ملف: درية شفيق.. حياة تتمدد

درية شفيق (1908-1975) هي “امرأة مختلفة” والوصف للباحثة الأمريكية سينشيا نلسون. تكاد قصة حياتها أن تلخص مأساة المرأة العربية بامتياز. فقد كانت واحدة من أوائل النساء المصريات اللائي سافرن إلى باريس فى عشرينيات القرن الماضي للدراسة والحصول على الدكتوراه. هناك اختارت دراسة الفلسفة ورفض ذلك بشدة المكتب المصري في باريس فكتبت للدكتور “طه حسين”، فوافقت  الوزارة على رغبة “درية”، لتبدأ فى دراسة الفلسفة والاجتماع، حتى حصلت على ليسانس الدولة بمرتبة الشرف والدرجات الكاملة وتقدمت برسالتها عن (حقوق المرأة في الإسلام).

صفحة من كتاب رجوع بالزمن الى الوراء
صفحة من كتاب رجوع بالزمن الى الوراء

بعد مناقشة رسالتها، قال لها  الأستاذ الفرنسي المناقش للرسالة: “لقد نجحت في تصحيح أفكارنا عن الإسلام، ولك أن تعتبري نفسك المدافعة عن المرأة المسلمة عامة وعن المرأة المصرية خاصة”. وعندما عادت إلى مصر رفض أحمد أمين الذى كان عميدا لكلية الآداب أن يعينها لتدريس الفلسفة في الكلية بحجة أنه لا يستطيع تعيين امرأة جميلة للتدريس بالكلية. وبدأت رحلة كفاح فى شوارع وحارات مصر إذ دعت لمحو الأمية في حي بولاق الشعبي. كما حملت السلاح ضد الاحتلال الإنجليزي. فقد قامت فى أوائل الخمسينيات بإعداد فرقة شبه عسكرية من النساء المصريات للمقاومة ضد وحدات الجيش البريطاني في قناة السويس تضمنت الاستعداد للقتال وتدريب ممرضات للميدان.

***

وفي فبراير سنة ‏1951‏ تحركت ‏(‏درية‏)‏ من قاعة ايوارت بالجامعة الأمريكية في القاهرة ومعها ألف وخمسمائة امرأة قكم باقتحام البرلمان بعد مظاهرة صاخبة لمدة أربع ساعات لتطالب للمرة الأولي وفي قاعة البرلمان بحقوق محددة‏ كالسماح للنساء بالاشتراك في الكفاح الوطني والسياسي. وهو ما أدى إلى تعديل قانون الانتخاب ومنح المرأة حق الانتخاب والترشيح للبرلمان‏.‏

وفي عام 1954م وقت إعداد لجنة مشكلة من قبل حكومة الثورة لدستور مصري جديد، احتجت درية شفيق لعدم وجود امرأة واحدة بين أعضاء اللجنة. وقامت برفقة نساء أخريات بإضراب عن الطعام لمدة 10 أيام، حينها وعدها الرئيس محمد نجيب في رسالة نقلها إليها محافظ القاهرة وقتها بأن الدستور المصري الجديد “سيكفل للمرأة حقها السياسي”. وهو ما تحقق بمنح المرأة المصرية حق التصويت والترشح في الانتخابات العامة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث.

درية شفيق في واحدة من المظاهرات التى تطالب فيها بالمساواة
درية شفيق في واحدة من المظاهرات التى تطالب فيها بالمساواة

وعندما عارضت عبدالناصر بشدة لم ترحمها الصحافة في مصر. أطلقت عليها (زعيمة المارون جلاسيه). وفي فبراير 1957 بدأت الإضراب عن الطعام في السفارة الهندية بالقاهرة. وأعلنت لأجهزة الإعلام الدولية احتجاجها على ( دكتاتورية عبدالناصر)، وطالبت باستقالته. وكانت هذه المعركة الأخيرة لها فقد أثارت العزلة. حتى انتحرت في منتصف السبعينيات تاركة العديد من المؤلفات والكتب..من بينها  “دموع إيزيس” و” مع دانتي في الجحيم” المكون من أربعة عناوين فرعية وفيه تقارن بين جحيم دانتي في (الكوميديا الإلهية) وبين الجحيم الذى واجهته في حياتها الثرية.

***

هذه الحياة بتعقيداتها المتشابكة، تكاد أن تشكل مصدر إلهام وبحث لكثيرين. ومن هؤلاء الباحثة والمترجمة والفنانة البصرية راوية صادق التي تقرأ في مشروعها «وقت يتمدد»  السيرة الذاتية لدرية شفيق من خلال الكولاج والرسم والملاحظات على حواشي الكتب. لا تقدم راوية سردًا منضبطًا ونهائي عن حياة درية ولكنها تطارد روحها في الأماكن التي زارتها وعاشت فيها وما تبقى من مواد أرشيفية مصورة ومكتوبة من حياتها. تقرأ الفنانة سيرة درية من خلال ربطها بحياتها وتجاربها الشخصية لتقدم قراءة حية لماض مختزن في الصور والنصوص.

وفي إطار المشروع اختتمت أول أمس ورشة “رجوع بالزمن إلى الوراء” التي أقيمت في مركز الصورة المعاصرة (CIC) الورشة قام بتيسيرها راوية صادق وعاليا بسيوني. وضمت صورا بصرية وأدبية (كتابات وحكايات)، من عمل المشاركين والمساهمين، عبروا فيها عن تفاعلهم مع بعض سرديات تخص درية شفيق، في مراحل عمرية مختلفة.

لم تكن رحلة المشاركين في الورشة رحلة في الزمن فقط. ولكن تضمنت أيضا رحلات في الأماكن التي أقامت فيها درية شفيق ما بين طنطا والمنصورة والإسكندرية والقاهرة خلال النصف الأول من القرن العشرين. ومن خلال هذه الرحلات تم رصد التغيرات العمرانية والاجتماعية والثقافية التي طرأت على تلك الأماكن، وارتباطها بما نحبه أو لا نحبه، أو نجهله.

وقد انتجت الورشة مطبوعة حملت عنوان الورشة نفسها “رجوع بالزمن إلى الوراء”. تضمنت نصوصا لكل من: حسام جاد، حليم رمسيس، راوية صادق، عاليا بسيوني، فاطمة إمام، كارولين كامل، كرم يوسف، محي الدين يحيى، مريم رجب، مجاهد صلاح، داليا أصلان، محمد عادل دسوقي، وليد الخشاب، عبدالرحمن الطلياوي، علي الغزولي. قامت داليا أصلان بمراجعة النصوص، وحررتها كارولين كامل، وصممتها وأخرجتها بصريًا عاليا بسيوني.

«باب مصر» ينشر شهادات بعض المشاركين في الورشة. بإذن خاص من مركز الصورة المعاصرة، وبموافقة شخصية من المشاركين. ربما تلقي الضوء على فترة زمنية هامة من تاريخ مصر. ومن تاريخ نضال المرأة المصرية للحصول على حقوقها.

اقرأ أيضا:

ملف| راوية صادق تكتب: «درية شفيق» أو الطريق الشاق إلى المعرفة

كارولين كامل تكتب: درية.. أن تجرؤ على الاختلاف

كرم يوسف تكتب: طنطا التي تلفظها درية شفيق.. وأحبها أنا

سهير الحفناوي تكتب: محاولات أكثر لمعرفة درية

حسـام جاد يكتب: حين خرجت من بيت جدتي.. المدينة ألم يسكننا ونسكنه

وليد الخشاب يكتب: الدريتان… شفيق وعلي

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى