فنان عن فنان: جمعة فرحات يكتب عن حجازي

ومن المقالات التي كتبها فرحات، هذه المقالة عن الفنان حجازي زميله في روزاليوسف. ويكشف فيها عن بداياته الفنية.. «باب مصر» يسعيد أيضا هذه المقالة الهامة.

بعد أن أخذني مدرس اللغة الإنجليزية بمدرسة السعيدية “ألبرت مسيحة ” من يدي إلى مجلة روزاليوسف وأنا طالب بالثانوية العامة وعرفني على الفنان الكبير بهجت عثمان، بدأتُ أتردد عليه أسبوعيا في المجلة أعرض عليه آخر ما رسمتُ ليصلح لي في الخط أو التعليق.

وفي إحدى المرات دخلتُ مكتبه وكان يتناوب الجلوس عليه أكثر من رسام. جلستُ على الكرسي لأجد أمامي مجموعة من الأوراق أغلبها أغلفة لروزاليوسف مطبوعة وظهرها لم يطبع، وكان الرسامون يستخدمونه في وضع أفكارهم أو حتى الرسم عليه إذا لم يتوفر ورق. وجدتُ أكثر من ورقة عليها تخطيطات وشخبطات وكلمات كانت كلها للفنان حجازي.. اقتبستها طبعاُ ومازالتْ لدي.. كان هذا أول لقاء بحجازي دون أن أراه.

حسن فؤاد

بعد أن قابلت الفنان الكبير حسن فؤاد الذي طلبني للعمل في المجلة بعد أن رأى رسومي مع زميلي العزيز الآن وأستاذي ناجي كامل.. قال لي ادخل الصالة اللى جنبنا واختر لك مكتبا. عندما دخلتُ الصالة متوجسا وقلقا.. قابلتُ أصدقائي الأعزاء فيما بعد إسماعيل دياب ورؤف عياد، ولاحقا عادل بطراوي الذي بدأنا العمل أنا وهو في المجلة بنفس الشهر. بعد أن استقر رأيي بمشورة أصدقائي الجدد على اختيار مكتب لي، بدأت أحضر معهم وارسم ما يطلب مني. في هذا الوقت كنت ارسم وأعرض على زملائي وأساتذتي في الصالة ومنهم ناجي ورجائي وحجازي.. وكان هو الوحيد الذي لم ينصحني بشيء كان يريد أن يعزز ثقتي بنفسي فهو يرى ما أعرضه عليه بأنه جيد. بعد فترة انتقل بعض الرسامين لأدوار أخري بعد أن قامت الإدارة ببناء دورين جديدين خُصص أحدهما لمجلة صباح الخير وانتقل حجازي وكثير من الرسامين للعمل والرسم في الدور الجديد وبقيت تقريبا وحدي في دور روزاليوسف رغم أننا جميعا نعمل في المجلتين.

كان حجازي قد تحول بالنسبة لنا لأسطورة فنية. فهو الرسام الوحيد الذي يمكن أن يأخذ إجازة من العمل في أى وقت يريده دون أن يعترض أحد، ويعود للعمل بعد أن يراه حسن فؤاد ويقول له: م ترسم لنا بقة حاجة ظريفة بقة أو دمها خفيف كده. فلا يناقشه حجازي ويرسم..

حجازي
حجازي
مغامرة

وفي هذه الفترة قام حجازي بمغامرة مع عبدالله الطوخي. حيث ركبا مركبا شراعيا في النيل صاعدين إلى أسوان من القاهرة.. وكانت رحلة خيالية رسما وكتابة. حتى بعد أن قطعها وعاد للقاهرة تاركا عبدالله الطوخي يُكملها وحده. ثم هذه الرحلة في أعماق مصر ريفا وحضرا للوجه القبلي والبحري مع صديقه فؤاد قاعود ليقدما لنا أجمل صورة مصرية.

في يوم رأيت حجازي أمام المجلة بشارع القصر العيني يتشعلق بأتوبيس من ناحية الدرجة التانية حتى دخل فيه.. اندهشتُ فحجازي أعلانا دخلا وهو دائم التحرك بالتاكسيات.. وتساءلت.. هل كان مفلساً؟!  وقررتُ أن اسأله.. فقلتُ له: “حُجز شفتك إمبارح بتركب أتوبيس درجة تانية كنت مفلس ولا إيه؟!!”، فقال: “أبدا .. لكن باركب أتوبيس درجة تانية علشان أعرف الغلابة بيقولوا إيه وتعبهم وإزاى بيعبروا عن مشاكلهم.. وبيطلع منهم نكت ظريفة جدا إذا دار بينهم حوار في العلن”.

لسان الناس

وفي الحقيقة كنت أرى أشخاصه الكاريكاتورية وهى تتكلم بلسان الناس فعلا. ويصبح السؤال كيف لحجازي أن يضع على لسان شخصياته نفس الكلام الذي نسمعه في الشارع. لكن هنا يثير الضحك ويدفعك للتفكير أو التساؤل لكن بخفة دم رائعة.

كان حجازي كريما كرما حاتميا ويشهد على هذا كل من اقترب منه ويسمح له بدخول بيته، الذي فتحه لنا جميعا كرسامين كاريكاتير، بالإضافة لبعض الصحفيين والأدباء يوما في الأسبوع في أي وقت. فنجد المأكولات المتنوعة والفاكهة والمشاريب المختلفة والاستقبال البسيط الدافيء، والسهرات المليئة بالظرف والفكاهة والثقافة.. جلسات لا تنسى.

السادسة صباحا

“يا سلام .. لو هو رايق النهارده”.. كنن أقولها في سري “دانا أطب عليه في مكتبه في الدور الخامس”.. كان حجازي يحضر للمجلة في السادسة صباحا قبل أن يحضر أحد ويفتح مكتبه ويرسم ويرسم حتى التاسعة والعاشرة. عندما نصل يكون قد انتهى تماما من رسومه.. لا تجد بجواره أوراقا قد كتب عليه التعليقات أو ورقا فيه بدايات الأفكار يسجلها حتى لا ينساها.كنا نرى رسومه فقط على مساحات كبيرة قد تصل إلى ربع فرخ الكانون. وقد رسمها بالفلوماستر السميك حتى تصبح مقبولة ومعقولة عندما تؤخذ مساحات صغيرة جدا عن الأصل..

كنتُ أصل إلى المجلة في العاشرة صباحا وأتمنى من الله أن يقولها.. تحبوا تيجوا معايا؟؟ ولسان حالنا يقول: يا ريت بأريحية وابتسامة حبور تملأ وجوهنا.. فجلسة حجازي جلسة في غاية الظرف واللطف لا نقول فيها إلا ما يفرح القلب ونتبارى جميعا معه في خفة الدم والتعليقات الساخرة، وبالطبع يكون بعضها مغرقا في الإباحة.. كانت جلساته هذه معنا التي يأخذنا إليها أماكن في الأغلب لم نطرقها من قبل في أحياء شعبية.. وقد تنفض القعدة ولا يمكن أن يجيب أحدنا لو تسأله عن وجهته..

حجازي الإنسان

لم يكن حجازي هذا الفنان الكبير جدا والعظيم جدا.. لكنه كان الإنسان الجميل جدا.. فصفاته الأخلاقية لا يمكن تصورها رجولة.. الوقوف بجانب الحق والوقوف مع المظلوم.. لا يحب النميمة والكلام عن الآخرين.. كانت صورة الفنان الرومانسية لا ترتسم لي إلا في هيئة حجازي هذا ما لمسته في الإنسان والفنان، الذي أحزنني أني ابتعدتُ عنه منذ عودته لعائلته في طنطا..

كان البعض يعتبر الكاريكاتير فن وقتي لا يعيش طويلا مادام الحدث الذي سخر منه قد انتهى.. لكن ظهور حجازي غير هذه الفكرة تماما.. فرسومه أياً كانت الموضوعات التي يعالجها حية دائما حتى ولو مر عليها زمن طويل وتأكد هذا في كم الأعمال التي نشرتها الصحف الحزبية والمستقلة لحجازي بعد توقفه تماما عن رسم الكاريكاتير بزمن.. فكانت رسومه القديمة الجديدة طازجة دائما وتواكب أحداثنا الجارية كأفضل ما يكون.

اقرأ أيضا

ملف| رحيل الفنان «جمعة فرحات».. آخر عمالقة الكاريكاتير في مصر

فنان عن فنان: جمعة فرحات يكتب عن محيي الدين اللباد

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى