف الأعمدة التي تأخذ هيئة “حزمة اللكتور”.
ويضاف إلى ذلك “بيت الفاشية” بمدينة إيمولا، الذي أنشئ عام 1933. وهو نموذج آخر يعكس وحدة الخطاب المعماري للفاشية، ويؤكد أن البيت الإيطالي ببورسعيد لم يكن مجرد مبنى محلي. بل جزءا من منظومة معمارية وسياسية امتدت من إيطاليا إلى ضفاف قناة السويس.
احتضان فنون المسرح والسينما والأنشطة الفنية
يؤكد الباحث أن البيت منذ افتتاحه الرسمي عام 1939، لم يكن مجرد مبنى ثابت، بل كأنه يبدل أدواره بتبدل الأزمنة. ففي سنواته الأولى، أدى وظيفة ثقافية واجتماعية للجالية الإيطالية، فاحتضن المسرح والعروض السينمائية والأنشطة الفنية. وكان نافذة تنفتح منها إيطاليا على مدينة القناة.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتغير ملامحه، فمع دخول إيطاليا الحرب عام 1940، استولت القوات البريطانية على المبنى. وحولته إلى ناد تابع للجيش البريطاني، يضم سينما ومطعما ومحلات صغيرة ومبيتا للجنود. وكأن المكان انتقل من خطاب أيديولوجي إلى وظيفة عسكرية عملية.
وبعد اتفاق الجلاء عام 1954، عاد المبنى إلى الحياة المدنية. وارتبط في ذاكرة أهالي بورسعيد بأسماء متعددة، منها “سينما ديانا”، ثم “المكتبة الأمريكية”. حيث استعاد دوره الثقافي واحتضن أنشطة فنية وتعليمية، وظل كذلك حتى جاءت حرب 1967، فتوقف النشاط. وتعرض المبنى لفترة من الجمود، انعكست على حالته المعمارية.
إعادة الروح للمبنى
غير أن المكان لم يستسلم للصمت طويلا، ففي عام 1987، وخلال فترة محافظة اللواء سامي خضير لبورسعيد، جرت محاولة لإعادة الروح إلى المبنى. حيث أعيد افتتاحه واستخدم مركزا ثقافيا وفضاءً للأنشطة الفنية. وعاد ليستقبل المعارض والندوات وبعض الفعاليات الجماهيرية، وكأن المدينة تحاول استعادة جزء من ذاكرتها.
لكن هذه العودة لم تدم طويلا، فمع مرور الوقت تراجع الاهتمام تدريجيا، وتناقصت الأنشطة. حتى دخل المبنى مرة أخرى في دائرة الإهمال، لتعود نوافذه مغلقة، ويستعيد صمته القديم، واقفا بين زمنين: زمن كان فيه منارة ثقافية، وزمن ينتظر فيه من يعيد إليه الضوء.
معماريا، يوضح الباحث أن المبنى يتميز بواجهة رئيسية منحنية تمنحه طابعا انسيابيا. ويتكون من بدروم وثلاثة طوابق، بمساحة تقارب 1305 أمتار مربعة. كما تظهر رموز الفاشية في المدخل الرئيسي من خلال أنصاف الأعمدة التي تأخذ شكل “حزمة اللكتور”، وهو الشعار الذي استخدمه موسوليني. إلى جانب زخرفة “اللانهاية” في المشغولات الحديدية كرمز للاستمرارية والخلود.
إعادة توظيف البيت الإيطالي
يؤكد الباحث أن البيت الإيطالي يمثل نموذجا واضحا لتأثير الأيديولوجيا السياسية على العمارة، حيث تحولت العناصر المعمارية إلى خطاب دعائي. كما يعكس المبنى أهمية بورسعيد في الصراع الدولي خلال النصف الأول من القرن العشرين، ودورها كمفتاح للبحر المتوسط والبحر الأحمر.
وفي ختام الحديث، يشدد الباحث على ضرورة الحفاظ على المبنى، وإعادة توظيفه ثقافيا، ودمجه في الحياة اليومية للمدينة، مع إمكانية استخدام تقنيات الصوت والضوء لعرض تاريخه، والعمل على تسجيله ضمن المباني ذات القيمة التراثية.
اقرأ أيضا:
تمثال «الجندي المجهول».. كيف بدأت حكايته في بورسعيد وانتهت في أستراليا
من القبو إلى الذاكرة.. رحلة «مجدي البساطي» مع المباني المنسية في بورسعيد









