هنا وادي النطرون.. من رحلة العائلة المقدسة إلى مشروع قومي لإحياء التراث
في الأول من يونيو كل عام، الموافق 24 بشنس بالتقويم القبطي، تحتفل مصر بذكرى دخول العائلة المقدسة إلى أراضيها. وتُقام بهذه المناسبة فعاليات رسمية وشعبية في محطات مسار الرحلة المختلفة، فيما تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ذكرى وصول العائلة المقدسة إلى أرض النيل. وقد أصبح هذا الحدث جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر وتراثها، إذ يخلده «السنكسار» بوصفه أحد أبرز الأحداث الدينية والتاريخية في الذاكرة المصرية.
المسارات الروحية وقيمتها التاريخية والتراثية
شهدت مصر واحدة من أهم الرحلات الدينية في التاريخ الإنساني، وهي رحلة العائلة المقدسة التي جاءت إلى أرضها طلبًا للأمان والسلام، فكانت مصر الملاذ الآمن للسيدة العذراء والسيد المسيح والقديس يوسف النجار. وبمرور الزمن، تحول مسار الرحلة إلى أحد أبرز المسارات الروحية والدينية في العالم، لما يحمله من قيمة تاريخية وتراثية وإنسانية كبيرة.
وقد تركت الرحلة آثارًا ممتدة في عدد كبير من المحافظات المصرية، تمثلت في كنائس وأديرة ومغارات وآبار ومناطق أثرية ارتبطت بذكريات الرحلة المباركة، وأصبحت مقصدًا للحجاج والزائرين من مختلف دول العالم.
بدأت رحلة العائلة المقدسة من رفح شمال شرقي البلاد، مرورًا بمدينة الفرما شرق بورسعيد، ثم إقليم الدلتا عند سخا بمحافظة كفر الشيخ، وتل بسطا بمحافظة الشرقية، وسمنود بمحافظة الغربية، ثم انتقلت إلى وادي النطرون، حيث توجد أديرة الأنبا بيشوي، والسريان، والبراموس، والقديس أبو مقار، وهي المناطق التي باركتها السيدة العذراء.
ثم اتجهت الرحلة إلى منطقة مسطرد والمطرية، حيث توجد شجرة مريم، ثم إلى كنيسة زويلة بالقاهرة الفاطمية، وبعدها إلى مناطق مصر القديمة عند كنيسة أبي سرجة داخل مجمع الأديان، ومنها إلى كنيسة المعادي، وهي نقطة عبور العائلة المقدسة لنهر النيل، وصولًا إلى محافظة المنيا حيث جبل الطير، ثم إلى محافظة أسيوط حيث دير المحرق، الذي يضم أول كنيسة دشنها السيد المسيح بيده، ثم مغارة درنكة، قبل العودة مرة أخرى إلى بيت لحم.

أهمية مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة
يمثل مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة أحد أهم المشروعات القومية التي تهدف إلى إحياء التراث الديني والثقافي، وتضع الكنيسة القبطية المصرية في مكانة عالمية متميزة.
وحول مسار العائلة المقدسة، قال الراهب القمص عزرا الأنبا بيشوي إن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر من أهم الأحداث الدينية والتاريخية، حيث تضم الرحلة نحو 25 محطة مختلفة، وتعتبر وادي النطرون إحدى أبرز هذه المحطات.
وأشار الراهب عزرا إلى أنه، وفقًا للروايات التاريخية، قام السيد المسيح خلال وجوده في وادي النطرون بتدشين أركان الوادي الأربعة، ووعد بأن يصبح المكان موطنًا لشعب كبير يتعبد لله، كما وعد بزوال الوحوش والحيوانات المؤذية من المنطقة.
اقرأ أيضا: «دير الأنبا بيشوي» بوادي النطرون.. ذاكرة للرهبنة في مصر
العائلة المقدسة في وادي النطرون
أوضح الراهب عزرا أن عدة مصادر تاريخية أكدت مرور العائلة المقدسة بوادي النطرون، من أبرزها المؤرخ الطبري في القرن التاسع الميلادي، والأنبا زخارياس، أسقف سخا في القرن الثالث عشر، إلى جانب تقي الدين المقريزي في القرن الخامس عشر، وأخيرًا الأمير عمر طوسون، الذي تناول الرحلة في كتاباته التاريخية.
وأضاف أن الدولة تبذل جهودًا كبيرة لتطوير مسار العائلة المقدسة من خلال أعمال التأمين وتمهيد الطرق، بينما يقوم الدير بدور إعلامي وتوعوي للتعريف برحلة العائلة المقدسة وإلقاء الضوء عليها بمختلف الوسائل.
ومن جانبها، قالت الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، في تصريحات خاصة، إن مسار رحلة العائلة المقدسة بمدينة وادي النطرون يعد أحد المشروعات القومية المهمة التي تحظى باهتمام كبير، مشيرة إلى أن 26 كيلومترًا من المسار تقع داخل نطاق محافظة البحيرة، التي تضم عددًا من الأديرة الأثرية والتاريخية المهمة.
وأوضحت أن المحافظة شهدت خلال الفترة الماضية تنفيذ أعمال تطوير ورفع كفاءة شاملة للمسار والمنطقة المحيطة به، شملت رصف وتوسعة أربعة طرق بإجمالي أطوال 26 كيلومترًا، إلى جانب تنفيذ أعمال الإنارة بالطريق الدائري بطول 24 كيلومترًا، وتركيب المحولات والأعمدة والكشافات الحديثة، بالإضافة إلى تنفيذ اللوحات الإرشادية وإضفاء مظهر حضاري وجمالي يليق بالمكانة الدينية والسياحية للموقع.
محافظ البحيرة: تأهيل المنطقة لاستقبال الوفود السياحية
أكدت محافظ البحيرة أن أعمال التطوير تستهدف تأهيل المنطقة لاستقبال الوفود السياحية والزائرين من مختلف دول العالم، بما يسهم في تنشيط السياحة الدينية وتعظيم الاستفادة من المقومات التاريخية والأثرية التي تتمتع بها المحافظة، فضلًا عن توفير فرص العمل ودعم جهود التنمية.
ولفتت إلى أن المحافظة تولي اهتمامًا كبيرًا بمسار العائلة المقدسة لما يمثله من قيمة دينية وتاريخية وسياحية كبيرة، مشيرة إلى أن الدولة تعمل على تطوير نقاط المسار وتحويلها إلى مناطق جاذبة للوفود والزائرين من مختلف أنحاء العالم.
فيما أشارت الدكتورة سماح الصاوي، عميدة كلية الآداب بجامعة دمنهور وعضو لجنة إحياء مسار العائلة المقدسة، إلى أن وادي النطرون يعد من أهم المناطق التاريخية في مصر، وكان مقصدًا للحجاج المسيحيين عبر مراحل مختلفة من التاريخ، وتوجد به بحيرة نبع الحمرا التي شربت منها السيدة مريم. وأوضحت أن السيدة العذراء أشارت إلى المنطقة التي أُقيمت فيها الأديرة بعد ذلك.
اقرأ أيضا: من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان
الجامعة ودورها من الناحية الأكاديمية والمعمارية
أضافت عضو لجنة إحياء مسار العائلة المقدسة أن دور جامعة دمنهور في المشروع يتمثل في الجوانب الأكاديمية والعلمية والفنية والمعمارية، من خلال تحديد الأشكال المناسبة للشوارع والأعمدة بما يتوافق مع الطابع التاريخي للمنطقة، مؤكدة أن منظمة اليونسكو تقوم بدور مهم في حماية التراث الإنساني بمنطقة الأديرة، وأن الرهبان يدركون جيدًا قيمة هذا التراث العظيم.
وأكدت الدكتورة شهد البياع، مديرة التطوير بمنطقة آثار وادي النطرون، أن رحلة العائلة المقدسة تُعرف باسم “المسار الروحاني”، لما تحمله من شغف ورغبة لدى الزائرين من مختلف الأديان للتعرف على هذا التاريخ المقدس.
وشددت على أن وجود سياحة روحانية أمر بالغ الأهمية، خاصة أن السيدة مريم والسيد المسيح مرا بهذه الأماكن، وهو ما يستحق كل الاهتمام، مشيرة إلى أن أعمال تطوير المواقع الأثرية وترميم الأديرة في وادي النطرون ما زالت مستمرة لمواكبة حركة السياحة العالمية.

كل نقطة في المسار لها ملامحها الثقافية والأثرية
أوضحت الدكتورة شهد البياع أن من أهم جوانب مشروع إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة الربط بين المواقع الدينية المسيحية والمناطق الأثرية المصرية وورش الزجاج في تل بني سلامة، مؤكدة أن كل نقطة في المسار تتميز بطابع خاص، ففي سخا يوجد أثر قدم السيد المسيح، وفي وادي النطرون توجد بحيرة نبع الحمرا التي شربت منها السيدة مريم، كما تعد المنطقة ثالث أهم مركز للرهبنة في مصر، وكانت تعج بالزهاد والنساك.
ومن جانبها، قالت مارينا عطا الله، المحامية والممثل القانوني لدير الأنبا بيشوي ومسؤول العلاقات العامة بكنائس وادي النطرون، إن المدينة شهدت منذ عدة سنوات افتتاح مشروع إحياء المسار بمشاركة جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها المعنية، بالتعاون مع كنائس وادي النطرون، حيث أُقيم مؤتمر حاشد بقصر الثقافة، ثم جرى المرور على نقاط المسار داخل المدينة، وهي: دير الأنبا بيشوي، ودير السيدة العذراء، ودير البراموس، ودير أبو مقار، بينما لا تزال بحيرة نبع الحمرا في مرحلة التطوير تمهيدًا لضمها إلى المشروع.
أهمية المسار في تنشيط السياحة وتوفير فرص العمل
أكدت مسؤول العلاقات العامة بكنائس وادي النطرون أن الشعب المصري بطبيعته شعب متدين يتمسك دائمًا بتاريخه وجذوره وتراثه، مشيرة إلى أن اهتمام الدولة بالمشروع تزايد بشكل واضح منذ انطلاقه، لما يمثله من أهمية في تنشيط السياحة وتوفير فرص العمل.
ولفتت إلى أن هذا المشروع يؤكد أن مصر تمتلك تاريخًا عريقًا ومتواصلًا حتى اليوم، موضحة أن التراث الإنساني في وادي النطرون لا يقتصر على الآثار القبطية فقط، بل يضم أيضًا آثارًا مصرية قديمة وإسلامية.
وأوضح وائل الشبكي، مدير قصر ثقافة وادي النطرون، أن القصر كان له شرف استضافة فعاليات تدشين مشروع إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة عام 2022، بحضور وزراء السياحة والآثار ومحافظ البحيرة الأسبق، مضيفًا أن قصر الثقافة يقوم بدوره في التوعية والتعريف بتاريخ المدينة العريقة، ومن بينها رحلة العائلة المقدسة.
مواقع تعانى من الإهمال وتحتاج إلى نظرة
لعل التصريحات الرسمية التي تشير إلى ما تم إنجازه بشأن المشروعات الخاصة بالمسار تبدو مغايرة لما أكدته الدكتورة جاكلين يشرى، عضو اللجنة العلمية لتوثيق وإعداد ملف رحلة العائلة المقدسة على قائمة التراث اللامادي باليونسكو، والمدرس بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا.
وأكدت، في تصريحاتها لـ«باب مصر» أن المشكلة الأساسية تتمثل في عدم قيام المؤسسات المعنية بدورها الكامل في إحياء وتطوير المواقع المرتبطة بمسار العائلة المقدسة، موضحة أن بعض المحافظات فقط شهدت أعمال تطوير واهتمام، بينما ما زالت مواقع أخرى تعاني من الإهمال.
وأشارت عضو اللجنة العلمية لتوثيق ملف رحلة العائلة المقدسة إلى أن وزارة السياحة والآثار لا تبذل الجهد الكافي للترويج لزيارة الوفود الأجنبية لهذه الأماكن، لذلك يظل عدد السائحين الأجانب محدودًا جدًا في معظم المواقع. وعلى سبيل المثال، يُعد دير جبل الطير في مركز سمالوط من الأماكن القليلة التي تشهد حضورًا ملحوظًا للزوار الأجانب.
ولفتت إلى أنه، على الرغم من التوجيهات الرئاسية التي تؤكد أهمية مسار العائلة المقدسة باعتباره رحلة ذات طابع ديني وروحي كبير، فإن بعض المناطق لا تزال خارج خريطة السياحة الدينية حتى الآن، ويرجع ذلك في الأساس إلى عدم تجهيز هذه المواقع بالشكل المناسب لاستقبال السائحين الأجانب وتقديم الخدمات المطلوبة لهم.
اقرأ أيضًا: بحيرة «نبع الحمرا»… حكايات النشأة وأسرار الاستشفاء وصرخات من الإهمال الرسمي





