منيرة ثابت ضد إنجي أفلاطون: وقائع معركة منسية دفاعا عن حقوق المرأة

“أصر أبي على إدخالنا أنا وأختي مدرسة القلب المقدس.. لماذا؟ لأنه كما أعلن يخاف أن ننشأ مثل أمنا ونسير على دربها في الاستقلال والعناد. وأن نتعود الترف والدلال مثل باقي بنات الذوات.  كانت الأغلبية بين تلميذات المدرسة من المسيحيات وأكثرهن من الأسر القبطية الكبيرة، وأيضا من الطبقة المتوسطة ذات التطلعات الحادة. كن يتفاخرن بالحديث بالفرنسية ويتبارين في ازدراء كل ما هو مصري أو عربي أو يمت لذلك بأي صلة من قريب أو بعيد وكانت الفتيات المسلمات أقلية تعد على الأصابع ومقبولات من الأغلبية المسيحية التي تتسامح مع وجودهن.

لقد كرهت بكل شعوري ووجداني تلك المدرسة. شعرت أنها أقرب إلى السجن. كرهت القيود على حريتي والعيون التي ترصد حركاتي وسكناتي وتدين كل ما أفعله. ولم أكن قد تجاوزت الثانية عشر ربيعا. وكنت على وشك أن يصدر قرار بفصلي نهائيا من المدرسة وأخرجتني أمي من المدرسة نهائيا بعد أن اختلت بها رئيسة الراهبات “الأم بارتلو” وأسرّت في أذنها مشيرة إليّ بحذر. وقالت لها: إني أحذرك.. ابنتك هذه قد تصبح عنصرا خطرا في المجتمع.  وانتقلت من كابوس الراهبات إلى مدرسة الليسية الفرنسية”.

هكذا تحدثت إنجي أفلاطون (إبريل 1924- إبريل 1989) عن نشأتها وحياتها.  كانت كارهة للقيود، كما ظل وصفها بأنها عنصرا خطرا في المجتمع ملاصقا لها عندما أصبحت شابة وشاركت في أول مؤتمر عالمي للطلبة عام 1946 في براغ. وهو المؤتمر الذي اشترك فيه مندوبون 40 دولة بينها عدد كبير من الدول التي كانت تئن تحت نير الاستعمار وتناضل للتحرر والاستقلال. وفي هذا المؤتمر تم اختيار يوم 21 فبراير من كل عام ليصبح يوم الطلبة العالمي.

**

ساهمت إنجي في تأسيس الجمعية النسائية الوطنية المؤقتة عام 1947. وأصبحت عضو الاتحاد النسائي الدولي وشاركت في المؤتمر النسائي بباريس عام 1947. وعند عودتها وضعت كتابها الأول “80 مليون امرأة معنا”وهو الكتاب الذي يهدف أساسا إلى تعريف الناس بنضال المرأة في مقاومة الاستعمار. ويبرز أهمية الوحدة بين نساء العالم لنيل حقوقهن العادلة.

فكرت إنجي أفلاطون في شخصية لها وزنها ليكتب مقدمة الكتاب ويقدمه ويقدمها للقراء وكان الدكتور طه حسين بالنسبة لها ولسائر المثقفين هو المفكر الحر الجرئ وداعية التجديد والتحديث ونصير للمرأة في كفاحها.

**

تقول إنجي أفلاطون: “جمعت شجاعتي وأنا أرتعد خجلا وخوفا وذهبت إليه في يوم من أيام الأحد. حيث كان يخصصه لاستقبال زواره. قدمني سكرتيره: الآنسة إنجي أفلاطون. قال الدكتور طه حسين مبتسما: أهلا بالآنسة الشيوعية، وأحمر وجهي وازداد خجلي، لكن رقته ولطفه أدركاني. انتحى بي جانبا وسألني عما أريده، فشرحت له رغبتي. طلب أن أترك الكتاب ليقرأه ووعدني بكتابة المقدمة إذا راق له الكتاب.

