نقاش قديم لا ينتهي: الفن قطعة كعك.. أم مطرقة على رأس الواقع؟

يكثر الحديث هذه الأيام عن علاقة الفن والواقع بين من يرى أن الفنان يجب أن يعبر عن الواقع، ومن يرى أن الفن خيال بالأساس. بين من يحاكمون الأعمال الفنية بمنطق الواقع، ومن يرفضون أن تكون الأعمال الفنية قطعة طبق الأصل من الواقع.

وحتى نزيد فهما أو نكون فكرة عن طبيعة هذا الجدل ومقاصد المتحدثين أعتقد أن من الأفضل الاستماع إلى آراء بعض الفنانين والمتخصصين الكبار حول هذا الموضوع، على أمل إثراء هذا النقاش الدائر.  هل تستطيع أن تتحمل رؤية الواقع على الشاشة، كما هو حقا في الحياة؟

يقول مخرج أفلام الرعب والتشويق الشهير ألفريد هيتشكوك:

“السينما ليست شريحة من الواقع. إنها قطعة من الكعك”.

وفي موضع آخر يقول:

“الواقع شئ لا يمكن لأي شخص منا احتماله، تحت أي ظرف”.

وفي موضع ثالث:

“نظرة عابرة إلى العالم تثبت أن الرعب (في السينما) ليس إلا الواقع”.

إنه الواقع وقد تم استخلاصه وتلخيصه وصياغته إلى شئ آخر.

كان هيتشكوك يعشق سماع صرخات المشاهدين في القاعات ويضحك، والمشاهدون أيضا كانوا يضحكون عقب أن يصرخوا أو عقب مغادرة قاعة العرض.

**

الرعب والعنف والظلم وسائر مساؤي الواقع يصعب احتمالها في الحياة الحقيقية، ولكنها تصبح محتملة في الفن لأنها تكتسب واقعا مختلفا، يمكن تأمله وتحليله ومشاعرنا نحوه آمنة. كذلك الغرائز التي لا يمكن التوفيق بين ضغوطها من ناحية وضرورة التحكم فيها من ناحية ثانية، ولكن من خلال الفن يمكن تحقيق الاثنين معا. من خلال المتعة العلنية البريئة الناتجة عن التنفيس عنها، والاحساس بالسيطرة عليها أيضا، ليس من خلال تجاهلها، كما يرى البيورتانيون، المتزمتون، المنافقون، ولكن من خلال تقديمها في سياق وإطار فني يمنحها واقعا آخر يختلف عن وجودها في الحياة.

وفي كتابه “فن الرواية” يقول الأديب التشيكي ميلان كونديرا ردا على صحفي يسأله عن رؤيته المتشائمة للواقع: “ألست ترى سوى نصف وضعنا التاريخي فحسب؟” فيجيبه كونديرا:

“لا تفحص الرواية الواقع، بل الوجود، والوجود ليس ما جرى، بل هو حقل الإمكانيات الانسانية، كل ما يمكن للإنسان أن يصيره. كل ما هو قادر عليه.” ثم يضرب للسائل مثلا برواية اسمها “السائرون نياما” للأديب هيرمان بروخ تدور حول انحلال وانهيار الأخلاق والقيم الانسانية في أوروبا عبر عدة أجيال:

“بروخ كان مقتنعا بصحة حكمه التاريخي، أي مقتنعا بأن إمكانية العالم التي رسمها قد حدثت، ولكن لنفترض أنه انخدع، وأنه بالموازاة مع عملية الانحدار هذه كان ثمة عملية أخرى تتم، تطور إيجابي لم يكن بروخ قادرا على رؤيته، فهل يغير ذلك شيئا من قيمة روايته؟ لا، لإن عملية انحدار القيم هي إمكانية..ولا يهم هنا سوى فهم الانسان الملقى وسط عاصفة هذه العملية، فهم ردود فعله وسلوكه واستعداداته، ولا شئ غير ذلك.” ويختم كونديرا الحوار بعبارة تلخص رؤيته لمسيرة الفن: “الروائي ليس مؤرخا ولا نبيا، إنه مستكشف للوجود.”

**

وبطريقته التلاعبية المميزة يقول المخرج السويسري الفرنسي جان لوك جودار:

“الفن ليس انعكاسا للواقع، ولكنه واقع الانعكاس”!

والمعنى، غالبا، أن الواقع ينعكس على الفنان، والفنان يحول هذا الانعكاس إلى واقع، يكون مختلفا ومتنوعا بقدر اختلاف وتنوع هؤلاء الفنانين.

ويقول المفكر والناقد الانجليزي من القرن التاسع عشر جون راسكين:

” الفن ليس دراسة للواقع الايجابي، ولكنه بحث عن حقيقة مثالية.” فالفنان يتخيل واقع مثالي يحلم به، ومن ثم يأتي رفضه لسلبيات ومثالب الواقع.  ويقول الأديب الانجليزي ديفيد هربرت لورانس، المتهم بالاباحية، والذي منعت بعض رواياته: “إذا كان الفحش هو طبيعة شهوتنا اليوم، فلا بد أن يكون ذلك هو الموضوع الأوحد للفن، أو الوحيد تقريبا.”

ويقول الأديب الانجليزي أوسكار وايلد، مؤلف رواية “صورة دوريان جراي” ومسرحية “أهمية أن تكون إرنست”، الذي رفض ونبذ في عصره أيضا: “الفن هو أكثر نوع مكثف من الفردية عرفها العالم.” كان وايلد ينادي بمبدأ الفن للفن، ويرفض الزام الفنان بالتعبير عن المجتمع وقضاياه، بالرغم من المجتمع، والعالم كله، رأى في أعماله نفسه وقضاياه. وهو ما يحدث غالبا عندما يكون الفنان مخلصا لرؤيته وفرديته.

أما المؤلف المسرحي والشاعر الألماني اليساري، الملتزم اجتماعيا، برتولت بريخت فيقول: “الفن ليس مرآة نحملها أمام الواقع، ولكنه بالأحرى مطرقة نعيد بها تشكيل هذا الواقع”. ويقول الرسام الأمريكي هنري مور: “الفن هو تعبير عن الخيال، وليس إعادة انتاج للواقع.”

ويردد الفكرة بكلمات أخرى النحات السويسري ألبرتو جياكوموتي: “الفن ليس إعادة انتاج للواقع، ولكنه إنشاء واقع على الدرجة نفسها من الكثافة.”

أما الرسام التجريدي الهولندي بيت موندريان فيقول: “الفن التجريدي ليس واقعا مغايرا للواقع، ولكنه الرؤية الأكثر حقيقية للواقع”.

**

ويقول فنان السينما والفنان التشكيلي الأمريكي ديفيد لينش، الشهير بأفلامه السيريالية (فوق الواقعية) التي يستصعبها البعض: “الحياة معقدة جدا. ولذلك أعتقد أن الأفلام يجب أن يسمح لها أيضا بأن تكون معقدة.”

طالما أن الفنان يرى أن الواقع معقد، أو قبيح، سخيف، أو سقيم، فمن حقه أن يعبر عن هذه الرؤية بحرية. ومن العبث أن نحاول اقناعه بأن رؤيته ليست واقعية.

ومثل هيتشكوك، صانع الأفلام البوليسية، يرى الفنان التشكيلي الفرنسي هنري ماتيس” أن “الفن هروب من الواقع”.

ويوضح الفكرة بطريقة أخرى كاتب المسرح والمفكر الاشتراكي الأيرلندي جورج برناردشو: “بدون الفن، فإن قسوة الواقع من شأنها أن تجعل العالم غير محتملا.”

أما الفيلسوف والشاعر الألماني فريدرش نيتشة فيقول: “نحن نحتاج إلى الفن حتى لا نموت من الواقعية!”.                   بينما يقول مواطنه وسميه الأديب والمسرحي الألماني فريدريش فون دورنمات: “كل عمل فني إنما يصور ملمحا من ملامح الواقع”.

إنها دائرة ربما لا يصل الدوران فيها إلى إجابة قاطعة، ولكن غالبا سيصل بنا إلى نتيجة مثمرة، وهي مزيد من الفهم لطبيعة العلاقة بين الفن والواقع.

اقرأ أيضا:

في معركة الريالستيك والرومانتيك: التاريخ المجهول للواقعية المصرية!

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى