أثار وأماكن

يحرسه مارد.. حقيقة منزل عمره 100 عام في سوق قنا

في مدينة قنا وبالتحديد بشارع 23 يوليو، يلفت انتباهك منزل قديم يروج الأهالي أقاويل بأنه يحرسه مارد. المنزل من المباني القديمة وتملكه عائلة سعد الدين حسب التاريخ المدون أعلاه أنه يعود لعام 1920. تحتوى واجهة المنزل على مشربيات خشبية وبه رسوم من الخارج كانت قبل هدم الجزء الأيمن منه.. تساؤلات كثيرة وحكايات عدة تُثار نحو هذا المنزل حول ملاكه وحقيقة أثريته والحكايات الشعبية التي تروج حوله.. «باب مصر» يرصد القصة.

منزل عمره 100 عام

منزل آل سعد الدين من المباني القديمة، بني بنظام الحوائط الحاملة، كما أن الأسقف من العروق الخشبية الممتدة، ومنه أجزاء مبنية بالطوب اللبن والشرفات فيه مبنية بنظام المشربيات من أجل التهوية، وهناك قبة فوق السطح مصنوعة من الخشب أيضا، وغرف واسعة وأخرى لتخزين المواد التموينية والقمح و”عشش” لتربية الطيور.

يقول محسن عبدالمنعم محمود، لواء سابق وأحد ورثة ملاك المنزل: “لم تكن ملامح الشوارع كما هي الآن بمدينة قنا، إذ كان منزلنا كما هو الآن بشارع  23 يوليو على ناصية القسارية التي يسمونها السوق الفوقاني، كما كانت هناك ترعة كبيرة تشق أحد أكبر شوارع المدينة الآن، ممتدة من مبنى بنزايون حتى قرب منطقة الموقف حاليا، كانت تسمى على الامتداد بمنطقة الرياح، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات”.

وتابع: في العشرينيات كان يملك منزلنا مجموعة أخوات من الأعيان وتجار الميني فاتورة وموظفين هم والدي وأخواته، اشتروا المنزل عام  1920 من خواجة اسمه رزق صالح ملطي، المنزل بني قبل هذا التاريخ، وتمت إزالة الجزء الأيمن منه في 2017، والجزء المتبقي عبارة عن شقة في كل دور، 6غرف، وصالتين ومطبخ وحمامين، لافتا أن هناك قرار إزالة لطابقين علويين وترميم للأراضي منذ 4 أعوام.

ويوضح محمد إسماعيل سعد الدين، أحد ورثة المنزل، أن المنزل له أهمية كبيرة فهو شاهد على عصر مهم من تاريخ مصر، وزاره شخصيات عامة وسياسيين وفدائيين وشخصيات دينية مثل الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، ومكرم باشا عبيد وابن عمه فكري عبيد، والشيخ صديق المنشاوي، مصطفى النحاس. مؤكدا الاهتمام بالمنزل والمحافظة عليه.

الآثار الإسلامية

على الجانب الأخر يقول محمد فتحي الصاوي، كبير مفتشي الآثار بهيئة الآثار الإسلامية والقبطية بقنا لـ”باب مصر”: “المنزل بني على أنه فندق للأجانب دون المصريين، وكان ملاكه مجموعة “جريج” في عهد الخديوي إسماعيل، وتم شراء الفندق من الأسرة التي اضطرت لبيعه بعد إعلان رومل القضاء على اليهود.

وحول اعتبار المبنى تراثي أم لا، يوضح الصاوي أن الطراز المعماري يوثق لفترة تاريخية كانت محافظة قنا مهمشة فيها جدًا، وبدأ الخديوي إسماعيل الاهتمام بالأقاليم البعيدة، ويقوم فيها بثورة حضارية تتماشى مع بناء مصر.ىوقبل الخديوي إسماعيل لم يكن هناك وجود لأي بناء بشكل مكتمل في محافظة قنا، سوى المناطق الأثرية ومنها معابد مبنية من الحجر، ولكن المباني الخاصة بسكان قنا كانت عبارة عن مباني طينية ذات مستوى سيء جدًا تتمثل في استخدام البوص والطين.

وأضاف كبير مفتشي الآثار، أما من الناحية التاريخية: فالمنزل يوثق لوجود سكان أجانب في قنا لخدمة أغراض التجارة التي كانت تربط بين قنا وبلادهم، ومن ضمنها تجارة البن، وتبادل مجموعة من الحبوب التي تزرع في الإقليم، منها القمح والقطن والحبوب الزراعية، وترتب عليه وجود قنصليات وبناء فنادق مثل نموذج المبنى الذي نحن بصدد الحديث عنه.

وذكر الصاوي العقد الذي اشترى به المنزل حسن سعد الدين الشاذلي من الخواجة رزق الله صالح مؤرخ عام 1925، بقيمة مالية 600جنيه، وكان قبلها عبارة عن فندق، ونص العقد على التالي:

“عن منزل مركز قنا مساحته 214 متر شارع سيدي عبدالرحيم شياخة (حوض) أحمد محمد باشا الحد البحري شارع سيدي عبدالرحيم القنائي به الباب وطوله 15 متر، والحد الشرقي بجوار ملك ورثة الست زتينة دوس، وبه 4 دكاكين من 5 المقدار المبلغ طولها 16متر و60سم، والحد القبلي بجوار منزل الخواجة ورثة المرحوم خيري على دوس، بطول 15متر، والحد الغربي خط متفرع مكون 5خطوط مستقيمة الأول بطول 4متر و20سم، ثم بطول 3متر، 6متر و30سم، غرب 3و60سم، ثم يعدل مجراه 3متر 40سم، جملته 20متر و60سم وهو بجوار منزل الشافعة بزاده عبيد المرهون إلى الشيخ حسن سعد الدين الشاذلي مصري الجنسية مقيم بندر قنا المشترى الجملة 214متر بين المدون أدناه الخواجة رزق الله صالح ملطي”.

ويسرد الصاوي باقي ما جاء في العقد: أنه تم الاتفاق على أهليتهم للتصرف والاتفاق على ما يلي:

أولا: باع الخواجة رزق الطرف الأول إلى الشيخ حسن الطرف الثاني الذي قبض للمشترى العقار الموضح حدوده ومعالمه في الجدول أعلاه.

ثانيا: ومساحته 214 نظير 600جنيه دهب.

ثالثا: يضمن البائع أن يكون العقار خالي من الرهون والحقوق.

وأقر البائع أيضا أنه استغل العقار المذكور عن طريق المشترى المقيم بمصر بشارع العباسية قسم الويلي، بموجب عقد بتاريخ 1920.

وأقر المشترى بأنه وضع يده على العقار، وبحسب حدودها ومعالمها ويحق للمشترى التصرف وتم التصديق في 4 مارس ما بين الخواجة رزق الله صالح ملطي والشيخ حسن سعد الدين الشاذلي المعروفان لنا شخصيا ولذا تحرر هذا العقد.

ويوضح الصاوي أنه وفقا لما أتى في العقد فالمنزل يوثق لفترة تاريخية أقدم، حيث يقول الخواجة أنه اشتراه من المفترض من اليهودي الذي تملك هذا الفندق وعمل به، والذي استغل فترة العمران التي قام بها الخديوي إسماعيل وبني الفندق.

لا يوجد تاريخ محدد لبناء العقار، وإنما ما هو مؤكد هي فترة الخديوي إسماعيل وبالتالي تترك وتنسب للحقبة الزمنية، مفسرًا التاريخ المدون أعلى المبنى، أنها إضافة من الخواجة على المبنى نفسه من قبل الخواجة رزق حين اشترى المنزل عام 1920، وبالتالي يزيد عمر المبنى عن الـ100 عام.

قرار إزالة

وبشأن قرار الإزالة لدورين من المنزل وإمكانية إنقاذ المبنى الرئيسي للمنزل، يقول الصاوي: حاولنا إنقاذ المبنى عن طريق إيقاف هدم جزء منه في فبراير عام 2017، من خلال محضر في قسم الشرطة، ولكن البلاغ حفظ من قبل النيابة العامة لأن المبنى غير مسجل، وقمت بمحاولات وتم تشكيل لجنة من قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، ولكن كانوا متمسكين بأنه لم يتم مرور 100عام على المبنى، وبالتالي اللجنة أقرت بعدم أثرية المبنى.

وتابع: برغم الإقرار بتاريخيته دون أثريته لم يتم تحويله كمبنى من المباني التاريخية، وهذا نتيجة قصور من اللجنة التي تحصر المباني التاريخية، والتي تتم بأهواء شخصية وليس وفق قيم ومعايير بحسب قوله، مضيفًا أنه هناك أشخاص يتم استبعادهم باعتبار أنه ملك لفلان، وهناك مباني أخرى تم الزج بها دون وجود مدلول تاريخي لها مثل المستشفى العسكري، محطة المياه.

وأكد الصاوي أن لجنة المحافظة على التراث والمباني التاريخية بالمحافظة غير مفعلة وأن الأعضاء غير معروفين، مشيرًا إلى أنه من المفترض أن يجتمعوا بشكل دوري ولكن هذا لا يحدث، ذاكرًا أخر نشاط لها عام  2013، وقد جمد المحافظ عبدالحميد الهجان، نشاط اللجنة حينها، وهناك جهاز التنسيق الحضاري قد يكون مسوؤلا عن الموضوع برمته.

أهمية المنزل

ويقول كبير مفتشي الآثار الإسلامية والقبطية بقنا: لا يوجد شيء ليس بمهم، وإنما حلقة من حلقات التاريخ، بالإضافة إلى أن مصر دفعت ثمن غالى جدا لبناء هذه المباني والثورة الحضارية، فالخديوي إسماعيل ظل يستدين من الأستانة حتى وضعت مصر تحت الوصاية لضمان السداد، وبعث لنا اللورد كرومر كوصي على الخزانة المصرية، والشعب ظل يدفعها، بقيمة12.5% من ميزانية مصر حتى أصدر الرئيس السادات قرار بإسقاطها.

وتابع: على الطراز الايطالي بني المنزل باستخدام الخشب وتقفيل المساحات بالطوب الأحمر وهذا نظام متبع في كل المباني الموجودة في محافظة قنا، وترجع لنفس الحقبة الزمنية، وفكرة البلكونات والمشربيات الخشبية  مأخوذة من المعمار الإسلامي، في مزج بين الطراز الايطالي مع استخدام الطابع الإسلامي المتمثل في المشربيات، نتيجة التأثر بالمعمار الوافد للسكان الأصليين للمدينة.

كما توجد ملاقف هواء للترطيب والتهوية أعلى المنزل لتحمي من أشعة الشمس، وتوفر الهواء الرطب، والأسقف من الداخل عقود نصف دائرية لغرض وظيفي إنشائي تساعد على تخفيف الأحمال وبالتالي قوة ومتانة، فالمبنى هو نموذج للمنازل ذات البيئة المستدامة حاليًا.

وطالب الصاوي بترميم هذا المبنى، مشيرا إلى أنه يمكن الإبقاء على واجهة العقار التراثي واستغلالها وجعلها ذات نفع للمواطن والدولة من خلال الاهتمام ببقائها والاهتمام بترميمها.

وحول الحكاية الشعبية عن المنزل بأنه يحرسه مارد، يقول الصاوي: “هذا ناتج عن عدم الوعي والثقافة وبالتالي تسيطر الخرافات، والرصد هي فكرة غير موجودة بدليل أنه يتم استخراج كنوز من مقابر تحتوى على كميات دهب كبيرة، وما يشاع عن هذا المنزل نواجهه في كل المنازل القديمة، كما نواجه عصابات كثيرة من منقبين الآثار وما يثيرونه من حكاوي شعبية.

لجنة معاينة

ومن جانبه يقول محمد حسن الأنصاري، مدير هيئة الآثار الإسلامية والقبطية بقنا: في عام 2017 تم تشكيل لجنة لمعاينة المنزل بناءً على طلب من النيابة العامة، وتضمن تقرير اللجنة أن المنزل تاريخي ولكن لا يحوي الطراز الذي يرقى لتصنيفه كمبنى أثري، ولا يتعدى كونه منزل تاريخي.

وتابع: المنزل لا تتوفر عنه معلومات تاريخية، وإنما تم تحديد كونه تاريخي بناء على المعاينة.

اقرأ أيضا

فيديو| «داوود تكلا».. أسرار أقدم مكتبات مدارس قنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى