مدخل لعالم الشاعر عبدالحفيظ طايل: شعرية الهذيان (3-2)

تبدو النزعة أساسية في شعر عبدالحفيظ طايل، حيث الرغبة المحمومة لكسر المقدسات وتحويلها إلى المألوف الإنساني للبشر ومعاناتهم ومشاعرهم المحبطة ومأساوية وجودهم. الإله في القصيدة يبدو مغايرا للإله في قوته المطلقة وجبروته وهيمنته على الوجود والكون والحياة وعالم البشر والحيوانات والطيور والأشياء والآلات والهواء والماء وجزيئات الكون كلها، لأنه الواحد القهار الرحمن الرحيم والعادل، ويوزع العدل والرحمة والمبدع الفذ، الذي لا نظير له ولا يمكن للغة أيا كانت أن تصفه قط.

هو مجاز في الشعر، يحاول هدم السياجات بين المقدس والإنساني وربما نزوع لتصور مسيحاني، أو شبه ذلك لصور الإله، بين ناسوته ولاهوته هذا التصور في القصيدة هو محاولة لكي يلوز بالإله، كي ينجو من عالم الأشياء والخديعة والضياع والشر والحب المجهض والمتخيل أنها سعي لاستمداد قوة المقدس كي تساند الذات في حياتها الضائعة.

**

تبدو الذات أيضا في (كتجمع بشري على محطة باص) – ص 15 – تجلياتها كأعضاء تبدو في تحللها تثير الغبار، وتتجلي كأشياء تتحلل محدثة ضجيجا تعبيرا عن وجودها في تحللها وعدمها.

أعضاؤه

التي تثير الغبار

في ضجيج تحللها

أصابها الضجر

فتركته وحيدا بلا أدوات صيد

وصعدت إلى قمة الجبل

ربما يكلمها الله

أو تحملها الريح

الذات واعية هنا بذاتها في تحولها إلى أعضاء تتحلل مثيرة للغبار كشيء، لكنه مصاب بضجر هي الذات\الشيء المحملة بالوصف الإنساني ومشاعره وضجره. لكنها تصعد إلى قمة الجبل سعيا وراء رغبة عارمة ونبوية ساعية إلى اشتهاء مستحيل أن يكلمها الله، أو تتحرر من الإنساني وتغدو كطائر تحمله الريح.

تخيلات مستحيلة للتحرر من الإنساني ومواصفاته وشرطه الوجودي سعيا وراء صفاء مستحيل وتحرر من آثام الدنيوي،  والبشرى من خلال الحديث مع الله تعالي وتنزه، أو تحمله الريح بعيدا فوق قيود الواقع والإنساني سعيا وراء وجود مختلف على الرغم من كونه يعتبر مختزل “كتجمع بشرى على محطة باص”.

**

الذات الباحثة عن مصيرها تبدو وكأنها (كأفلام مصصاصي  الدماء) – ص 16 – تبدو مدركة كذات ملعونة بلعنة لا تعرف مصدرها لعنه تجعله مخطوفا، ومحاطا، ومهاجما بالعناكب أينما حل!

وتتحول أسماؤه ذات رائحة تدل العناكب عليه. إذ تتحول العناكب إلى ذوات بشرية تعرف أسماءه أي تتحول العناكب في إدراكها للأسماء من رائحتها في الدلالة عليه أيا كان وضعه قابعا أمام الفيديو أو في الثلاجة.

هكذا بين حالة إدمان الفيديو إلى تحوله إلى شيء – طعام أو شراب – في الثلاجة مجمدا وفارغا. ثم إلى التحول العبثي – كرجل يطلق الرصاص في الهواء – ص 17 – ويخايله جامع القمامة الذي يشبه يوجين يونسكو العبثي، وتخيله ذاته رافعا يده لأعلى

وبسبابته وإبهامه

يفعل كمن يطلق الرصاص في الهواء

ثم يشرع في الحفر

ليدفن الجثث

تبدو الذات الضائعة كشهقة -ص 18 – وتبدو حياة الذات وعمرها كأربعين سنه ليست متعاقبة – ص 19 – يبدو كما يقال

حيوان بري يجري مرحا بإتجاه الفخ

تبدو الذات كحيوان بري مرح لكنه يجرى في إتجاه مأزقة ومصيرة المحتوم في الفخ المنصوب لها

أو حمقى

يصطادون العصافير

وكأنها الدولة

يبدو – كأرجوحة تجلس فوقها امرأة في الثلاثين – ص 20 – تبدو المرأة  الشرسة التي تقتل ببطء وتستمتع بفعلها القاتل والألم القاسي الصاعد من جسد الذات. إنها تبدو كمرض قاتل حيث تبدو كفيروس غامض حينا، ولها ما يشبهها من أمراض حينا آخر كبلهارسيا تهاجم ذاته الريفية.

تلتصق بكبده

كبلهارسيا

تلك المرأة

التي تكتب تاريخها الشخصي

كنقر دجاج على جلده

هذه المرأة/المرض البلهارسيا الذي يحطم الجسد\الذات رويدا رويدا. تبدو وكأنها تلعب لعبتها الجنونية في محاولة تحقيق ذاتها على جسده، وروحه لأنها تسعى لكتابة تاريخها الشخص على جلده!

**

ثمة حديث للذات على المقهى وهي تشرب -“الكولا  -21 – 22- 32 -24 – 25 – 26 -27”- ويبدو ليست الشراب الغازي  العادي، وإنما حول مادة الكولا من الشم إلى الشراب، وفي غمارها، وإرتحالاتها سواء كانت الكولا كشراب أو كشم سعي وراء الغياب، وعالمه حيث تبدو النزعة العدمية في حرق وتدمير العالم حتى الأصدقاء معتمدا على أن أعضاءه محفوظة في جدار الثلاجة.

الحرائق التي تشعلها في كل مكان

وترفع بها درجة حرارة الهواء قليلا

عليك بإشعال المزيد منها

حتى تصل بالهواء إلى درجة الغليان

ويمكنك حيئذ

من ثقب في جدار الثلاجة

حيث تحفظ أعضاؤك

أن تشاهد بشرات أصدقائك الطيبين

وهي تساقط

وتسمع صراخهم وولولة زوجاتهم

هكذا تبدو حكايات الشرفة وهلوساتها، ورغباتها المعلنة في لاوعيها، وتحولها إلى صور ومجازات غير مألوفة، وهذيانية، في محاولة للإيهام وكسره هروبا من الذات الواعية وهي تصطحب لاوعيها ليعبر عنها كذات أو كشيء أو كرغبة جنونية وعمياء، ومدمرة لذاتها وعالمها، وأصدقائها. وفي تحوراتها إلى عناكب، أو إلى محض أعضاء مجمدين يحاولون إشعال الحريق في عالمهم وأصدقائهم حتى في ممارسة حميمية الحواس في المرة الوحيدة التي مارس الوصال الجسدي بلا رغبة في الانتهاء (ماتت تحته – 23 -).

إذ تمر بائعة الحلوى العجوز

يتذكر صاحبته

التي ماتت تحته

في المرة الوحيدة التي مارس فيها الجنس بلا رغبة في الانتهاء

**

تبدو عوالم المدينة وفضاءها أحد السمات الرئيسية في شعر عبدالحفيظ طايل في دواوينه، وتتخلق عبرها الشياطين وأخيلة استثنائية موازية لجنونها المدرك في الوعي الطفولي وعوالمه الريفية البسيطة والمتداخلة مع الأسطوري والماورائي في (أسفلت الشوارع يحجز تحته الحشائش الصغيرة الخضراء التي خلفها المطر في الشتاء الأخير -30-الي 34).

تحول الخضار إلى ألغام للمدينة (يمكن تلغيم المدينة كلها بالخضار إذن)، من فرط تصحرها، وتحولها إلى أنسجة أسمنتية نافرة للون الأخضر، من نباتات وأشجار وحشائش وورود. في ظل نماذج الأسمنت المدينة القبيحة فتتحول الذات إلى أحدب المدينة كأحدب نوتردام

أنا أحدب المدينة العجوز

أقف معلقا في فضاء الغرفة

أصيد الاحتمالات

وأخبؤها تحت إبطي

يبدو الأحدب واقفا ومعلقا في هواء الغرفة يصيد الاحتمالات ويخبؤها تحت إبطيه في حالة من الخيال ما فوق الواقعي الجنوني الناتج عن رهاب المدينة التي تبدو في أحد وجوهها غادرة. فتتحول الملائكة إلى بشر يمكن رشوتها بقطع السكر كالأطفال لهش الشياطين عن القلب، ويتسلى بمشاهدته لهش الملائكة الشياطين التي تخايله. ثم تنتهي المعركة، وفي الصباح يعبئ جثث الشياطين في زجاجات، يجففها في الشمس، ويمضي النهار في تطويحها في الهواء.

في الليل

أرشو الملائكة بقطع السكر

لتهش الشياطين عن قلبي

وأتسلى بمشاهدة المعركة

في السابعة صباحا

ودون تمييز

أعبئ الجثث في زجاجات

وأعرضها للشمس حتى تجف

ثم أمضي النهار في

تطويحها في الهواء

هكذا تتحد الملائكة والشياطين في مساحيق العدم. بينما تطوح الذات العابثة واللاهية في أخيلتها، وصورها  تسخر من الذوات الحمقاء، لكن مسحوق العدم الملائكي الشيطاني، سيتحول إلى أجنحة وكائنات تبعث حية من رمادها المسحوقي، وتصعد للسحاب، وتشفطه وتعود للذات العابثة لتفرغ في شقوق الأرض (ماء المطر معجونا بجثث الملائكة والشياطين).

**

شعرية العبث واللعب واللهو بالكائنات وبالموت والعدم، وإعادة الحياة هي تعبيرات عن أخيلة الفوضى، وانقلاب الأدوار، والانتصار على الضعف والهوان، والهشاشة، واستعارة قدرات ماورائية تمتلك الموت والحياة والعبث. لعب بالأدوار سعيا وراء القوة المستحيلة ما وراء الوجود والواقع في ألعاب هذيانية واستثنائية لاواعية ولهاث بلا توقف، حيث الأشياء والكراكيب تحاصرنا.

لم يعد نحيب الذات الملتاعة حالة، وإنما الحالة الجماعية للعبيد – قصيدة العبيد 63 – 70 وقيود سجون الواقع، الذين

يعودون في نفس الموعد كل مساء

دونما رغبات ودونما قدرة على التفكير في الرغبات

منومين وهادئين كآلات

يملؤها اليقين

تحول العبيد/عبيد الأرض، والآلات إلى كائنات آلية من ثقل عبودية العمل إلى فقد الصمت الإنساني، ورغباته الجامحة ومن ثم يثور السؤال (هل هم نفس المحاربين القدامى الذين طردوا الغزاة رغم سرطانات البلهارسيا).

إنها وطأة الحالة العبودية التي لا تظهر شروطها وأسبابها في القصيدة، ولا من هو السيد الذي يستغل، ويوظف عبيد الأرض والآلات وأمراضهم، الذي جعلهم فاقدي الرغبات، لكنه يستعيد اسم نيرودا الشاعر الأكبر لشيلي حاملا أسمائهم

هو ذا نيرودا العجوز

استطاع بخبرة أن يتحول إلى مسدس محشو بتواريخ ميلاد العبيد الأفارقة

وبأسماء السفن التي جلبتهم

إلى حيث يقومون بتنظيف مؤخرة تمثال الحرية

من غبار World Trade center

ويعيدون ترتيب اللغة في خطب مارتن لوثر كينج

**

هنا تشير الأسماء والعلامات والأمكنة إلى الرأسمالية الأمريكية العولمية من خلال مناهضها البارز نيرودا الذي حمل مسدسه الحامل لأسماء العبيد الأفارقة وأسماء السفن المجلوبين عليها، كي يؤدوا دورهم الذي بدا ساخرا في تنظيف مؤخرة تمثال الحرية الدال على نظام القيم الأمريكية قناع استغلال العبيد والعالم من غبار رمزها الكبير وورلد تريد سنتر (مركز التجارة العالمي). ثم يعيدون ترتيب اللغة، بل إعادة بناءها في خطب مارتن لوثر كينج.

الأحرى إعادة بناء اللغة في خطاب مارتن لوثر كينج لأنها حاملة عذابات وأغاني أوسع من مجرد ترتيب اللغة في خطب الزعيم الأسود الأمريكي لأنهم:

حاملين من دموع إيزيس أنهارا في جيوب السراويل

ومزقا من ثياب أمهاتهم

ومرددين أغنيات فلاحات مصر عن البلبل الذي غني على شجرة الحنَّاء

ها هم عبيد الأرض المصريين يدخلون إلى انتمائهم الإفريقي حاملين مواريثهم القديمة ومرويات الفلاحين، إلى مسدس العجوز نيرودا

ها هم:

يتحدثون قليلا عن الأرض:

هذه البيضة الغبية المملوءة بالحشائش والديدان لم تعد تصلح إلا لأن تُضع في عناوين الجرائد أو على أرفف السوبر ماركتس

ليبول عليها خريجي الجامعات، جرب الجلوباليزم

هذه النقطة الزرقاء

قطرة البحر المُتحجِّرة التي لم تستطع أن تصعد للسحاب

فتعلقت كدليل علي عدم الحسم

واستحالة اكتمال الرحلة.

ها هي الأرض فضاء العبيد المحتلة بالحشائش والديدان التي فقدت صلاحيتها للحياة، ولم تعد صالحة إلا في عناوين الجرائد أو أرفف السوبر ماركتس، وذلك ليبول عليها خريجو الجامعات بوصفهم جرب الجلوباليزم.

**

هذه الصور الساخرة هي جزء من تركيب القصائد في بعض أشعار عبدالحفيظ طايل، السخرية من الذات، من العالم من هندساته الدينية واللاهوتية والتأويلية والسياسية والعرفية سابقة التجهيز ومحاولاته كسرها، وتحطيمها بل وخطف سلطاتها ووظائفها من أجل التحرر من الأصفاد أيا كانت.

إنها قصائد تنطلق من تفصيلات اليومي شأن بعض جيله من شعراء قصيدة النثر، في مسعى مشهدي لمرايا الذات المنكسرة والمأزومة في وعيها ولا وعيها ومحاولات اقتناص الجزئيات اليومية في الذات وخارجها بحثا عما وراءها. ثقل الرحيل إلى الذات وشروط وجودها في الحياة كينونة، وفعلا في عالم تقوضت حكاياته وسردياته الكبرى التي كانت تنشر كل شيء ولا تفسر في عديد الأحيان شيء وأدمنها العالم كله ثم انهارت، وتركت معها الأسئلة والشك والفقد والعزلة الوجودية للشاعر والمثقف الذي ضاع مع سردياته.

من هنا اكتسبت قصيدة النثر المصرية والعربية حضورها لكن مع عزلتها عن حركة الجموع من المثقفين العموميين وفق المعني السائد مصريا وعربيا وغير الدقيق، من المثقفين بالسماع – وفق علي فهمي – والذين غادرتهم ذائقة التطور في القصيدة العربية ولا يزالون أسرى عالمهم الشعري التقليدي ومجازاته وموسيقاه وإيقاعاته وصوره ونحوه وصرفه… إلخ. حالة من الأسر البياني الذي رحل عن أزمنتنا بالغة السرعة والتغير، والتحوُّل.

**

من هنا شعر عبدالحفيظ طايل، ابن لحظة التغيير وبه نبض سماعيات اللحظة السريالية في صعودها، وبعض من بقايا الوعي الطفولي الريفي حول الأسرة ومروياتها وعوالم الريف المؤسطرة وحكايات العجائز والسفاحات الجنسية المروية والمشاهدة وبعض الأكاذيب المقدمة كحقائق محكية تعاد صياغاتها والإضافات عليها مع كل مروية لها.

ثمة سمت شائع في قصائد النثر التسعينية، وما بعدها تتمثل في صدمة المدنية المزيفة وتفاصيلها وحياتها واغترابها السوسيو – نفسي وثقافاتها المتجاورة والمحاطة، وسطوة وقوة المكان وتجاوزه في عالم الهامشيين المتجدد بالهجرات المتتالية من الريف إلى عشوائيات المدينة.

من هنا تبدو شعرية السعي للتحرر منها، ومن عالمها ومن توظيف لغتها المزيفة في الصورة العابثة والساخرة واللاهية ومحاولات التحرر منها، من خلال ألعاب اللاوعي ما فوق الواقعية، إنها سخرية ساعية للتخلص من عبئها الثقيل.

سوف نجد بعض من هذه الصور والظلال في دواوين عبدالحفيظ طايل وفي نصه الروائي الوحيد المترع بهذياناته التخيلية، ومحاولات التحرر من حالة ازدحام  التفاصيل وتاريخه اللاواعي وفوضاه ومتناقضاته.

**

هذا النمط من شعرية التفاصيل وانفجار الذات اللاواعية وفوضاها وما وراءها من صور وعلامات وتشكلات، تبدو هذيانيه حينا وفوضوية حينا آخر، هي أحد انعكاسات انهيار وتفكك الحكايات والسرديات الكبرى، وتشظيها وميلاد أزمات المعنى في الوجود وفي السياسة، وفي علاقات الذات بالآخرين في عالم الجماهير الغفيرة وتآكل ثقافة المدن وتنظيمها ومعمارها، وموسيقى الكتل، والأنسجة المعمارية في علاقاتها بالفراغات التي رحلت عن المدن وغادرتها.

ومع الانسجام والهارموني بين الذات والمكان والخصوصية إلى حيث الضياع في صخب الأمكنة وضوضائها العنيفة، وانفجار العنف باسم المقدس، والإرهاب بالوكالة عن السماء وسرديات الإرهابيين، تبدو الذات رهينة الفوضى والضياع في العمل والحب المستحيل أو الغائب، وحيث تجتاح الذات الشاعرة والعارية الأمراض النفسية والفسيولوجية، ومعها الشعور بالانتماء إلى هويات متخيلة جماعية أو ذاتية ومعها.

اللامعني في الحياة واستهلاك جامح Hyperconsommtion – وفق جيل ليبوفتسكي السوسيولوجي الفرنسي المعروف – استهلاك مفرط مهيمن علي الحياة والذات، وسلطة الأشياء والسلع، كل المشاعر والرغبات والحواس إلى أشياء في أسواق للعرض وسطوة محفزات الاقتناء والأخطر صناعة الرغبات الشيئية والاستهلاكية علي نحو تحولت الاهتمامات من حكايات وسرديات المعنى الكبرى إلى البحث عن المعنى الوجودي داخل الذات المضيئة التي طالها التذري.

**

عالم الاستهلاك الجامح وطغيان التفاصيل والتسليع لكل شيء بما فيه سرديات الأديان الكبرى التي تحولت إلى سلع تأويلية وضعية في الأسواق الدينية. ثم الأخطر في مدن وأرياف لا تنتج ما يوازي الاحتياجات الأولية والبسيطة، وتستهلك السلع والأشياء التي تستوردها، أثر ذلك على الذات المأزومة بالغ القسوة والألم واللامعنى علي نحو يدفع نحو انفجارها الداخلي ومعه فوائض اللا معني، والهو بالتعبير الفرويدي وتفسيره اللاكاني.

من هنا يمكن الدخول إلى عوالم شعرية التفاصيل وما وراءها من صور ومجازات تبدو جنونية في بعضها. حيث تسود الذات فوضاها الداخلية علي نحو ما يقول نيتشه “لكي يلد المرء نجما رائعا فعلى الفوضى أن تعم في داخله”. ها هي الفوضى الداخلية وهذيانها تسكن الذات وتحتلها، وتنطلق معها سلطة اللاوعي المتحرر من كل قيد أو هندسة أو ضغط سياسي أو اجتماعي أو ديني أو عرفي أو حواسي. حيث تعربد الحواس الحرة ما شاءت لها العربدة، في حالة من التيه والغربة والضياع.

في عمله المسمى “بفقه الانتهاك” يبدو محاولة لتأصيل وتنظيم الحرية الدينية والاجتماعية والسياسية والجنسية والعرفية في الحياة، ومحاولة لكسر فقه القمع واعتقال الحرية والروح والعقل، وبناء فقه الانتهاك أي فقه أقصي الحرية حيث لا قيد على الذات. أي سعي إلى الحرية في صورتها الأولي بعيدا عن الضبط والتنظيم والقمع وسلطة الدين والسياسة، والاجتماع والأعراف.

**

إنه فقه الحرية والفوضى ودعه يفعل، دعه يفعل.. دعه يحلم، دعه يمارس جنون الحرية الأولى في مهادها في العلاقة مع الأنثى والشجر والحيوان والطبيعة وغشيان المحارم، دعوة للعودة للأرحام الأولى إنها حالة هذيانيه جامحة تحررية للذات في الصور والأخيلة سعيا وراء تحرر الذات الشاعرة من مكبوتاتها ومقموعاتها، والسلطات المحاصرة لها باسم الدين والسياسة والأعراف في حالة كابوسية واغترابية تدور حول المدينة تبدو ملغزة، وغامضة، ومؤسطرة، كلما أوغل فيها، وفي شوارعها وفي بشرها الهامشيين تبدو وكأنها تفتح أبوابها المغلقة عن أساطيرها المتجددة وعن غموضها المستحيل. فلا تجد الذات الشاعرة سوى مخزونها تبحث من خلاله عن وجودها المنشطر بين الحياة فيها، وبين عوالمها الأسطورية الريفية.

غموض المدينة يمنح من الغموض المركب، كلما حاولت الذات التعايش، يبدو غموضها يتعقد مع التقنية، والجماهير الغفيرة، والفرص النادرة والغائبة في الغالب. كلها أبواب للغموض وكلما فتح باب له تفتح أبوابا في خياله تبدو جهنمية لا وضوح لها.

اقرأ أيضا

 مدخل لعالم الشاعر عبدالحفيظ طايل: شعرية الهذيان (3-1)

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى