مَن فتح “الهويس”؟.. الرعب والجريمة يحتلان الشاشات المصرية

على الشاشات أفلام ومسلسلات رعب وجريمة بالجملة.. مثل ماسورة انكسرت انفجر منها الماء دون حساب. أو كأن أحد التجار اشترى كمية هائلة منها من الصين وأغرق بها الأسواق. أفلام ومسلسلات الرعب والجريمة لم تكن أبدا من الأنواع الرائجة في السينما والتليفزيون المصريين، لدرجة أن صناع الأفلام والمسلسلات في مصر لم يكونوا يجيدون صنعها، إذا استثنينا أعمال كمال الشيخ وبعض الأفلام القليلة المتناثرة. والرعب “المصري” بالتحديد عادة ما كان يثير الضحك أكثر من الأعمال الكوميدية، والحال لم يكن أفضل كثيرا مع الأعمال البوليسية. ولكن السنوات الماضية شهدت حضورا وزحفا مستمرا لهذه الأعمال بحيث باتت الأكثر انتشارا على الشاشات الكبيرة والصغيرة. وأي إحصاء سريع لعدد الأعمال السينمائية والتليفزيونية التي أنتجت خلال السنوات الخمس الماضية ونسب أعمال الجريمة والرعب فيها يمكن أن يؤكد لنا مدى انتشارها والزيادة المطردة في إنتاجها عاما بعد آخر.

شعبية شبابية

من ناحية ثانية أصبحت هذه الأعمال الأكثر شعبية لدى الجمهور، أو لنتحرى الدقة، لدى قطاع كبير من الجمهور الذي يملك ثمن تذكرة السينما ويذهب لمشاهدة الأفلام في دور العرض، وجمهور “السوشيال ميديا” الذي يتحدث عن الأفلام والمسلسلات أكثر مما يشاهدها، ويصنع حضورا لأعمال الرعب والجريمة ربما يكون أكثر من حضورها الفعلي على أرض الواقع. وفي غياب دراسات وإحصائيات لنسب المشاهدين والمشاهدة يصعب أن نصدر أحكاما أو استنتاجات حول مدى شعبية هذه الأعمال. ولكن بشكل عام يمكن ملاحظة أن الشباب وصغار السن هم الجمهور الأساسي لهذه الأعمال، وإن كنا لا نستطيع أن نقول إنهم جمهورها الوحيد.

هناك ارتفاع متزايد في مستوى صناعة هذه الأعمال تقنيا، وهو ما يجذب مزيدا من المشاهدين. كلما تحسن المستوى الفني زاد الإقبال. والإقبال الجماهيري من شأنه أن يشجع المنتجين على تقديم مزيد من هذه النوعيات، ويبدو أننا لم نزل في بداية موجة عاتية قادمة. ونجاح هذه الموجة سيكون مرتبطا بمدى الارتفاع في مستوى هذه الأعمال تقنيا وفنيا وكتابة وتمثيلا.

ورغم الارتفاع التقني، مقارنة بتاريخ هذه الأنواع في مصر، إلا أننا لا نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن مستوى الإخراج والكتابة والتمثيل.

تقنية بلا رؤية

الإخراج ليس حرفية تقنية فقط، كما يعتقد كثير من شباب اليوم. الإخراج رؤية للعالم وللموضوع الذي يجرى تقديمه وأسلوب وشخصية وثقافة وفهم دقيق لطبيعة الوسيط.

على سبيل المثال هناك مخرجون منتحلون ليس لديهم أي مما سبق، ولكنهم يشاهدون الأعمال الأجنبية ويقلدونها على طريقة الأخت صاحبة لوحات المترو والأخ صاحب أغلفة نجيب محفوظ.. لا هوية ولا ثقافة ولا عمق.. مجرد انتحال وتقليد.

هناك أيضا عدم فهم لأصول هذه الأنواع الفنية، الرعب والجريمة، وكل منهما نوعان جديدان في تاريخ الدراما ظهرا مع بداية الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر. وكل منهما رد فعل على التطور الهائل في العلوم والتكنولوجيا. عادة ما تعبر روايات وأفلام الرعب عن الخوف من الآثار السلبية للتقدم العلمي والحضاري. ومصادر الرعب هي غالبا تجربة علمية تنحرف عن مسارها، أو بشر ووحوش تمت إساءة معاملتهم أو تركوا منبوذين من قبل أناس انتقلوا إلى مرحلة أعلى من التطور، أو أشباح من الماضي البعيد أو القريب تأبى أن تسمح للحاضر والمستقبل بالعيش في أمان.

السيطرة على الوحش

على العكس تعبر الأعمال البوليسية عن محاولات الإنسان الناجحة للسيطرة على الوحوش البدائية الخارجية والداخلية، وذلك غالبا عن طريق العقل والعلم لا القوة المسلحة (كما في نهايات قصص الرعب التي غالبا ما تعالج الخوف بمشهد تدميري ختامي لمصدر الخوف). الأعمال البوليسية تؤمن بأن العقل البشري هو أقوى سلاح في مواجهة البدائية والوحشية، وبأن العلم هو سلاح المحقق البوليسي، وكما نجد مثلا في قصص شيرلوك هولمز أو هيركيول بوارو (بطل روايات أجاثا كريستي) أو مسلسل كولومبو، فإن المحقق رجل مؤمن بالعلم ومتابع جيد للعلوم، خاصة الطب الجنائي، وقوي الملاحظة والاستنتاج والاستنباط، وغالبا لا يستخدم الأسلحة أو العنف البدني.

قصص شعبية رخيصة

وكما يحدث عادة تبدأ الموجات في الأدب قبل السينما والتليفزيون، فقد انتشرت روايات الرعب على أرصفة بيع الكتب ودور النشر المغمورة مثل النار في الهشيم خلال العقد الأخير، وتقريبا لم تعد تقرأ الأجيال الجديدة أدبا، وإذا قرأت فهي تقرأ روايات الرعب الرخيصة التي تحقق أعلى المبيعات، وقد بدأ هذه الظاهرة “عراب” هذه الأجيال أحمد خالد توفيق بترجمة وإعداد الروايات الأجنبية ثم بتمصيرها في سلسلة “ما وراء الطبيعة” التي أطلقت هذه الموجة العاتية منذ حوالي عشرين عاما، لتصل إلى ذروة نجاحها مع أعمال أحمد مراد.

من الأدب (إذا جاز لنا أن نطلق على هذه الأعمال أدبا، وربما المصطلح الأدق هو “بالب فيكشن” ، أي قصص شعبية رخيصة) بدأت السينما في التقاط الخيط، فأنتجت بعض الأعمال الساذجة، إلى أن أتى “الفيل الأزرق” من تأليف أحمد مراد وإخراج مروان حامد (2014) ليحقق نجاحا غير مسبوق بالنسبة لهذه النوعية، ويفتح “الهويس” أمام سيل من أعمال الرعب والجريمة.

ولكن ما الذي تعبر عنه أفلام ومسلسلات الرعب والجريمة المصرية؟ ما هو المحتوى الحقيقي لها، غير إثارة ودغدغة الحواس ورفع مستوى الأدرينالين في الدم؟

يحتاج ذلك إلى مقال قادم.

اقرأ أيضا:

شجون الذكريات في المهرجان القومي للمسرح: في محبة جيل الثمانينات!

 

 

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى