الباحث الدرامي لـ«رسالة الإمام»: الدراما لها أحكام.. والمسلسل يخلو من الأخطاء

علاء عزمي: الشافعي اجتهد وفق آليات عصره وظروفه.. والحكم عليه بمعاييرنا قد يظهره متشددا

سجل مسلسل «رسالة الإمام» الذي يتناول جزءا من سيرة الإمام الشافعي، حضورا لافتا ومختلفا خلال الموسم الرمضاني الأخير، في عودة انتظرها الكثيرون للدراما التاريخية التي غابت عن الشاشات المصرية لسنوات. إلا أن حضوره أثار جدلا كبيرا لم يتوقف حتى بعد انتهاء عرض حلقاته.

المسلسل الذي أخرجه السوري ليث حجو، وأشرف على كتابته السيناريست محمد هشام عبيه مع فريق من الكتاب الشباب، وقام ببطولته الفنان خالد النبوي، واجه سيلا من الآراء المتضاربة. ففي الوقت الذي انتقده كثيرون وأفردوا المساحات للرد على ما جاء فيه معتبرين أن المسلسل بمثابة “مؤامرة”، دافع آخرون عنه وأشادوا به واعتبروه بمثابة درة الدراما التاريخية المصرية حتى الآن.

الجدل حول المسلسل، انحسر بشكل كبير في أزمة “الدقة التاريخية”. حيث اتهم البعض صناع العمل بعدم مراعاة الدقة التاريخية في الأحداث ورسم الشخصيات وغيرها من عناصر العمل. لذا رأينا أن الشخص الأكثر ارتباطا بهذه الأزمة، هو الصحفي والباحث علاء عزمي، الذي تولى مهمة البحث التاريخي والعمل على المادة العلمية الخاصة بالفترة التي يتناولها المسلسل، وهو الأجدر بحكم عمله للرد على تلك الاتهامات.

عزمي، دافع في حواره مع «باب مصر» عن المسلسل. نافيا أن يكون هناك أي أخطاء تاريخية في العمل كما زعم البعض، ومتهما بعض من هاجموا المسلسل بأنهم غير موضوعيين وأنهم لم يشاهدوه. وكانت آراؤهم أشبه بمواقف مشجعي الكورة المتعصبين!

فإلى نص الحوار…

مسلسل “رسالة الإمام”، كان واحدا من أكثر المسلسلات التي أثارت الجدل والنقاش خلال الموسم الرمضاني الأخير، ما بين من احتفى به بشدة، وبين من هاجمه واتهم صناعه بعدم الدقة التاريخية في أكثر من جانب. فكيف ترى هذا التفاعل؟

من وجهة نظري، إن الإنجاز الحقيقي للمسلسل هو إثارة الأسئلة. سواء كانت أسئلة مثارة بمنحى المدح في المسلسل وإعطاؤه أعلى التقييمات. أو كانت الأسئلة في صورة تجريح أو هجوم، المهم أنه في كل الأحوال دفع عشرات الناس للانتباه إلى سيرة الإمام الشافعي والمناخ الذي عاش فيه في مصر، أيا كانت أهدافهم. سواء كانت الفضول أو تصيد الأخطاء أو حتى تثبيت فكرة عامة عن الشافعي بالسلب أو بالإيجاب. وطالما أن المسلسل استطاع إثارة النقاش والأسئلة، ودفع حتى ولو شخص واحد لفتح كتاب والتحقق مما رآه على الشاشة وأثار فضوله. فإن هذا يكفي كمعيار لنجاح المسلسل من وجهة نظري.

خالد النبوي يجسد شخصية الإمام الشافعي
خالد النبوي يجسد شخصية الإمام الشافعي 
وهل كنتم واعيين لهذا الهدف أثناء عملكم على المسلسل؟

جدا، بلاشك كان لدينا اعتقاد ورهان أننا سوف نثير الأسئلة. وأحب هنا أن أركز على فكرة إثارة السؤال لا إثارة الجدل، لم يكن يهمنا أن نختار مناطق ومواضع مثيرة في سيرة الإمام خلال تواجده في مصر -وهي فترة حساسة نهاية القرن الثاني الهجري- قدر ما كان يهمنا إعادة طرح جزء من تاريخنا الاجتماعي والسياسي والفقهي للناس بصورة تدفعهم للاشتراك معنا في نقد بناء جمعي لهذه المرحلة بكل مشتقاتها، كنا واعيين لهذا وكان هذا هدفنا.

وهل ما تعرض له المسلسل من هجوم، كان أيضا في نطاق توقعاتكم؟

للأسف ما حدث بعد عرض المسلسل كان به كثير من المفاجآت. لأن جزء منه تخطى مرحلة الهجوم لمساحة التجريح أو ما أطلق عليه “هجوم المشجعين”، بمعنى فقه مشجع الكورة. أي التعصب لفكرة معينة بغض النظر عن مناقشتها، وهذا أمر كنا نتوقع حدوثه بين الجمهور العام. ولكن الغريب أن نرى ذلك بين بعض الباحثين والأكاديميين، لأن في النهاية هناك جهد بحثي ودرامي فكري وضع في المسلسل. حتى لو اختلفت معه أنقده ولكن لا تسخر من هذا المجهود أو تمحه وتنفي حدوثه.

معنى ذلك أنك ترى الهجوم على المسلسل لم يكن موضوعيا؟

الكثير منه لم يكن موضوعيا، كثير منه أيضا كان مفاجئ لنا. لأنه من شخصيات تعمل في مجال الاجتهاد والبحث، كان أولى بها توجيه النقد الموضوعي، وبعضهم فعل ذلك بالفعل وأشكرهم على هذا. ولكن هناك آخرين انساقوا وراء السخرية، بالرغم من أن بعضهم اسمه كان موضوعا على تترات مسلسلات أخرى عرضت في الموسم الرمضاني نفسه كمراجعين وباحثين. والمدهش أن هذه المسلسلات كانت بها أخطاء.

هل ترى أن المراجعين الذين عملوا على مسلسلات أخرى ليس لهم حق نقدك؟

لهم الحق، ولكن دون تجريح، لا يوجد عمل كبير على النقد، ولكن دون بخس حقوق الناس ومجهودها، ودون الانزلاق للتعصب. فعمل بضخامة مسلسل “رسالة الإمام”، عملنا عليه لشهور طويلة، أنا شخصيا عملت قرابة 10 أشهر على الأقل لجمع المادة البحثية التي يمكن استخدامها في سياقاتها الدرامية. وهناك فريق عمل كبير جدا يكاد يتجاوز 250 فرد من إخراج وإنتاج وديكور وملابس وغيرها، بخلاف الممثلين. فلا يصح أن تأتي في النهاية وتتهم كل هؤلاء بالاستسهال وعدم الاجتهاد. يمكن أن تقول أن التوفيق خانهم، وحينها سوف نتناقش ونرى هل لك حق فيما تقول أم لا. ولكن لا يحق لك وصمهم دون تحقق وسؤال ومناقشة.

وماذا عن اتهامكم بالمؤامرة، وأن المسلسل كله محاولة لتشويه شخصية الإمام الشافعي؟

فكرة المؤامرة طوال الوقت مطروحة لدينا في أي نقاش عام. سواء في الدراما أو الاجتماع أو السياسية، وتبدو أن الحالة المصرية متوقفة عند فكرة المؤامرة منذ سنوات. ولكن على الناحية الأخرى المؤامرة اتسعت، بمعنى لم يقل جميعهم أننا نسعى لتشويه سيرة الشافعي. بل قال البعض إن هناك مؤامرة لتجميل الشافعي على خلاف الحقيقة. وبالتالي لا أستطيع اعتبار هذا انتقاد يستوجب الرد عليه والاشتباك معه في حوار موضوعي جاد للوصول فيه لرؤى أو قناعات. ولكن مبدئيا من يوجه مثل هذه الاتهامات لم يشاهد المسلسل، وبالتالي لن يستمع إلى أي حوار جاد أو موضوعي حول الأمر.

أنت ترفض الاتهامات مبدئيا، ولكن لست مختلفا على حق المشاهد في النقد ومناقشة الأخطاء؟

بالمطلق وبالكلية لا أرفض أي انتقاد، بالعكس، هدفنا إثارة نقاش عام، وشيء طبيعي ألا يوافقني كل الناس. وشيء طبيعي أن يلفت نظري البعض لخطأ أو ما شابه. وفي المقابل من حقي أن أخرج من هذا النقاش وأن متأكد أننا كنا على صواب. وما انحزنا إليه كصناع للعمل كان هو عين الصواب.

يظهر من حديثك ثقة كبيرة في العمل وكأنه خلى من الأخطاء، برغم كل ما قيل عنه على الشبكات الاجتماعية؟

بصفتي الباحث الدرامي للمسلسل والمسؤول عن المادة العلمية والتاريخية. لا أعتقد أن المسلسل كان به أخطاء، وإن كان هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى إيضاح، كان هناك اختيارات لأسباب درامية. خاصة وأن العمل درامي وليس وثائقي مطالب بالالتزام بالنص التاريخي بحذافيره. فهناك فرق بين أن أصنع عملا توثيقيا وعملا دراميا، الدراما لها أحكام، والوثائقيات لها أحكام. فعند صناعة عمل درامي يجب أن يكون هناك مساحة من الخيال، لأني أخاطب جمهور عام هدفه الأساسي إشباع وجدانه وغذاء الروح وتغذية الأفكار لديه، وليس هدفه أن يتلقى مني نص أكاديمي مُحكم.

تقصد أن المتلقي لا يجب أن يتعامل مع العمل الدرامي التاريخي باعتباره مصدرا للمعلومة التاريخية؟

يجب أن يتعامل معه كمصدر لإثارة النقاش والبحث. ولكن لا يصح أن يكون مصدر للمعلومة التاريخية، مصدر المعلومة التاريخية الصحيح هو الورقة البحثية الأكاديمية المتخصصة أو العمل الوثائقي التاريخي أو الكتاب. أما العمل الدرامي ففيه جزء من الخيال، وعلى هذا النحو كتبنا منذ بداية المسلسل في التتر، وفوق عنوانه “رسالة الإمام”، عبارة “معالجة درامية تستند إلى أحداث تاريخية”. كما أضيفت من الخلقة السادسة عبارة أخرى وهي “بعض حكايات وشخصيات المسلسل من وحي خيال المؤلف للضرورة الدرامية”.

وما طبيعة الخيال المسموح به في الأعمال الدرامية التاريخية من وجهة نظرك؟

هو خيال منضبط، بمعنى ألا أخل بالأحداث الكبرى في التاريخ ولا أغير في منطق الشخصيات. فمن الممكن أن أختلق لقاء لشخصية تاريخية مع شخص آخر لم يحدث في التاريخ. ولكن عندما أفعل ذلك أفعله بمنطق الشخصية التاريخية ووفق أفكارها، وهذا هو جمال الدراما، أن أستلهم مما هو متاح ومثبت تاريخيا، في صناعة شيء خيالي ولكن متفق مع السياق التاريخي وفلسفته ونمط الشخصية وتفكيرها وسماتها المعروفة عنها تاريخيا. الخيال الدرامي ليس مطلقا في الشخصية التاريخية، ولكن في المساحات الغامضة التي لا نمتلك فيها وثيقة تقول ما الذي حدث.

وهل اللقاء بين الإمام الشافعي والخليفة المأمون في المسلسل، وحديثهما عن قضية خلق القرآن، يدخل في إطار “الخيال المنضبط”؟ مع العلم أن فتنة خلق القرآن اندلعت بعد وفاة الشافعي بـ12 عاما تقريبا؟

ما أزعجني في إثارة هذه النقطة، أن من انتقدوها قالوا بأن المأمون امتحن الشافعي في قضية خلق القرآن. بينما الحوار واضح لا لبس فيه، فلم يحدث من المأمون في المشهد أنه اختبر الشافعي في خلق القرآن على الإطلاق.

ولكنهما تكلما عن القضية بشكل صريح؟

من الثابت عن الإمام الشافعي أنه منذ عهد هارون الرشيد عندما كان لايزال في العراق. كان يناظر المتكلمين والمعتزلة في خلق القرآن، والكتب التي تناولت سيرته تتضمن مناظرات له مع غلاة المعتزلة في بغداد وعلى رأسهم بشر المريسي في هذه القضية. وفي فترة إقامته في مصر، ثابت إنه بين عامي 202 – 203هـ حدثت مناظرة مهمة جدا بينه وبين حفص الفرد أحد أهم المتكلمين والمعتزلة في مصر، عن قضية خلق القرآن. وأكد الشافعي خلال المناظرة أن القرآن قديم بقدم الله نافيا فكرة خلقه، حتى في وصيته الأخيرة قبل وفاته، تناول الشافعي قضية خلق القرآن وأكد على رأيه فيها. ما يعني أنه طوال هذه السنين، وقبل اشتعال فتنة خلق القرآن، كان الشافعي مشتبك مع هذه القضية لأنها مطروحة طول الوقت.

أما عن المشهد بينه وبين المأمون، فقد صيغ أن المأمون في هذه اللحظة -سنة 198هـ- ما يزال متحيرا هل القرآن مخلوق أم لا؟ فطلب من الشافعي أن يتولى القضاء وأن يحسم مدى صحة، قضية خلق القرآن بالحجة وينهيها. فرد الشافعي بشكل واضح وصريح بأن القرآن قديم بقدم الله.

فمن انتقدوا هذا المشهد، اعترضوا على اختبار المأمون للشافعي في قضية خلق القرآن. وهو ما لم يحدث، ما يعني أنه ليس من بين من انتقدوا هذا المشهد من كلف نفسه بمشاهدته قبل نقده والتعليق عليه!

وماذا عن ذكر كلمة “مخطوطات” في المسلسل، بالرغم من أنها لم تكن مستعملة في ذلك العصر؟

كلمة “مخطوطات” هي كلمة حديثة نسبيا، وهذا صحيح. ولكن اللجوء إليها كان خيارا دراميا أيضا، لأن المخطوطات والمؤلفات كان يطلق عليها في زمن المسلسل “الكتاب”. فلو وضعت على المخطوط كلمة كتاب، فربما التبس على الجمهور ما أقدمه، أو هكذا ظن صناع العمل. وهذا الاختيار نتيجة لاجتهادنا، ليس عن جهل، ولكن حتى يعي المشاهد أن المقصود بها كتابات قديمة. فليس من المنطقي أن أكتب بجوار كل مشهد شرح وتوضيح لاختياراتي الدرامية.

لماذا أظهرتم الشافعي يقرأ القرآن في المسلسل بقراءة حفص، بينما المعروف أنه كان يقرأ القرآن بقراءة ابن كثير المكي وكان مشتهرا بها؟

لأن لدي جمهور عام، وهو المشاهد المصري، معتاد على قراءة حفص. ولو ظهر الشافعي يقرأ بقراءة ابن كثير ستصبح هناك أزمة، وربما قد يستغربها أولا يفهمها البعض. ومرة ثانية أؤكد أني لا أصنع وثيقة ولكن عمل درامي، ولنفس السبب أظهرنا الربيع المرادي ويونس بن عبد الأعلى. وهما مصريان معروفان بالقراءة المصرية للقرآن، قراءة ورش صاحب نافع، وهما يقرآن بقراءة حفص، لأن المشاهد المصري لم يعتد قراءة ورش.

مسألة اختيار اللغة، كانت من أكثر النقاط التي أثارت الجدل حول المسلسل. فقد سمعنا البعض يتحدث العربية الفصحى، وآخرون يتحدثون العامية المصرية. حيث انتقد البعض تحدث الشافعي بالعامية، كما انتقد آخرون اللغة بشكل عام وقالوا إنها لا تناسب الفقهاء والساسة. فما مدى دقة هذا الاختيار؟

من اللحظة الأولى، قرر صناع العمل أن تكون اللغة المنطوقة في المسلسل لمختلف الشخصيات بما فيها الإمام الشافعي، هي العربية الفصحى. مع تطعيم حوارات أهل مصر من الأقباط والمسلمين المقيمين منذ عقود طويلة مثل البدو والأحواف، باللهجة العامية المشتقة من مفردات اللغة القبطية التي كانت سائدة بين الغالبية العظمى من المصريين في القرن الثاني الهجري. على أن تكون تلك اللهجة مناسبة ومستقيمة لأهل مصر في أزمنة سابقة. حتى يستطيع المشاهد المصري استيعابها، أي أن اختيار اللغة كان خيار درامي أيضا.

ولكن البعض اعتبر أن العامية تنتقص من قيمة شخصية مرتبطة بشكل مباشر بالفقه والشريعة؟

هذا الاختيار لا يسيء إلى الشريعة أو الفقه في شيء من قريب أو بعيد. وكثير من الأعمال التلفزيونية التاريخية اعتمدت العامية لسهولة انتشارها ولأسباب فنية درامية. وهذا لا يؤثر في قيمة العمل الفكرية أو الإبداعية، كما لا ينال من قيمة العمل كتاريخي أو ديني له رسالة. ولدينا أمثلة في ذلك مثل فيلم المصير أو صلاح الدين.

ولكن ما أريد توضيحه أن استخدام العامية كان له ما يبرره وهو تجنب اللجوء لاستعمال القبطية التي كان يتحدث بها معظم عوام المصريين، وهم من الأقباط في هذه الفترة. لكون معظمهم لم يكن قد اعتنق الإسلام بعد أو لم يلتحق بالدواوين أو لم يكن يقيم في الحواضر الإسلامية مثل الفسطاط. أما لغة الساسة والفقهاء وطلاب العلم، فقد كانت بالعربية الفصحى، أكثر من 90% من حوار المسلسل باللغة الفصيحة المتزنة الجميلة. مع اعزازنا باللهجة العامية، التي تم استخدامها كلغة وسيطة وليس للدلالة على أنها كانت مستخدمة في هذه الفترة الزمنية. ولكن لتجنب حديث الممثلين بالقبطية، لذا استخدمنا لغة “عامية بيضاء” فصيحة. ولكنها مبسطة بدون الالتزام بقواعد الصرف والنحو حتى تصل إلى المشاهد بشكل بسيط.

أنت تحصر الحديث بالعامية في الأقباط من أهالي الفسطاط كبديل للقبطية. بينما الشافعي ظهر في بعض المشاهد وهو يتحدث العامية أيضا، وهو ما أثار انتقاد البعض؟

أعود وأؤكد، أن من أثاروا هذه الانتقادات لم يشاهدوا المسلسل، فمن انتقدوا تحدث الشافعي بالعامية، لم يكلفوا أنفسهم ويشاهدوا المسلسل ليحكموا هل كان يتحدث الفصحى فعلا أو العامية. وهل قوله “نورت مصر” خارج عن السياق أو في محله، مع العلم أن كتب المناقب تقول إن الشافعي كان واسع الاطلاع على علوم البلدان المختلفة بلغات أخرى. رجل بهذه المواصفات لماذا نستبعد أن يشتبك مع لهجة محلية في بلد قرر الإقامة فيها؟ وهل كونه قرشي فصيح وممن تلقوا العربية على أيدي أبناء قبيلة هذيل، يجعله عاجزا عن التفاعل مع اللهجات المحلية والتكلم بها؟

جانب من مراجعة السيناريو
جانب من مراجعة السيناريو
هناك خطأ أقر به المراجع اللغوي للمسلسل د.أحمد عمار عبر صفحته على “فيسبوك”، وهو نسبة بيتي شعر من تأليف شاعر سوري معاصر للإمام الشافعي؟

د.أحمد عمار هو المراجع اللغوي للسيناريو. وقد اعتذر عن هذا الخطأ في حال ثبت فعلا، ولكن أعتقد أن هذه المسألة لاتزال محل دراسة وبحث.

 

حجتك الرئيسية في الرد على المسائل الخلافية التي يقول المتخصصون أنها أخطاء بينما تراها أنت كخيار درامي، هي مراعاة الجمهور العام للمسلسل وإيصال المعلومة بشكل سهل ومفهوم له. فهل تعتقد أن المسلسل في شكله النهائي نجح في الوصول إلى الجمهور المستهدف الذي خالفتم من أجله كثير من النقاط التاريخية؟ أم أنه انحسر في الأكاديميين والباحثين؟

أتحفظ على القول بأننا خالفنا كثيرا من التاريخ. قناعاتي الشخصية أننا لم نخالف التاريخ، ولكن تركنا خيالنا لبعض المسائل الدرامية فيما أغفله التاريخ.

ولكنك أقريت بهذه المخالفة في بعض المواضع، مثل القراءات المختلفة للقرآن، ومشهد المخطوطات؟

حدث انحياز واختيار درامي في مساحة ضئيلة جدا، مثل اللغة أو أدوات إيصال المنحى الدرامي. بينما الأعمدة الرئيسية للحدث التاريخي ثابتة ولم تتم مخالفتها. أما عن جزئية وصول العمل للجمهور أو انحساره بين الأكاديميين، فأرى أنه اقتحم الجمهور العام بشدة، بمخالفيه قبل مؤيديه.

دعني أعيد السؤال بشكل أوضح، هل تعتقد أن من شاهدوا مسلسل “جعفر العمدة” مثلا، شاهدوا “رسالة الإمام”؟

ليس بالضرورة، لأن مسلسل “جعفر العمدة” مشتبك مع الواقع الحالي بخلطته التي نعرفها جميعا والمرتبطة بالدراما في السنوات الأخيرة. وبالأرقام فإن “جعفر العمدة” أكثر مشاهدة. ولكني أعتقد أن “رسالة الإمام” نجح في تسجيل الأهداف في سباق الوصول للمشاهد. وأنه اشتبك كثيرا مع الجمهور، سواء المؤيد أو المخالف. وعلى المستوى النقدي استقبل بشكل جيد جدا. خاصة فيما يتعلق بالصورة والدراما والإخراج والأدوات العامة مثل الإكسسوار والملابس والديكور.

وعلى مستوى الأكاديميين والباحثين، هناك كثيرون أثنوا على المجهود البحثي والعلمي في المسلسل. وأعيد وأؤكد، أن هدف المسلسل ليس أن ينال الرضا، بل هدفه إثارة الأسئلة. وأكبر نجاح للمسلسل، أنه استطاع أن يقدم لي صورة مصر في فترة لم يتطرق لها أحد من قبل. فلم يشاهد أيا منا الفسطاط الحقيقية التي بناها عمرو بن العاص والتي اندثرت تحت مدن أخرى، لم نشاهد من قبل النيل بقرب جامع عمرو. لم نشاهد مجتمع المسجد يتخطى مسألة الفقه ويتجاوزه لدروس الشعر وعلوم الحساب والفلك والطب والهندسة وغيرها، وهذا هو الجديد.

ولكن هناك أعمال درامية سابقة تناولت سير من تاريخ مصر في نفس الفترة؟

نعم، ولكن “رسالة الإمام” هو أول مسلسل مصري تاريخي يقدم الفسطاط بمجتمعها وفي ذلك الظرف السياسي المضطرب والمليء بالصراعات. وأعتقد أن المسلسل نجح في أن يقدم للمصريين لحظة مهمة في تاريخهم، ظلت غائبة لسنوات طويلة عن الدراما.

البعض رأى أنكم لم تقدموا الشخصية الكاملة للإمام الشافعي من لحم ودم بما له وما عليه، وأنكم “جمّلتوا” الشافعي. واستندوا في موقفهم إلى أنكم تجاهلتم عرض الفتاوى التي يُتهم الشافعي بسببها بالتشدد؟

الشافعي شخص اجتهد وفق آليات عصره وظروفه ومنهجه. وبالتالي مثل أي مؤسس مذهب نجد لديه أمورا غريبة وقد تكون مستهجنة إذا حكمنا عليها بمعايير عصرنا. كما يمكن أن نجد أيضا مسائل أبدى فيها انفتاحا وما شابه، وهذا أمر ليس حكرا على الإمام الشافعي. والحق أننا اتهمنا في هذا السياق باتهامين، البعض اتهمنا بمحاولة تجميل الشافعي رغم آراؤه المتشددة في بعض المسائل حسب وجهة نظر البعض. وآخرون قالوا إننا قدمناه بأقل من قيمته ومما يستحق. فالفريق الأول قال دلسنا وأظهرناه بشكل إيجابي على غير الحقيقة. والفريق الآخر قال أهدرنا حقه وأسأنا إليه، الحقيقة أنها نقطة يمكن أن نقول فيها الكثير. لكن الأهم هو أن الشافعي إمام مجتهد حاول تقديم منجز يناسب عصره، ولا خلاف على ذلك.

نحن متفقون على ذلك، ولكن لماذا تجاهلتم ما عليه ولم تعرضوا الصورة كاملة؟

لم تكن هناك خطة من جانبنا لتجاهل شيء بعينه أو التركيز على شيء بعينه. ولكن هدفنا كان تقديم سيرة شخص اجتهد كان له إيجابيات وقد يرى البعض أن له سلبيات. ولكن ما كان يهمنا هو عرض رحلته إلى مصر والمرحلة التي اشتبك فيها مع الناس وحاول أن يكون قريبا فيها من الشارع ومعاملات الناس اليومية وتقريب الدين لهم بما يناسب عصرهم. وهي نقطة أهم من الانشغال بعرض الجدال حول شخصه وآرائه.

حتى في عرضنا لخلافاته مع المالكية، سوف تلاحظ أن المناظرات التي سجلناها تنتهي بلا غالب ولا مغلوب. لأننا لا ننتصر لطرف ضد آخر. ولكن كنا نحاول الانتصار لفكرة حرية النقاش والبحث والاجتهاد وتكاتف الناس.

مشهد من مسلسل رسالة الإمام
مشهد من مسلسل رسالة الإمام
التوصيف الذي كتب مع اسمك في تتر المسلسل هو “البحث التاريخي والمادة العلمية”. وعندما كنا نتكلم في البداية وأخبرتك أنك باحث تاريخي، قلت إنك باحث درامي. فما الفرق بينهما وما كان دورك بالتحديد داخل العمل؟

أنا باحث درامي وسينمائي، أو بالإنجليزية (Film Researcher). وهي وظيفة مختلفة عن المراجع التاريخي، ففي أعمالنا التاريخية جرت العادة أن يستعين المؤلف بشخص أكاديمي إذا لم يكن ملما بالفترة التاريخية التي يكتب عنها، ليساعده في مراجعة الموضوع من الناحية التاريخية. ولكن ظلت هناك دائما مشكلة قائمة، وهو وجود حاجز بين المادة الأكاديمية البحثية الأساسية الموجودة في الكتب والمصادر التاريخية، وما بين العمل الدرامي.

ألا يمكن للمراجع التاريخي أن يقوم بهذا الدور؟

الحقيقة لا، وجوده مفيد بالقطع، لكن لن يحقق أكبر استفادة مطلوبة، لأن الأمر محتاج مهارات خاصة. فالعالم كله يعمل بطريقة مختلفة عنا. ففي هوليوود وأوروبا يستعينون في كل أعمالهم الدرامية والسينمائية بالباحث الدرامي والسينمائي، أيا كان موضوعها وليس الأعمال التاريخية فقط. وهي مهنة غير معروفة حتى الآن في مصر، وأكاد أكون أول شخص يقدم نفسه بوصفه “باحثا دراميا وسينمائيا” في مصر. وقد سبق لي أداء هذه المهمة العام الماضي في مسلسل “بطلوع الروح” من بطولة منة شلبي وإخراج الأستاذة كاملة أبو ذكري.

وما هي طبيعة مهام “الباحث السينمائي أو الدرامي“؟

“الباحث الدرامي والسينمائي” هو الجسر الذي يربط بين المادة العلمية والأكاديمية، سواء كانت تاريخية أو بحثية، وبين الخيال الدرامي الذي يسعى إليه صناع العمل. لذا يستعين به المؤلف أو المنتج أو المخرج لمساعدتهم بالوقائع التاريخية أو الوقائع العلمية أو المنهج البحثي في العثور على عناصر يمكن الاستفادة بها دراميا. وبناء عليه فإن وظيفة الباحث الدرامي والسينمائي أن يدرس الفكرة التي يريد صناع العمل تقديمها ويبحث عنها في كتب التاريخ والجغرافيا والرياضة والسياسة والاجتماع الموثقة. لمساعدتهم في صياغتها دراميا بشكل سليم لا يخالف الثابت العلمي أو التاريخي أو البحثي.

وما الذي يجب أن يتوافر في “الباحث الدرامي” حتى يستطيع القيام بهذه الوظيفة؟

لابد أن تتوافر لديه الكثير من الأدوات، من ضمنها أن يكون لديه خلفية عن الدراما، وأنا دارس للأدب والدراما والمسرح. وبالتالي لدي فهم كامل لمتطلبات الدراما. كما يجب أن يمتلك أكثر من لغة لأن كثيرا من المصادر البحثية بلغات أجنبية. كما يحتاج الباحث أن يكون لديه وعي بالوثيقة التاريخية وأهميتها، وقدرة على التواصل مع الأكاديميين المتخصصين في المجال الذي يتناوله العمل.

أنت ترى أنك أول باحث درامي وسينمائي متخصص في مصر؟

بالمعنى العام نعم، هناك أكثر من مراجع تاريخي، وهم متخصصين في الجانب التاريخي فقط. لكن أنا مشتبك مع كاتب السيناريو خطوة بخطوة في أي طلب أو سؤال أو إيضاح يحتاجه حول أي من عناصر العمل. أيضا عملي يتطلب مني التواجد في موقع التصوير لمتابعة كل التفاصيل. وأعتقد أن هذه الوظيفة “الباحث الدرامي والسينمائي” هي من الأدوات اللازمة لمستقبل الدراما في مصر. ونحتاج للتوسع في المؤهلين لأدائها، وأن تتخطى مهامهم مساحة التاريخ، لأن التاريخ جزء بسيط في بحر الدراما.

كم كانت نسبة التزام صناع العمل بالمادة البحثية التي قدمتها؟

حجم التفاعل من جانب صناع العمل مع ما قدمته من مادة بحثية وتاريخية يكاد يصل لـ100%. وذلك يرجع لوجود سيناريست واعي هو الأستاذ محمد هشام عبية ومجموعة كتاب شباب موهوبين، يمتلكون الخيال الدرامي ولكن في نفس الوقت حريصين على نقل صورة صادقة عن مصر في تلك الفترة. وبالتالي، وباستثناء الخيارات الدرامية التي لا تضرب في أي ثابت تاريخي، كان حجم التعاون كبيرا جدا في هذه المسألة. أيضا مخرج العمل المخرج السوري الكبير الليث حجو كان واعيا من اللحظة الأولى لكيفية إخراج المسلسل على الشاشة في أفضل صورة مؤثرة ممكنة. وكان يرى أننا لسنا في حاجة للاجتهاد في خلق تفاصيل من العدم. لأن لدينا ثراء شديد جدا تاريخيا يمكن استخدامه بصورة عظيمة.

قلت أثناء حديثنا إن “رسالة الإمام” مسلسل تاريخي وليس دينيا، ما الفرق بينهما؟

كنا حريصين أن نكتب من بداية الحلقات، وكما أشرت بشكل واضح فوق عنوان المسلسل أنه “معالجة درامية تستند لأحداث تاريخية”. أي أننا لا نقدم عمل ديني بالمنطق المعروف مثل مسلسلات “الوعد الحق” أو “محمد رسول الله”. ولكن تناولنا مسلسل درامي تاريخي اجتماعي جزء منه يتعلق بسيرة شخص فقيه.

ولكن شخصية الفقيه كانت عصب المسلسل وليست مجرد جزء منه؟

لو نظرنا على المسلسل نظرة شاملة، سوف نجده عصب الحدث، ولكنه يتفاعل في الوقت نفسه مع السياسة والاجتماع وأحوال الناس. أي أنه لا يتحدث طوال الوقت في الفقه، ولا نصوره طوال الوقت داخل المسجد، وبالتالي هو عمل تاريخي. وما تناولناه من مسائل فقهية كان متماس اجتماعيا معنا حاليا. تناولنا أمورا مثل الذمة المالية للمرأة، كما حاولنا ربط تلك المسائل بواقعنا العصري، مثل أمور البيوع والأمانة وما يتعلق بأمور الزواج. وكيف يمكن للفقه أن يساعد الناس على تبسيط حياتهم وصلاحها. وبالتالي حتى الأجزاء الفقهية لم تكن فقهية بشكل صرف أو في المطلق، أي أنه كان مسلسلا تاريخيا اجتماعيا دراميا بامتياز، وليس ديني.

لماذا تصر على نفي الصفة الدينية عنه؟ هل تحاول تجنب الحكم عليه من منظار القداسة؟

لا، ولكن من باب الأمانة، لذا فقد قلنا من البداية أنه معالجة درامية تستند إلى أحداث حقيقية. وقد راجعه الأزهر الشريف، ونظر في كل المسائل الفقهية والتاريخية بإمعان. وقد أتم هذه المهمة على أكمل وجه. وكان يضع أمام عينيه حقيقة أن المسلسل في النهاية عمل درامي، يحتاج لخيال المؤلف وله متطلبات درامية وإخراجية يجب مراعاتها. مع عدم الإخلال بأي تفصيلة شرعية أو فقهية أو هدر أي ثابت تاريخي.

وهل كل عناصر العمل التي شاهدناها في النهاية على الشاشة، مرت على الأزهر وراجعها وأقرها؟

بالكامل، وللحقيقة فإن موقف الأزهر كان واعيا للغاية وأكثر انفتاحا من بعض المتخصصين الذين انتقدوا العمل. الأزهر كان متعاون للغاية ويعي أننا نقدم عملا يحتاج إلى جذب المشاهد ويعيده للأعمال ذات القيمة والرسالة القادرة على إثارة النقاش العام بما يعود على الناس بالفائدة ولو بجملة أو حتى كلمة.

اقرأ أيضا

«رسالة الإمام» و«الهرشة السابعة».. رائعتان إلا قليلا!

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر