دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«البرسيم الحجازي».. سر أكلة «الرز الخضار» ضمن موائد رمضان في الخارجة

رغم حداثة المواقد، لا يزال أهالي مركز الخارجة بمحافظة الوادي الجديد متمسكين بطقوس الطهي على الكانون. من هنا تبرز أكلة واحاتية فريدة تعرف باسم «الرز الخضار»، حيث يشكل «البرسيم الحجازي» مكونها الأساسي. هذه الأكلة ليست مجرد وجبة غذائية، بل رمز للهوية الواحاتية وموروث شعبي يحضر في كل بيت خلال رمضان.

البرسيم.. من «الغيط» إلى الحلة

تبدأ القصة فجرا، حين يتوجه حفيد الحاجة فاطمة قنديل، «عمر» إلى «الغيط». هذه المرة لا يجلب طعاما لماشيته، بل يختار أفضل «قطفة» من البرسيم الحجازي الأخضر، لتستخدمه جدته في تحضير أكلة «الرز الخضار» المميزة، التي تنفرد بها مدينة الخارجة وقراها، وموروثة عن أجدادهم.

يقول الفنان «محمود دانيال»، أحد أبناء قرية المنيرة والمهتمين بالتراث الشعبي في الواحات: “الرز الخضار بالنسبة لنا مش مجرد فطور عادي في رمضان، ولكنها وجبتي المفضلة. الأكلة دي بتنادينا من بعيد، وتفكرنا بلمة العيلة وزمن الخير لما كنا صغار. كان يوم طبيخ الرز الخضار بيبقى يوم عيد، والريحة كانت بتملى الشوارع والبيوت بقرية المنيرة”.

ويضيف «دانيال» بنبرة حنين: “في الخارجة تحديدا، الرز الخضار هو وجبتنا الأساسية عند الإفطار في رمضان. وتحضيرها بالثوم والبصل والكزبرة بيكون ليها طعم تاني. وهي دي اللي بتديك الطاقة والارتواء بعد يوم صيام في حر الصحراء”.

إحضار البرسيم من "الغيط" تمهيدا لطبخه.. تصوير: هدير محمود
إحضار البرسيم من “الغيط” تمهيدا لطبخه.. تصوير: هدير محمود
«كل ما هو حديث غريب عنا»

في قرية المنيرة، وبالقرب من أطلال المنازل القديمة، تجلس الحاجة فاطمة قنديل، سيدة ثمانينية لم تنل الأيام من بريق عينيها، ولا من تمسكها بتراث أجدادها. ترفض الحاجة فاطمة كل ما له صلة بالتكنولوجيا الحديثة. معتبرة أن «البوتاجاز» دخيل أفسد طعم البيوت الواحاتية القديمة.

وتقول وهي تمسك بـ«المخرطة» اليدوية: “الأكل الواحاتي نَفَس وبركة راحت لما سيبنا «الكانون». يعني افتكر أيام زمان لما كنا بنعمل الرز الخضار ده على نار الحطب وكنا بنحطه في «الطابونة» الفرن البلدي زمان. والريحة تجيب اللي في آخر القرية إحنا بنجيب البرسيم من الغيط، وننقي الورق الصغير الطري بس. ونرمي العيدان «السيقان» للغنم نغسله غسلة زينة، ونخرطه بالمخرطة زي الملوخية بالظبط لحد ما يبقى ناعم في إيدينا”.

خطوات تحضير الرز الخضار

تكشف الحاجة فاطمة عن «السر» الذي يجعل الأكلة الواحاتي مميزة وخاصة رز الخضار، وتقول: “بندأ التحضير بأنك بتجيبي الثومة والبصلة وشوية كزبرة ناشفة، وتدقيهم في الهون النحاس. إياكي تضربيهم في الخلاط الهون بيخلي ريحة الثوم تطلع وتسكّر الأكلة تحطي ماية مغلية على النار، وتنزلي بالبرسيم المفروم. وبعدها التقلية اللي عملناها في الهون مع حتة سمنة بلدي وياسلام بقي علي الريحة”.

وتوضح: “الرز الخضار ده أصله بيحب التجانس مكوناته ببعضها كدة. وأول ما تلاقي ورق البرسيم المفروم بدأ «يفور» ويقلب في الماية المغلية مع دقة البصل والثوم والكسبرة الناشفة والريحة تملى المكان. هنا بقى تيجي أهم خطوة، ننزل بالأرز المغسول وعلى الهادي كدة نوطي النار، ونقلب لحد ما كله يشرب من بعضه ويستوي على مهله”.

وتضيف الحاجة فاطمة: “أول ما تبدأ تفور ننزل بالرز، ونقلب بالراحة ونغطي الحلة ونسيبها على نار هادية خالص لحد ما الرز يشرب روح البرسيم ويستوي. هنا بقى تلاقي الرز لونه بقى أخضر فاتح، والطعم ملوش زي”.

الأهمية التاريخية لأكلات الواحات

يرى الدكتور محمد عبد الله البيارسي، الباحث في التراث والموروثات الشعبية، أن «الرز الخضار» لا يعد مجرد وصفة طعام، بل هو سجل تاريخي لذكاء الإنسان الواحاتي في استغلال موارد بيئته في فترات العزلة التاريخية للواحات، كان الاعتماد على ما تجود به الأرض فهو كان السبيل للبقاء تاريخيا.

ويقول: “ارتبطت هذه الأكلة بمواسم الحصاد واحتفالات القرية، حيث تساهم في تقوية المناعة نظرا لفوائد البرسيم العالية بالمعادن والفيتامينات، وهو ما يفسر القوة البدنية التي اشتهر بها أهل الخارجة قديما”.

اقرأ أيضا:

المريسة..مشروب تاريخي يوثق علاقة أهالي الوادي الجديد بالنخلة في رمضان

مأذنتا «نصر الدين» و«وضاح».. وثائق حجرية تحكي تاريخ الواحات

«تمور الوادي الجديد».. إرث أصيل يزين موائد رمضان

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.