وما هي إلا أيام مرت حتى اتصل بي سكرتيره وأخبرني أن الدكتور طه حسين كتب المقدمة، وكانت لحظات من أسعد أوقاتي”.

ونشر الكتاب في مطلع عام 1948 فكان إيذانا بحملة شعواء ضده، وليس غريبا أن كتابا يدعو إلى أن تنال المرأة حقوقها يقابل بالحرب. ولكن الغريب في أن من بدأ هذه الحرب كانت سيدة من أبرز مناضلات الحركة النسائية سابقا، وهي السيدة “منيرة ثابت” أول صحفية نقابية مصرية، وكذلك أول محامية عربية ولها فضل في إصدار قانون المساواة في العمل السياسي بين المرأة والرجل.

**

ففي عام 1924 أجريت أول انتخابات برلمانية مصرية تحت ظل دستور 1923. ولكن كان هناك تناقض غريب بين مواد دستور 23 وقانون الانتخاب. فالدستور نص في المادة الثالثة على أن المصريين لدى القانون سواء وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة لا تمييز بينهم في ذلك.

بينما ينص قانون الانتخاب وقتها على أن التصويت في الانتخابات حق لكل “ذكر” مصري.. وبذلك مٌنعت النساء من التصويت في الانتخابات. وأرسلت منيرة ثابت لسعد زغلول تقول له هل النساء غير مصريين؟، ألم ينص الدستور على المساواة؟، وطالبت سعد زغلول حينذاك بتوفير شرفات للنساء لحضور جلسات البرلمان طوال دورة الانعقاد، وقد كان لها ما أرادت وانتصرت في معركتها. وقالت: “قضي الأمر، اقتحمت المرأة المصرية دار مجلسي الشيوخ والنواب رغم أنوف السادة الغاضبين”.

**

ولكن يبدو أن الأمور كانت قد تغيرت وتبدلت لدى السيدة منيرة ثابت بين عامي 1924 و1948. فكتبت إلى مجلة آخر ساعة رسالة غاضبة عن كتاب إنجي افلاطون، جعلت عنوانها “الشيوعية وحقوق المرأة”. تقول فيها: “حمل إلىّ البريد مؤلفا نسويا مصدرا بقلم صاحب العزة الدكتور طه حسين ولعله كتبها دون أن يطلع على محتويات الكتاب.

وفي وقت كان فيه اسم إنجي أفلاطون يثير الشبهات وهي صاحبة هذا المؤلف النسوي الخطير. وقد لفت نظري هذا الاسم بمناسبة قضية الخلايا الشيوعية التي هاجمها البوليس في الأيام الأخيرة. فبادرت بإلقاء نظرة سريعة على هذا المؤلف. وقد فزعت من هول الآراء التي احتواها، ومما زاد في ألمي أن صاحبته تذيعه في الناس تحت ستار تحرير المرأة والمطالبة بحقوقها. ومن خلف هذا الستار البرئ تدعو النساء إلى الثورة على مبادئ الدين الإسلامي، فيما يختص بعلاقة الزوجة بزوجها وكيان الأسرة. وهي بعد تدعوهن إلى الإقتداء بنساء روسيا ويوغسلافيا ورومانيا إلى أخر هذه البلدان المتبلشفة التي حازت وحدها رضاء وإعجاب الكاتبة المذكورة، التي تدعو أيضا نساء مصر إلى الانخراط في اتحاد دولي تزعم أنه يضم ثمانين مليون امرأة.

وبما أني أطالب بحقوق المرأة السياسية على أساس احترام مبادئ الدين الإسلامي والمحافظة على كيان الأسرة واحترام الدستور والأنظمة القائمة في بلادنا. فقد رأيت أن اكتب إليكم هذه الكلمة للفت نظر السلطات إلى خطورة تداول مثل هذا المؤلف الشيوعي في أوساط الطالبات والتلميذات الناشئات. ومن ثم فإن الآراء التي يحتويها تشوه سمعة حركة تحرير المرأة وتسئ إلى قضية المطالبة بحقوقها التي أعني بها”.. منيرة ثابت

رسالة منيرة ثابت
رسالة منيرة ثابت
**

أثار رأي منيرة ثابت مواقف عديدة فكان بمثابة صدمة نظرا لتاريخها السابق ومواقفها القديمة. فكانت إنجي أفلاطون صاحبة الرد الأول عليها. فكتبت مقالا تقول فيه: “نشرت مجلة آخر ساعة في عددها الأخير رسالة باسم السيدة منيرة ثابت تحمل فيها حملة شعواء على كتابي “80 مليون امرأة معنا”. وأول ما جاء في هذه الرسالة أن الدكتور طه حسين “لعله لم يطلع على محتويات الكتاب حينما كتب مقدمته القيمة”. ولكن كاتبة الرسالة تعبر بذلك عن أمل خائب بلا شك.

ثم تكلمت عن تردد اسمي بمناسبة قضية الخلايا الشيوعية الأخيرة. وهي في هذا تساير البوليس السياسي في أمل إلصاق تهمة الشيوعية بكل مكافح ضد الاستعمار. ذلك أن النيابة حققت معي لا من أجل حادث الخلايا الشيوعية، وإنما من أجل اشتراكي في المؤتمر النسائي الدولي الذي يضم 80 مليون امرأة، والذي هاجمت فيه الاستعمار البريطاني على نطاق دولي وهي حقيقة لا تستطيع منيرة ثابت أن تتمنى عدم صحتها.. فهل في هذا عيب؟

أما اتهامي بالدعوة إلى الثورة على مبادئ الدين الإسلامي تحت ستار تحرير المرأة. فهو اتهام باطل لا يستند على أساس سليم وليس يكفي أن تلقي منيرة ثابت هذا الإتهام جزافا فيصدقه القراء دون تحليل مواد هذه الدعوة. وأنا أتحداها أن تفعل هذا لتوضيح فزعها من هول الآراء التي احتواها هو فزع من المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية والاجتماعية.

**

ثم تكتب إنجي أفلاطون نبذة من مقدمة طه حسين للكتاب لتثبت به صدق حديثها، قائلة: “ويكفي أن أعيد هنا نبذة من مقدمة طه حسين بك. قال: والمرأة المصرية حين تطالب بما تطالب به من الحرية لا تخالف سنة موروثة ولا شيئا من آدابنا التقليدية المحفوظة، وإنما تطالب بإحياء هذه السنة ورعاية هذه الآداب”.

ثم تسخر إنجي أفلاطون من مطالبة منيرة ثابت للبوليس السياسي بمصادرة الكتاب: “وتعبر كاتبة الرسالة عن أمل خائب سبقها إليه البوليس السياسي الذي يرى رأيها في مصادرة حرية الرأي. فقالت أنها تريد تنبيه السلطات إلى خطورة تداول مثل هذا المؤلف في أوساط الطالبات والتلميذات الناشئات. ذلك أن البوليس السياسي طلب من النيابة مصادرة كتابي فرفضت النيابة هذا الطلب لأنها لم تجد فيه شيئا معيبا”.

وتختتم أفلاطون مقالها قائلة: “وأريد في النهاية أن أطمئن كاتبة الرسالة إلى أن حركة تحرير المرأة التي كانت تعني بها في الماضي لن ينالها التشويه وأنها ستمضي قدما. لأنها لا تحب الرجوع إلى الوراء ولا تحب الوقوف الذي لا حركة فيه”.

كانت العبارة الأخيرة التي كتبتها إنجي أفلاطون في ردها على منير ثابت. وهي “حركة تحرير المرأة لا تحب الرجوع  إلى الوراء”. كانت تلك العبارة هي التي التقطها عالم شاب من علماء الأزهر، وهو “خالد محمد خالد” وكان وقتها في الثمانية والعشرون من عمره ، وكتب مقالا حادا مدافعا فيه عن إنجي افلاطون ضد منيرة ثابت، والذي اعتبر موقف الأخيرة هو رجوع إلى الوراء، ولم يكن يعلم خالد محمد خالد أن موقفه من كتاب “80 مليون امرأة معنا” سيتكرر مرة أخرى، ولكن مع كتابه “من هنا نبدأ”.

رد إنجي أفلاطون
رد إنجي أفلاطون
**

ولكن بعد عامين كتب خالد محمد خالد مقالا بعنوان “منيرة ثابت تزحف ولكن إلى الوراء” ونشرته مجلة “السوادي “. كتب فيه: “حرام أن يذهب الإنتاج الفكري أيا كان لونه وقدره ضحية عاطفة خاصة تستغل الدين في إعلاء كلمتها استغلالا مغلوطا. وإذ قد خلا دفاع الآنسة إنجي أفلاطون من الدعامات الدينية التي تؤازرها وأقذف باتهام السيدة منيرة ثابت إلى مكان بعيد. فقد وجب على رجل الدين أن يتقدم للفصل في نزاع أقحم الدين فيه إقحاما مريبا الأمر الذي دعاني إلى نشر هذا الرأي على صفحات مجلتنا الحرة الشجاعة “السوادي”.

تقول السيدة منيرة: أنها فزعت من هول الآراء التي احتواها الكتاب والتي تعتبر ثورة على الدين الإسلامي. ومن العجب أن تزلزل هذه النشرة الوديعة الصغيرة سكينة السيدة الوقورة وتعصف بهدوئها. لقد قرأت الكتاب في الساعات الأولى لظهوره. وأحب أن أبشر السيدة منيرة بأنها أول من ثار على الإسلام إذا كانت تعتبر الآراء التي احتواها الكتاب ثورة. ذلك أن ممارسة المرأة حقوقها السياسية والاجتماعية على الصورة التي تدعو إليها السيدة من زمن بعيد لن تجد لها نصا واحد من نصوص الدين الصريحه يقرها وإنما هناك اجتهاد لهذه النصوص.

**

ويختتم مقاله قائلا: “شئ آخر يدفعني للكتابة وهو أن أرصد للسيدة منيرة هذه النكسة العاطفية التي جعلتها تنتقد الكتاب وتحرص على مصادرته بصورة مريبة لا تليق. وأسجل لها هذا الزحف السريع إلى الوراء ممن كانت تحسب نفسها فارسة الطليعة التي تقتحم الحواجز والأسلاك. ثم لأفسد عليها غرضها الذي هو جزء من خطة مرسومة يحاول واضعوها دائما أن يزجو الدين في قضايا خاسرة. أليست مهزلة عجيبة؟، لكن أعجب منها أن يسكت عنها رجال العلم والدين…. خالد محمد خالد من علماء الأزهر”.

وبعد سنوات طويلة من تلك المعركة تعود إنجي أفلاطون وتتذكرها في مذكراتها بشكل عابر، ولكنها تذكر موقف خالد محمد خالد بتقدير وعرفان. كتبت : “وكانت المفاجأة الجميلة أن كاتبا عظيما تصدى لمقال الست منيرة. فكتب في الأسبوع التالي مقالا وقد هاجمها بحدة من منطلق أنها وهي زعيمة نسائية مخضرمة تهاجم شابة شجاعة متحمسة تدافع عن تحرير المرأة. وكان المفروض أن تشجعها بدل الهجوم عليها. كانت دهشتي وفرحتي كبيرة، فها هو عالم أزهري محترم يدافع عني بحماس ولم تكن بيني وبينه معرفة. ذلك الرجل الكبير هو الأستاذ خالد محمد خالد.

اقرأ أيضا

تشويه وقائع اغتيال شهدي عطية في كتاب مختصر

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى