ملف| طه حسين عميد الأدب العربي.. البصير الذي جاء ليقود خطانا إلى النور

اليوم ذكرى رحيل طه حسين عميد الأدب العربي الـ48.. اطمئن العميد أن مصر اقتحمت خط بارليف، وخاضت الحرب المنتظرة فأغمض عينه ورحل، تاركا إرثا فكريا قلما يتكرر. طوال السنوات الماضية  لم يغب طه حسين عن المشهد الثقافي، لا يزال حاضرا لأنه في الوقت الذي كانت الثقافة المصرية منشغلة بسؤال الماضي، جاء ليشغلها بسؤال المستقبل. كان شعاره الدائم: «أنا قلق دائما، مقلق دائما، ساخط دائما، مثير لسخط من حولي». هكذا جاء «الضرير» متحديا عاهته: «ليقود خطانا إلى النور» كما يقول عبدالمعطي حجازي في قصيدة له.

متحف الأفكار

ولو أن المجتمع الذي نعيش فيه كان مجتمعا صحيا لكان لأفكار العميد أن تأخذ الآن مكانها فوق أرفف المكتبات، في متحف الأفكار، نعود إليها متأملين سؤالا قديما تجاوزناه. ولكن ذلك لم يحدث. بقيت أفكار صاحب «في الشعر الجاهلي» دليلا على عجز المجتمع.. وظل حلم طه حسين بـ«مصر جديدة تظللها المعرفة ويداعبها الرخاء» حلما بعيد المنال. طرح العميد على المجتمع أسئلة علاها الغبار: أسئلة الهوية، الارتباط بالحداثة، علمنة المجتمع، التعددية، الإصلاح الديني والسياسي.. وغيرها، ولم يكن المجتمع من قبل قادرا على تجاوزها، كلما عبرنا عتبة أوقفنا جدار.

الحرية رهانه

في عام 1934 عندما صدر قرار فصل طه حسين من الجامعة كتب لزوجته: «إننا لا نحيا لكي نكون سعداء».. أبدت دهشتها من العبارة.. وبعد سنوات من تأمل حياتهما معا أدركت كم كان هو من ذلك النوع النادر من الرجال الذي يعيش «ليمنح الفرح للآخرين ويعلمهم الشجاعة ويعطيهم الأمان». كتب لها ذات مرة «إنك تعرفين هذا النوع من الرضى الذي يعقب القيام بالواجب، وذلك الشعور بأن المرء على مستوى الرسالة التي كلف بها رغم المصاعب»

الحرية.. هي كل شيء بالنسبة للعميد.. أن تفهم وتطالب بحريتك يعني أن تسحب الوجود من سلطة تحب العمل في الظلام.. «الحرية شرط أساسي لنشأة التاريخ الأدبي في لغتنا العربية، وأنا أريد أن أدرس تاريخ الآداب في حرية وشرف…»، كما قال أثناء مناقشة أزمة كتابه «في الشعر الجاهلي». العميد لم يعمل في الظلام، لقد أراد أن يحرر العقل من الجمود والرتابة، كان الدفاع عن العقل معركته الرئيسية… والتعليم والحرية هما أدواته لتحرير العقل، كما كانت «الرقابة مكروهة مهما يكن الموضوع الذي تراقبه. ولن يكون الأدب حرا إلا إذا كان القلم حرا في كل ما يطرق من موضوعات».

كان التعليم هو رهان طه حسين لتحرير العقل.. وخاصة أن المدارس من وجهة نظره: «قد أغلقت أبوابها ونوافذها إغلاقا محكما، فحيل بينها وبين الهواء الطلق. وحيل بينها وبين الضوء الذي يبعث القوة والحركة والحياة».. مضيفا: «إذ يأخذ الطلبة من الكتب المقررة عليهم.. استظهارا يستعينون به على أداء الامتحان. حتى إذا فرغوا من هذا الامتحان انصرفوا عما حفظوا أو انصرف عنهم ما حفظوا: لم ينتفعوا منه بقليل ولا كثير. ولم يتعلموا منه نقدا ولا بحثا، ولم يفيدوا منه ذوقا ولا شيئا يشبه الذوق».

حلول العميد

الحلول التي يقدمها العميد واضحة، ويمكن اعتبارها حلا لكل زمان: «أن تلجأ وزارة المعارف إلى طائفة من الفنيين الذين يدرسون الأدب العربي في ذوق.. ويقرأون اللغة في فهم وفقه.. ويتخذون منهما ومن العناية بهما لذة ومتعة، لا وسيلة إلى العيش وقبض الراتب آخر الشهر». ليست المناهج وحدها هي الحل.. وإنما طريقة التدريس: «البحث العلمي الصحيح قد يستلزم النقد والتكذيب والإنكار والشك على أقل تقدير..»، وهذا هو الأسلوب الذي استخدمه في بحثه سواء في كتابه «في الشعر الجاهلي» أو «مستقبل الثقافة في مصر»..، حتى في روايته الشهيرة «دعاء الكروان» التي يراها فيصل دراج مدينة العميد الفاضلة التي تمجّد قدرة الإنسان الشغوف بالمعرفة على التحرّر.

معنى الجامعة

ربما كانت عبارته الشهيرة «التعليم كالماء والهواء» هي الباقية، هي الأشهر، ولكنها ليست كل ما ترك لنا. لم يكن فقط التركيز على التعليم ما قبل الجامعي، وإنما كان همه أيضا «جامعة دينها العلم».. لأن «العلم حر بطبيعته». يقول في محاضرة له ألقاها عام 1941: «كنا أحرارا مع أساتذتنا، فنحضر إلى دروسهم، ونسمع منهم، وأؤكد لكم أننا كنا نعذبهم كما كانوا يعذبوننا، كنا نناقشهم ونطيل عليهم، وأذكر أن بعض أساتذتنا عندما كنت أناقشه يرفع يديه إلي السماء ويقول «الله حكم بيني وبينك يوم القيامة». ويضيف: لم نكن أحرارا في مناقشاتنا فحسب، وإنما كنا أحرارا فيما نتحدث فيه إلى أساتذتنا، فنقول كل ما يخطر ببالنا، وكثيرا مما نقول سخفا كثيرا، وكان أساتذتنا يقولون سخفا كثيرا أيضا…».

وعن معنى الجامعة يضيف: «إن امتازت الجامعة لدي بشيء فإنما تمتاز بأنها لا تحب السكون والركود، وإنما هي في حركة دائمة وتجديد مستمر، فالذين يلتمسون المحافظة والإبقاء على القديم يمكنهم أن يطلبوه في غير الجامعة، والذين يلتمسون التطور والانتقال بالحياة العقلية يجب أن يتخذوا هذا في الجامعة». الأساتذة أحرار من وجهة نظر العميد فيما يختارون من مواد، وأحرار في اختيار طريقة الدرس، والطلبة أحرار أمام الجامعة، بشرط أن يتحملوا تبعاتهم، فالأهم أن يكون: «الإقبال على العلم والدرس ناشئا عن الحب والرغبة لا الخضوع والطاعة فليس في ذلك خير».

التربية والديمقراطية

وبعد هذه الحرية.. توجد حرية النظام: «ولو كنت أشرع للجامعة نظمها لغيرت كثيرا، ومعنى هذا أن القوانين يجب أن تقوم على فكرة تيسير العلم وتمكين الأستاذ من أن يعيش ويعلم كما ينبغي، وتمكين الطالب من أن يعيش ويتعلم كما ينبغي أيضا». ربما كان كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» دستورا ثقافيا اقترب فيه، بعقلانية وشجاعة، من كثير من الأسئلة الممنوعة التي تعيد اكتشاف التاريخ العربي الإسلامي بعيدا عن الأسطورة والبلاغة والتمجيد الذاتي الفارغ، مطالبا بالتحرر من الغيبيات والتربية العقلية العقيمة… وكان الكتاب يرفض توظيف الثقافة لخدمة الأيديولوجيا، وتأسيس الدولة على مفهوم ديني للهوية. وهذا ما أربك الجميع وقتها.

كما احتلت الديموقراطية مكانا كبيرا في فكر عميد الأدب العربي، كانت هي القضية الجوهرية. يقول العميد: «الذي يشهد تاريخ البشرية وينظر للمجتمعات وتطورها يرى أنه كان هناك دائما اقتران بين الدين والاستبداد والفلسفة والديموقراطية، فالحاكم المستبد يلجأ للدين أما الحكم الديموقراطي الذي يؤمن بالتغير والتعدد فإنه يلجأ للفلسفة». أسئلة العميد هي أسئلتنا للأسف حتى الآن. ولكن تتصدر الواجهة وتبحث عن إجابات في الواقع بعيدا عن الكتب.

اليوم وغدا يحتفي «باب مصر» بالعميد فى ذكراه.. عبر ملف ينشر ويقدم بعضا من معاركه المجهولة.

اقرأ أيضا

ثورة «طاها حسين» لتبسيط «العربية»

آخر معارك طه حسين: المذكرات المزعومة لـ«قربط» سكرتير العميد

قصة أزمة: آسف لن أغير أرائى.. الحق آثر عندي من رضى الناس

في «تونا الجبل».. وقائع قصة عشق بين العميد و «إيزادورا»

طه حسين ممثلا: 3 محاولات غير مكتملة لفيلم «الأيام»

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى