ثقافة وتراث

من “الوشم” لـ”التاتو”.. تاريخ النقش على الجسد

كلامات ورموز تنقش لتذكر صاحبها بحكمة أو رمز أثره على الروح بالغ، كانت هذه هي فلسفة الوشم أو التاتو فى العصر الحديث، لكن جذوره ترجع لزمن بعيد من خطوط تدق على ذقن الفلاحات الجميلات للإله حتحور، التى تنقش ليتم الحمل على خير فى مصر القديمة، ففن النقش على الجسد حكاية طويلة فى التراث المصري.

أدوات صنع الوشوم- من البحث المنشور في مجلة البحوث التاريخية
أدوات صنع الوشوم- من البحث المنشور في مجلة البحوث التاريخية

الوشم

عرفت الوشوم في مصر القديمة منذ عصور ما قبل التاريخ (ما قبل 3400 ق.م)، والوشم لغة (هو وشم الجلد، أي غرزة بإبرة، ثم ذر عليه دخان الشحم فصار منه خطوط ورسوم)، بحسب معجم المعاني الجامع، ويقال عن الشخص ذو الوشم موشوم، مضيفا أن الوشوم والوسوم هي العلامات.

الباحثة زينب رياض، مدرس الآثار المصرية القديمة بجامعة أسوان، كتبت بحثا حول الوشوم في مصر القديمة، وثقت فيه جذور فن الوشم ودلالته الرمزية والعلاجية وتعرضت إلى أهم العلامات الوشمية وطرق عمل الوشم.

تقول الباحثة في تصريح لـ”باب مصر”، إن الوشوم عرفت في مصر القديمة من الألف الرابعة قبل الميلاد على أقل تقدير، لافتة إلى أن الوشوم لم تقتصر على الأجساد البشرية فقط بل تعدتها إلى التماثيل والأواني الفخارية.

 دلالات

تلمح الباحثة، إلى أن الباحثين اختلفوا في الدلالات الرمزية للوشوم، فمنهم من اعتقد أن الوشم ذو دلالات سحرية ترتبط بعلاج الأجساد من خلال القوة السحرية في الوشوم المطبوعة على الجسد، ومن ناحية أخرى فقد اعتبر بعض الباحثين مثل (فانصو) أن الوشم فن ذو دلالات عقائدية واجتماعية وفلسفية، وتوضح الباحثة أن المصري القديم كان يترجم رسائل الطبيعة في شكل رموز وشمية يرسمها على جسده أو على التماثيل، مثل أن يرسم وشم للمعبودة “حاتحور” كرمز للخصوبة والنماء، أو أن يطبع علامة (العنخ) رمز الحياة المتجددة.

بعض أدوات الوشوم بمحتف بيتري - مجلة البحوث التاريخية بي دي اف
بعض أدوات الوشوم بمحتف بيتري – مجلة البحوث التاريخية بي دي اف

شوكة وإبرة

وطبقا للباحثة، فقد استخدم المصري القديم طريقة بدائية في صنع الوشوم على الأجساد تميزت بأنها مؤلمة وتؤذي الجلد عن طريق حرقه أو إحداث جروح في الجلد ومع التئام الجروح يظهر رسم الوشم، مضيفة أنه سرعان ما طور الطريقة وأصبحت مجرد وخزات على الجلد لتثبيت الخطوط ثم وضح الكحل أو صبغة “النيلة” والتي تكسب الوشم اللون الأزرق أو الأخضر.

وتورد الباحثة نوعين من أدوات الوشم في مصر القديمة، النوع الأول عبارة عن عظم الأسماك (شوكة)، وكانت تثبت بمقبض خشبي وذلك طبقا لعالم الآثار (بيانكي)، أما النوع الثاني فيعد أول نموذج لإبر الوشم في التاريخ وهو عبارة عن 7 إبر معدنية من النحاس أو البرونز، تثبت أو تربط معا في عصا خشبية، مشيرة إلى أنه عثر على هذه المجموعة من الإبر بالقرب من مقبرة الملك جر في أبيدوس من عصر الأسرة الأولى (3050 ق.م)، والتي اكتشفها عالم الآثار بتري وتوجد حاليا في متحف بتري بلندن.

وتضيف الباحثة، أن بتري عثر أيضا في منطقة غراب بالفيوم على سبع أدوات برونزية بنهايات مدببة يتراوح طولها ما بين 34- 15مم، ثلاثة منها كانت مربوطة إلى بعضها بخيط، ولأنه عثر عليها ضمن مجموعة من أدوات التجميل، فقد اعتقد بتري أن هذه الأداة ما هي إلا ملقط ولكنه لاحظ اختلاف عدد  الأسنان، ما جعله يفكر في تفسير أخر لاستخدام هذه الأداة، وبعد الدراسة تأكد له أنها كانت تستخدم في عمل الوشوم وأنها ترجع لعصر الأسرة الثانية عشر (1991-1759ق.م)، وهي محفوظة أيضا بمتحف بيتري.

 بعض وموز الوشوم- مجلة البحوث التاريخية
بعض رموز الوشوم- مجلة البحوث التاريخية

الألوان

وتوضح رياض، أن الأصباغ والألوان التي كانت تستخدم في الوشوم اشتقت من الأكاسيد المعدنية، مثل اللون الأحمر والبني والأصفر، وأحيانا كانت تستخرج من مادة (الوكر) وهي مادة ترابية فيها الكثير من خام الحديد، أما اللون الأسود فكان يستخرج من الفحم ومشتقاته (السناج)، وكانت تلك الألوان تخلط مع دهن الحيوانات أو الزيوت لإكسابها قوة الثبات على الجلد.

وتذكر رياض، أن كل لون كان له رمزية معينة، فمثلا الأخضر يرمز إلى الحياة الجديدة، والأزرق يرمز إلى الميلاد الجديد، أما الأسود فيرمز إلى دورة الحياة والموت والبعث الجديد.

وتلفت الباحثة، إلى أن ألوان الوشوم كانت تحفظ في عظام مجوفة، وكان أكثر الألوان شيوعا هو الأسود، ولإكساب الوشوم اللون الأخضر المعروف شعبيا حتى الآن، فكان بعد أن يبرأ الجلد من الوخز يوضع عليه معجون من أوراق (السلق) أو البرسيم فتقوم هذه المادة بالمساعدة في التئام الجرح وتكسبه اللون الأخضر، وتنوه الباحثة إلى أن هذه الطريقة ما زالت متبعة في قرى مصر.

مهنة نسائية

وتكشف الباحثة أنه ليس هناك أدلة واضحة بشأن صانعي الوشوم في مصر القديمة، لكن ما عثر عليه من تماثيل موشومة وكذلك اكتشاف مقبرة لسيدة بتل حسن داوود تحتوي على أدوات الوشم، فضلا عن احتوائها على مومياوات موشومة، كل ذلك يعزز بشكل كبير النظرية السائدة أن القائمين على عملية الوشم كن من النساء وربما يفسر لنا ذلك شيوع مهنة الوشم حاليا في قرى ونجوع مصر بين النساء وخصوصا في صعيد مصر.

نماذج للتماثيل الموشومة - مجلة البحوث التاريخية
نماذج للتماثيل الموشومة – مجلة البحوث التاريخية

التماثيل الموشومة

تورد الباحثة أن أول ظهور للوشم على التماثيل الفخارية (التراكوتا) ظهر في الألف الرابعة قبل الميلاد، وكان بمثابة توثيق لما تقوم به النساء أو كنماذج لتصميمات الوشوم، ملمحة إلى أن جميع نماذج التماثيل الموشومة كانت لنساء، وتميزت أنها حوت وشوما في أماكن متفرقة من الجسد بعضها كان في الوجه وعلى الأذرع والسواعد والرقبة.

أغراض الوشوم

وتلمح الباحثة إلى أن أشكال الوشوم، تنوعت ما بين الخطوط المنقطة وهو ما كان يوجد أسفل الذقن أو حول الأذرع، كما ظهرت الخطوط الزجزاجية في التماثيل الأنثوية، ووشوم الأشكال الحيوانية وصور المعبودات، ملمحة أنه كان للمعبودة حاتحور والمعبود “بس” نصيب الأسد في تلك الوشوم، مشيرة إلى العثور على عشرات النماذج لتماثيل فخارية حوت صورة حاتحور، واكتشفت مومياوات لرقصات تعود إلى عام (1500 ق.م )عليها صورة الإله بس اله المرح.

وبالنسبة للحامل، كان الوشم الأكثر شيوعا وشم الإلهة حاتحور على اعتبار أنها إلهة الأمومة، وإحدى الآلهات الحاميات، أما بالنسبة للصور الوشمية فكانت إما خطوط هندسية وبعضها شبيه بالوشم الحالي أو رموز دينية، وغالبا تكون علامة الحياة أو معبودات وأشهرها “حاتحور” والإله “بس”.

رسوم الوشوم على التماثيل - مجلة البحوث التاريخية
رسوم الوشوم على التماثيل – مجلة البحوث التاريخية

وتلخص الباحثة أغراض الوشوم في:

الزينة والتجميل: وهي الوشوم التي كانت توضع في الوجه وخصوصا أسفل الذقن أو على الأذرع أو المعاصم، والتي كانت تحاكي الحلي وتعتبر بديلا عنه وهذا يفسر لنا أن الأماكن التي وجد فيها الوشم هي نفس الأماكن التي كانت تعتاد النساء تزينها بالحلي.

وسيلة طبية: وتشرح الباحثة أنه أحد أسباب استخدام الوشم كان التداوي من منطلق أن للوشم قوة علاجية سحرية قادرة عن دفع الأرواح الشريرة المسببة للمرض، موضحة أن المصري القديم اعتاد أن يضع وشم عصفور على جبهته لاعتقاده أن ذلك يمنع عنه الصداع، واستخدم الوشم للنساء في فترة الحمل كتميمة لضمان سلامة الأم والجنين في الحمل وأثناء الولادة.

غرض ديني: وهو إعادة تكريس للمفهوم الديني في تفسير طبيعة الكون ومدلولاته الفلسفية، وطبقا للباحثة فقد حاول المصري القديم استخدام الوشم سواء على الأجساد أو التماثيل للتعبير عن معتقداته الدينية.

تراث

وتشير الباحثة إلى أنه بالدراسة وجد أن معظم الأشكال الوشمية السائدة حاليا في صعيد مصر أو في تجمعات البدو هى امتداد للأشكال الوشمية في مصر القديمة، مثل وشم الشفة السفلية باللون الأخضر، والذقن يكون عليها رسم يصل من الشفة إلى أسفل الذقن تضعه الفتاة كنوع من التجميل والزينة، وأيضا يقمن بوشم ظهور أيديهن وأذرعهن وأقدامهن والوسط تماماَ كما كان الحال فى بعض المومياوات المصرية القديمة.

مومياء لأميرة تحتوي على الوشوم- ويكيبيديا
مومياء لأميرة تحتوي على الوشوم- ويكيبيديا

هوامش

  • جميع الصور الفرعية مأخوذة من مجلة البحوث التاريخية – العدد الثالث 2018 (بي دي اف) – الوشم في عصور ما قبل التاريخ في مصر (بحث)-  زينب عبدالتواب رياض- من ص (16) إلى ص (21).

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى