حكاوي

موسم الحكاوي 6|«العقل فين؟» من التراث الشعبي بدشنا

يروي عبدالمنعم أبوالحسن، 80 عامًا، بالمعاش، من عزازية دشنا، أن رجلا من وجهاء وأثرياء البلدة كان له ابن وحيد في العشرينيات من عمره، وفي أحد الأيام ألح الإبن على والده أن يزوجه، فطلب الأب من أبنه أن يصبر قليلا ولكنه استمر في إلحاحه، فما كان من الأب إلا أن وافق على طلبه وقال له اختر أجمل بنت في البلدة لتكون زوجتك، وبالفعل تم الزواج وأقام الوالد عرسا كبيرا لابنه وأعد الولائم وعلق الزينة، وجلس الفتى بين أصدقائه وأقرانه سعيدا، يمني نفسه بلقاء زوجته وحليلته، وبينما هو جالس يحلم بعروسه استدعاه والده ليخبره أمرا، فجاء مسرعا، وقال: لبيك أبي، فقال له الأب: لقد انصعت لرغبتك المتعجلة في الزواج ولكن لن أسمح لك بالدخول إلى عروسك إلا أذا أجبتني على هذا السؤال، وإن لم تجب لن أسمح لك في إتمام زواجك وإن عارضتني قطعت رأسك.. ذهل الفتى من طلب والده، ولكنه كان يعرف أن والده إذا قال فعل، فرد هات سؤالك يا أبي، فقال الوالد: العقل فين؟ فقال بسرعة: في الرأس طبعا، فقال الوالد: لا، فعاد الفتى وقال في القلب، فاعترض الوالد أيضا، وراح  الفتى  يجرب كل أجزاء الجسم وأخيرا عجز عن الإجابة، فقال له الوالد: لن أسمح لك بالدخول إلى عروسك إلا إذا عرفت إجابة السؤال، اذهب وابحث عن إجابة السؤال، فغادر الشاب مهموما يفكر في إجابة السؤال ومحزونا لأنه سيحرم من عروسه في ليلة عرسه، وأثناء سيره مر بالغرفة التي تنتظر فيها العروس ولاحظ أن النافذة مفتوحة، وبسرعة تسلق الجدار ودخل إلى الغرفة، واختلى بزوجته، وحين تذكر تهديد والده له بقطع رأسه أن  خالفه، فر مسرعا من النافذة وجعل يركض لا يلوى على شيء سوى الهرب من عقاب والده.
وصل الفتى إلى البادية بعد رحلة شاقة بالصحراء وهناك استضافته إحدى العشائر، وآووه ظنا منهم أنه ربما هرب خوفا من ثأر في عنقه، وعاش معهم 16 سنة، وكان أثناء تلك السنين يبحث عن إجابة السؤال “العقل فين؟” وفي أحد الأيام سمع أن شيخا كبيرا من مشايخ البدو سيحضر إلى شعاب العشيرة التي يسكن معها، وعرف أنه ذو علم وحكمة، فقرر أن يقابله ويسأله إجابة سؤاله، وبالفعل اجتمع الجميع حول الرجل الحكيم وراح كل واحد يلقى مسألته، وحين جاء دور الفتى، سأل الشيخ: العقل فين؟، فرد عليه الشيخ: العقل في الصبر، لأنك إن لم تصبر فلن تعمل عقلك، فالصبر واسطة العقل، فإن ذهبت الواسطة ذهب الموسوط، ففرح الفتى – والذي صار كهلا- وقرر العودة إلى دياره ليرى زوجته التي هجرها منذ ليلة عرسهما وليعتذر لوالده ويخبره إجابة السؤال، ركب ناقته وحمل الزاد والشراب وعلق بندقيته على كتفه لتحميه من مخاطر الرحلة، ودخل بلدته في جنح الليل، وتسلق نفس الجدار إلى نافذة غرفة زوجته فوجدها نائمة وبجوارها شاب قوي البنيان، دارت به الدنيا، وبسرعة مد يده إلى بندقيته وشد الأجزاء متهيئا لقتل ذلك الشاب، فاستيقظت زوجته فزعة، وصاحت به: انتظر أنه ولدك وهو في الخامسة عشر ولقد حملت به منذ تلك الليلة وقد كبر وصار شابا، فسقطت البندقية من يده، وتذكر مقولة الشيخ بأن العقل في الصبر، واستيقظ الابن فعانقه وهو يبكي فرحًا بلقائه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى