ادب وفننصوص أدبية

من الأدب الفرعوني| "لا شيء يفوق الكتب".. تعاليم خيتي بن داووف

يشير الدكتور سليم حسن، في كتابه “الأدب المصري القديم” إلى ازدهار الأدب في العصر الإقطاعي خصوصا في باب الحكم والتعاليم، وشيوع هذه التعاليم في مدارس الدولة الحديثة (1550-1077 ق.م) وخصوصا في مدارس الرعامسة (1307-1196 ق.م)، ومنها تعاليم كانت تعرف باسم (تعاليم داووف) إلى أن برهن جاردنر أن اسم كاتبها هو (خيتي بن داووف) وقد كتبها لابنه بمناسبة التحاقه بالمدرسة العليا بالعاصمة.
ويلمح حسن إلى أنه عثر على العدد من النسخ من تلك التعاليم، بعضها كتب على الخشب والحجر أو قطع الخزف، إلا أن أقدم الفقرات التي وصلت إلى أيدي العلماء كانت تلك التي اهتدى إلى حلها العالم الروسي بيانكوف، وكانت مكتوبة على الخشب وترجع إلى عصر الأسرة الثامنة عشر (1550-1307 ق.م).
ويرجع حسن سبب شيوع تلك التعاليم في مدارس الدولة الحديثة إلى أنها كانت تمتدح من مهنة الكاتب وتعلي من شأن صنعة الكتابة بشكل عام فضلا عن احتوائها على نصائح قيمة للطلاب حول أفضل الطرق في إدارة الأعمال في الدواوين الحكومية وكيفية التعامل مع الرؤساء.
وبحسب حسن فإن خيتي بن داووف هو نفسه كاتب تعاليم الملك أمنمحات الأول والتي تركها لابنه سنوسرت الأول، والذي كان يشغل منصب كبير كتبة الملك في أوائل عصر الأسرة الوسطى (2055-1650 ق.م) وعرف بلقب الحكيم خيتي بن داووف.
لا شيء يفوق الكتب
وبحسب سليم حسن يفتتح الكاتب خيتي تعاليمه بعنوان تضمن اسمه واسم ابنه الذي كتب التعاليم من أجله ومناسبة كتابتها فيقول مفتتحا:
“تعاليم ألفها المسافر في حجرة سفينة اسمه “خيتي” بن “داووف” لابنه “بيبي” حينما سافر مصعدا في النهر إلى عاصمة الملك ليلحق ابنه بالمدرسة بين أولاد الحكام”.
ويلمح حسن إلى أن العنوان يحتوي على معلومات هامة، فمنها نعلم أنه كانت توجد مدرسة جامعة بالعاصمة يتعلم فيها أبناء علية القوم وأن العاصمة كانت في الوجه القبلي، ملمحا إلى أن العاصمة قد تكون أهناسيا (بني سويف) أو طيبة (الأقصر).
ثم يتابع خيتي موجها كلامه لابنه بيبي، محاولا أن يرسم له الصورة القبيحة التي يكون عليها الجاهل ومغريا إياه بمميزات صنعة الكتابة وأهمية الكتب، فيورد ناصحا:
“لقد رأيت من ضُرب، فعليك أن توجه قلبك لقراءة الكتب، ولقد شاهدت من أعتق من الأشغال الشاقة تأمل لا شيء يفوق الكتب” .
“ليتني أجعلك تحب الكتب أكثر من والدتك”
ويتابع خيتي: “اقرأ في نهاية “كمت” (لعله اسم كتاب قديم) تجد فيه هذه: أن الكاتب عمله في كل مكان في حاضرة الملك ولن يكون فقيرا، والرجل الذي يعمل على حسب عقل غيره لا ينجح، ليتني اجعلك تحب الكتب أكثر من والدتك، وليت بمقدوري أن أظهر جمالها أمام وجهك، إنها أعظم من أي حرفة، إذا أخذ التلميذ في سبيل النجاح وهو لم يزل طفلا فإن الناس تهنئه، ويكلف تنفيذ الأوامر، ولا يعود إلى البيت ليرتدي ثوب العمل مثل أرباب الحرف الأخرى.
“على أنني لم أر قط قاطع أحجار كلف برسالة”
ويلمح حسن إلى أن خيتي بعد أن لفت نظر ابنه إلى أهمية التفوق في تعلم الكتابة وشرح له كيف أن الكاتب أعظم شأنا من غيره في الحرف الأخرى، يبدأ في تعديد عيوب الحرف الأخرى، فيشير إلى أن أصحاب المهن الأخرى في حال صعبة من شظف العيش ومخاطر المهنة، ويستهل بأن يقول له إن أصحاب المهن البدنية الشاقة لا يرتقوا إلى درجة توصيل رسالة أو إنجاز مهمة للحاكم، ثم يبدأ في طرح مشاق ومخاطر كل مهنة على حدة فيقول:
“ولكني رأيت النِّحاس يقوم بعمله عند فوهة الاتون وأصابعه كأصابع التمساح (أي خشنة) ورائحته أكثر كراهية من البيض والسمك”.
“والبناء يبحث عن عمل له في كل أنواع الأحجار الصلبة، وعندما ينتهي منه تكون ذراعاه قد تكسرتا”.
“والحلاق يحلق متأخرا إلى الغروب ويجول من شارع إلى شارع ليبحث عمن يحلق له”.
“والتاجر يسيح إلى الدلتا ليحصل على ثمن سلعته”.
“وصانع اللبِن (ضرب الطوب) يقضي حياته بين الماشية وملابسه تكون خشنة”.
“أما البستاني فيحضر أثقالا وذراعه ورقبته تتألمان من تحتها”.
“أما الفلاح فحسابه مستمر (أي أن صاحب الأرض يطالبه دائما بتأدية ما عليه من الديون) إلى الأبد، وحالته كحال من يعيش بين الأسود، وهو في غالب الأوقات مريض”.
“وحال الناسج داخل مصنعه أتعس من حال المرأة، فركبتاه تكونان في بطنه، وهو لا يمكنه أن يستنشق الهواء”.
“وصانع السهام يكون تعسا عندما يرحل إلى الصحراء وأن ما يعطيه لحماره لكثير هذا فضلا عن أن عمله يستغرق وقتا طويلا”.
“وحامل البريد عندما يسافر إلى بلد أجنبي يوصي بأملاكه لأولاده خوفا من الأسود والآسيويين”.
“والاسكاف يحمل أوانيه إلى الأبد، وصحته تكون كصحة الجيفة”.
“إني مخبرك كيف أن حرفة صيد السمك أكثر تعسا من أية حرفة أخرى، فأنه يشكو منها، أليس عمله على النهر حيث يختلط بالتماسيح”.
ويعتقد سليم حسن أن خيتي بالغ في الصورة التي يضعها أمام ابنه حول حال المهن الأخرى، بالرغم من أن بعض أصحاب تلك الحرف كان يحب مهنته لذاتها وألا لما وصلت لنا تلك الأعمال الفنية الرائعة من عمارة ونحت ونقش.
الكاتب رئيس نفسه
ويلفت حسن إلى أن خيتي بعد أن انتهى من تقبيح المهن الأخرى في عين ولده، يشرع في إطراء وامتداح مهنة الكاتب، ليصل إلى الفكرة الرئيسية لكل أقواله وهي أن الكاتب لا يتلق أوامر من غيره فلا رئيس له بل هو رئيس نفسه، فيقول: “تأمل.. فأنه لا توجد حرفة من غير رئيس لها إلا صناعة الكاتب فهو رئيس نفسه، فإذا عرف الإنسان الكتب فإنه يقال عنه بحق: إنها مفيدة لك، ويوم في المدرسة مفيد لك وما تعمله فيه يبقى مثل الجبال”.
“كن قنوعا”
وطبقا لحسن، فإن خيتي بعد أن أفصح صراحة عن الفكرة الرئيسية من نصائحه لابنه بأن مهنة الكاتب هي أفضل مهنة على الإطلاق، ولا توجد مهنة أخرى تضاهيها في المكانة، يسوق لابنه بعض النصائح العامة الأخلاقية والتي يجب أن يتسلح بها وهو بين أقرانه بالمدرسة العليا فيورد ناصحا:
“دعني ألق عليك فضلا عما سبق كلمات لأعلمك: أذا دخلت ورب الأسرة في داره مشغول بآخر قبلك فعليك أن تجلس ويدك في فمك (صامت)، ولا تسألن عن أي شيء، ولا تتكلم بكلمات غامضة، ولا تنطق بلفظة وقحة”.
ثم يوصي ابنه بالقناعة في الطعام والشراب، قائلا:
“كن قنوعا بطعامك، إذا كان يكفيك ثلاثة رغفان وشرب قدحين من الجعة، فإذا لم يكن بطنك قد اكتفى فحاربه”.
ثم ينصحه بالإنصات إلى كلمات الحكماء واتخاذ صديق موثوق، فيورد قائلا:
“انظر، إنه لحسن أن تفض الجمهور وتستمع إلى كلمات العظيم”.
“لتتخذ لنفسك صديقا من جيلك”.
الخاتمة
يوضح حسن أن خيتي في خاتمة تعاليمه، يشير إلى أنه قد وضع ابنه على الطريق الصحيح، طريق ربة حصاد الكاتب، وأنه لن يعاني من الأم الحاجة، ويخبره أنه بفن الكتابة يمكن أن يصل إلى أعلى المناصب في البلاط، ويمكن أن يصبح عضوا في المجلس الأعلى للحكام “قنبت”، وإذا تسلح بالحكمة والعلم فيمكن أن يصير رئيس القنبت، فيقول مختتما تعاليمه: “انظر لقد وضعتك على طريق الإله، وأن (رننوت) الكاتب (أي ربة الحصاد لكاتب) قد أصبحت على كتفه منذ يوم ولادته، وهو يصل إلى باب مجلس “القنبت” عندما يصل إلى سن الرجولة، تأمل أنه لا يوجد كاتب قد حرم القوت الذي هو متاع بيت الملك عاش في صحة وفلاح. “ومسخنت ” (إله الكتابة) هي سعادة الكاتب، وهي التي تضعه على رأس المجلس الأعلى (قنبت)، ويجب على الإنسان أن يشكر والده ووالدته اللذين وضعاه على طريق الإحياء، والآن تأمل، فإن هذا (أي ما نصحتك به) ما أضعه أمام وجهك ووجه أولادك وقد انتهى بسلام”.
هوامش
الأدب المصري القديم – سليم حسن – مهرجان القراءة للجميع – من ص 207 إلى ص 216.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى