حكاوي

نجيب محفوظ والسينما.. جناية متبادلة!

معروفة هي العلاقة التي ربطت اسم نجيب محفوظ بالسينما، ككاتب سيناريو وقصص سينمائية (لا علاقة لها بقصصه الأدبية) وكمصدر رئيسي لعشرات الأعمال التي اقتبست عن رواياته بشكل مباشر أو غير مباشر. ارتبط اسم محفوظ كذلك بكبار مخرجي السينما المصرية من صلاح أبوسيف إلى يوسف شاهين وحسن الإمام وعاطف الطيب وغيرهم، كما ارتبط اسمه بأعمال متواضعة كثيرة، وكان مبدأه في ذلك أن يكتفي ببيع حق تحويل العمل لفيلم دون شروط أو محاولة للتدخل في هذه الأفلام، وفصل تماما بين عمله ككاتب سيناريو وبين الأفلام المقتبسة عن أعماله الأدبية.

وكما صرح نجيب محفوظ كثيرا فقد كانت كتابة السيناريو بالنسبة له “أكل عيش” في أوقات الفراغ والجدب الأدبي، ورغم عشق السينما له، إلا أنه لم يبادلها ذلك العشق، واكتفى في أفضل الأحوال بأن تكون علاقته بها عابرة وسطحية ولا تتعارض أبدا مع عشقه الوحيد للأدب.

نجيب محفوظ والسينما

كانت مقاربة محفوظ للسينما ككاتب سيناريو تقليدية (بالمعنى الجيد للكلمة)، إذ برع في كتابة قصص مناسبة لتوجهات الإنتاج في ذلك الوقت، ومعظمها ينتمي للنوع “الواقعي الاجتماعي” الذي يتناول قصصا من الواقع تهدف للإصلاح والتوعية بجانب التسلية، ولم يكن يخطر بباله الثورة الهائلة التي حدثت في الفن السينمائي عالميا خلال الخمسينيات والستينيات، ولم يشغل باله بتطوير طرق كتابته للسيناريوهات كما فعل في مجال الأدب، حيث عكف منذ نهاية الخمسينيات على ابتكار أشكال جديدة وخاض تجارب مغامرة كثيرة، ولا يكاد يوجد في سيناريوهاته شيئا يميزها عن الإنتاج السينمائي المصري السائد في ذلك الوقت (إذا استثنينا تجربتيه في “بين السماء والأرض” مع صلاح أبوسيف و”الاختيار” مع يوسف شاهين).

من ناحية ثانية تعاملت السينما المصرية مع أعمال محفوظ الأدبية باعتباره كاتب قصص واقعية فحسب، فلم يروا فيها سوى موضوعاتها الاجتماعية السياسية، ولم ينتبهوا إلى أشكالها الفنية شديدة الابتكار، بل عكف كتاب السيناريوهات المقتبسة من أعماله على “تدجين” هذه الأشكال وتسطيحها في سرد تقليدي، ويكفي المقارنة بين روايات مثل “ميرامار” و”ثرثرة فوق النيل” و”حكايات حارتنا” والمعالجات السينمائية لها، ليظهر الفارق واضحا بين جموح النص الأدبي ومحدودية الفيلم السينمائي، وحتى روايات “الفتوات” التي كانت مجال خصبا لدى محفوظ لابتكار عوالم “غير واقعية” لم ير فيها صناع السينما سوى الواجهة التي تحاكي الواقع فقط.

الدراما التليفزيونية

أما في مجال الدراما التليفزيونية فكان الحال أسوأ، ولعل أبرز مثال يبين هذه المفارقة هو مسلسل “حديث الصباح والمساء” الذي كتبه محسن زايد، وأخرجه أحمد صقر . إن ابتكار محفوظ لسرد جديد لا يظهر في المسلسل على الاطلاق، وحتى محاولات محسن زايد لإبداع نص متعدد المستويات، فلسفي، راحت هباء على يد الإخراج البدائي الذي حول النص إلى “دار مناسبات” لإقامة حفلات الزفاف وتلقي العزاء. ورغم أن هناك معجبين كثيرين للمسلسل، إلا أنني أعتقد أنه لم يقدم شيئا يذكر من الإمكانيات التي تحتويها الرواية. ولعل المسلسل الوحيد الذي يمكن استثناءه من هذا الحكم هو “أفراح القبة” إخراج محمد ياسين، الذي تضمن أسلوب سرد وصورة بصرية متميزة بالنسبة للدراما المصرية.

لابد من التأكيد هنا على أن الاقتباس الجيد للأدب لا يعني الالتزام بالنص الأدبي أو شكله، بل على العكس يجب على “مؤلف الفيلم” أن ينسخ العمل الأدبي، بمعنى أن يعيد كتابته بلغة جديدة وتفسير خاص به، وإن كان يستلهم هذه اللغة وذلك التفسير من روح النص الأدبي. ولنأخذ، مثلا، رواية “ليالي ألف ليلة”، فهي رواية تستلهم نص “ألف ليلة وليلة” التراثي يعيد من خلالها محفوظ كتابة بعض القصص برؤية عصرية تحمل كثيرا من الاسقاطات والرموز والاستعارات على الواقع من ناحية، وعلى الإنسانية في مجملها من ناحية، وعلى المعنى النفسي الفردي والجمعي لهذه الحكايات من ناحية. إذا افترضنا أن هذه هي روح الرواية فإن على كاتب السيناريو أن يستلهم هذه الروح، وليس مجرد إعادة كتابة مشاهد الرواية في نص سينمائي بليد، يقوم مخرج الفيلم بتحويله إلى نص بصري بليد، لأن عظمة الرواية وحدها لا تكفي لصنع فيلم جيد، ولكن ينبغي أن تستثير كتابة نص سينمائي مواز في أبداعه وعظمته.

تاريخ مصر

أعمال محفوظ “الفرعونية” تحتاج إلى تفكير مختلف، ربما يقوم على الفكرة الأساسية وراء كتابة محفوظ لها، وهي استحضار تاريخ مصر ومجدها، ولذلك من المهم أن يظهر هذا التاريخ والمجد في سيناريوهات كلاسيكية وإنتاج مبهر.

حتى أعماله الواقعية التي استهلكتها السينما المصرية تحتاج إلى رؤية سينمائية وعصرية لهذا الواقع، ولعل الفيلم المكسيكي “بداية ونهاية” للمخرج أرتورو ريبستين هو أفضل مثال للطريقة التي يمكن بها إعادة تقديم أعمال نجيب محفوظ الواقعية في السينما. فهو نص “عصري” (بمقاييس فترة التسعينيات التي صنع فيها) يحمل من عنف الواقع وقسوة التشريح الاجتماعي والنفسي ما يوازي روح الرواية التي كانت عنيفة وقاسية بمقاييس الأربعينيات التي كتبت فيها. وهناك مقال تروي فيه كاتبة السيناريو باز أليسيا جارسيادييجو (وهي زوجة المخرج) عن قراءتها للعمل واستلهامه وتطويره يمكن أن يكون درسا للكثيرين من كتاب السيناريو الذين يرغبون في اقتباس أعمال أدبية!

يبدو أن كتاب السيناريو وصناع السينما في مصر ساروا وراء نجيب محفوظ في نظرته “التقليدية” لكتابة السيناريو، ونسوا أنه خص الأدب بشغفه وابتكاراته وبحثه الدائم عن الجديد، ولكن حتى يتصدوا لأعماله عليهم أن يخلصوا لفن السينما، مهنتهم، وأن يخصوها بشغفهم ورغبتهم في الابتكار والتجديد.

اقرأ أيضا

“صيادو العقول”: رحلة المباحث الفيدرالية من ملاحقة المعارضين إلى إصلاح التربية والتعليم!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى