ريحانة المسرح نجيب.. الضاحك الذي أبكى جمهوره

كتب – إيهاب محمود الحضري
 
كان إلياس ريحانة يعمل بتجارة الخيل، ووجد أن القاهرة أنسب لتكون سوقًا لتجارته فغادر العراق ليستقر بحى باب الشعرية، ويتزوج من المسيحية المصرية “لطيفة بحلق” أنجب منها 3 أبناء، من بينهم نجيب، الذى أصبح فيما بعد أحد أعظم رواد المسرح المصرى والعربى.
تحل علينا اليوم ذكرى وفاة نجيب الريحاني أحد الممثلين الذين أسسوا مدرسة خاصة عرف بها فى علم الكوميديا، فلا يتطلب منك النظر لشاشة للتعرف عليه، بلى يكفى نبرة صوته، الذى ميزته أيضًا حتى خلف الستار، حيث قدم على المسرح أكثر من 33 عملًا وقدم للسينما أكثر من 8 أفلام.
توفى الريحانى، بعد أن قدم فيلم غزل البنات، وبعد إصابته بمرض التيفود.
فى العام 1889، بينما كانت مصر تبدأ معاناتها مع الاحتلال الإنجليزى، الذى قضى على حركة عرابى وزملائه ونفتهم خارج البلاد، كان نجيب الريحانى يفتح عينيه ويستقبل أول نقطة ضوء له فى الدنيا.
حياته
ولما كان والده ميسور الحال، تلقى نجيب تعليمه فى مدرسة الفرير الفرنسية والتى شهدت تفتح موهبته الفنية، فاشترك فى فريق التمثيل بالمرسة واشتهر وسط زملائه ومدرسيه بقدرته على إلقاء الشعر العربى.
أنهى نجيب دراسته ليعمل موظفًا بسيطًا فى البنك الزراعى، وظل لسنوات يتنقل بين القاهرة والصعيد.
كانت حياة الريحانى صعبة، خصوصًا أنه اختار أن يشتغل بالتمثيل الذى لا يضمن للعاملين فيه دخلًا ثابتًا، وبعد فصله من فرقة سليم عطا الله، بدأ عمله بإحدى مصانع السكر بصعيد مصر، غير أنه هام بزوجة مديره فى العمل وتسلل ذات يوم إلى شقتها، غير أن الخادمة رأته وتم تسليمه للشرطة، ما تسبب فى فصله عن العمل أيضًا، ليعود إلى القاهرة فتطرده أمه من البيت نتيجة سلوكه المستهتر وعدم تحمله المسئولية.
كان نجيب يقدم عرضًا مسرحيًا فى لبنان، وتعرف على بديعة مصابنى وتزوجها التى فتحت لاحقا “كازينو بديعة”، واستقرت بمصر وأسست فرقتها الخاصة التى لعبت دورًا واضحًا ومعروفًا فى اكتشاف الكثير من المواهب الفنية خلال تلك الفترة من عمر مصر الفنى، لم يستمر زواجهما كثيرًا، إذ انفصل الريحانى وبديعة ليتزوج هو من الألمانية لوسى دى فرناى التى أنجبت له ابنته الوحيدة.
مشواره الفنى.. “المسرح”
عمل الريحانى فى بداية حياته بالبنك الزراعى، وهناك تعرف على الشاب السورى عزيز عيد، وارتبط الاثنان بعلاقة صداقة قوية، وصارا يترددان على المسارح ليلًا ونهارًا، إلى أن تمكنا من الحصول على وظيفة كومبارس بدار الأوبرا، وكانت أول رواية اشترك نجيب الريحانى فى تمثيلها هى “الملك يلهو”.
وفى عام 1907، كان عزيز عيد يؤسس فرقته الخاصة، وكان طبيعيًا أن ينضم لها الريحانى، غير أنه لم يستمر طويلًا، لشغفه بالكوميديا، وتسبب ذلك بعد قصَّر كثيرًا فى عمله فى فصله، وقال الريحانى عن ذلك فى مذكراته: “ولم تجد إدارة البنك إزاء هذه الحالات الصارخة إلا أن تستغنى عن عملى وأى عمل يا حسرة؟ هو أنا كنت بشتغل؟”
بعد فصله عن العمل، كان الريحانى يتردد كثيرًا على المقهى المقابل لمسرح إسكندر فرح بشارع عبد العزيز، وذات يوم عرض عليه أمين عطا الله أن يصبح عضوًا بفرقة أخيه سليم عطا الله بالإسكندرية مقابل أربعة جنيهات فى الشهر. وافق الريحانى وكان أول عرض يشترك فيه هو “شارلمان” وقد أدى دورًا لفت انتباه الكثيرين من الحضور الذين احتفوا به بدرجة كبيرة، غير أن سليم عطا الله قام بفصله دون مبرر، وقد أرجع البعض سبب الفصل إلى غيرة سليم من الريحانى.
فى عام 1912، تلقى الريحانى رسالة من صديقه عزيز عيد يخبره فيها أن الفنان جورج أبيض عاد إلى القاهرة وسيضم فرقته إلى فرقة الشيخ سلامة حجازى تسللت سعادة غامرة إلى قلب نجيب الذى عاد إلى القاهرة وشاهد جميع مسرحيات الفرقة إلى أن تم فصله من العمل، ليعود بشكل نهائى إلى القاهرة ويقبله جورج أبيض عضوًا بفرقته، وكانت أول مسرحية يشترك بها هى مسرحية “صلاح الدين الأيوبى” وأدى فيها دورًا صغيرًا هو دور ملك النمسا.
كان كل ما عليه أن يفعله هو أن يقف من جورج أبيض موقف المبارز ويتكلم بضع كلمات فقط، وكانت الحرب العالمية الأولى مشتعلة حينها، والصحف والمجلات العربية والأجنبية تنشر صورًا لملوك وأباطرة الدول المتحاربة، ومن بينها صورة الإمبراطور النمساوى فرانس جوزف الأول، فخطر للريحانى أن يتقمص شخصية هذا الإمبراطور، وبالفعل وضع لحية صناعية على وجهه، ثم خرج إلى المسرح، فضجَّ الجمهور بالضحك مخالفًا بذلك حدود دوره وتعليمات جورج أبيض الذى فصله نتيجة ذلك التصرف.
فى يوليو من عام 1916 كان الريحانى يكتب ويخرج مسرحيته الأولى “تعالى لى يا بطة”، ونتيجة نجاحها الساحق اتفق على إخراج مسرحية جديدة أسبوعيًا، وفعلًا أخرج “بستة ريال” ثم “بكرة فى المشمش”، وكان الإقبال لافتًا للغاية، ما دفع روزاتى، صاحب كازينو “الأبيه دى روز”، إلى فرض رسوم دخول على الحضور الذين صارت أعدادهم تزداد يومًا تلو الآخر.
بعد هذا النجاح كّون نجيب الريحانى فرقته الخاصة وانتقل بها إلى مسرح “رينيسانس” وارتفع أجره ليصبح 120 جنيهًا فى الشهر الواحد.
فى عام 1926، ومع الأحداث السياسية المتلاحقة قرر الريحانى أن يتجه إلى الميلودراما، إذ وجدها تتناسب أكثر مع طبيعة الفترة التى تمر بها مصر، وقام بإخراج مسرحية “المتمردة” للكاتب بيير فروندى، غير أن القلق كان يساوره مخافة أن يُصدَم الجمهور، الذى صدم بالفعل وخرج الريحانى من تلك التجربة بخفى حنين.
السينما
فى عام 1931، لعب نجيب أول أدواره السينمائية، فى فيلم “صاحب السعادة كشكش بك” حيث لعب شخصية كشكش بك، العمدة الذى يهوى تربية الخيول العربية جنبًا إلى جنب مع جاره وقد ظلا الاثنان يتنافسان ثم يشترك هو فى إحدى مسابقات الخيول ويحصل على المركز الأول. حاز الفيلم على إعجاب البعض، ولكن لم يسلم الريحانى من بعض الانتقادات التى رأت أنه لا يؤدى بنفس القوة التى يكون عليها فى المسرح.
استغل الريحانى شخصية “كشكش بك” فى فيلمين آخرين: “حوادث كشكش بك” 1934، “بسلامته عايز يتجوز” 1936″.
قدم نجيب الريحانى بعد ذلك أدوارًا مهمة منها دوره فى فيلم لعبة الست، ودوره فى فيلم سلامة فى خير، كما كان فيلمه الأخير “غزل البنات” فارقًا فى مشواره الفنى بشكل عام من خلال شخصية الأستاذ حمام مدرس اللغة العربية الذى يعطى دروسًا خاصة لابنة رجل ثرى ويقع فى حبها، ولكنها تحب شابًا آخر، وقد رضى الأستاذ حمام بنصيبه فى النهاية وترك الفتاة لحبيبها، وقد تم اختيار هذا الفيلم كأحد أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية.
الرحيل
فى 8 يونيو لعام 1949، رحل نجيب الريحانى تاركًا خلفه 60 عامًا أمضاها فى محبة المسرح والولع به، بعد أن اعتلت صحته وأصيبت رئتيه وقلبه، ما تسبب فى دخوله مستشفى اليونانى بالعباسية حيث توفى هناك، ومن فرط خفه ظله كتب الريحانى نعيًا له قبل وفاته قال فيه: “مات نجيب. مات الرَّجُل الذى اشتكى منهُ طوب الأرض وطوب السَّماء إذا كان للسماء طوب. مات نجيب الذى لا يُعجبه العجب ولا الصيام فى رجب. مات الرَّجُل الذى لا يعرفُ إلَّا الصراحة فى زمن النفاق. ولم يعرف إلَّا البحبوحة فى زمن البُخل والشُّح. مات الريحانى فى 60 ألف سلامة”.

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى