حكاوي

محافظ قنا في القرية الدامية: مبادرة طيبة ونتائج سلبية

بعد المذبحة الثأرية الأخيرة تم الانتباه إلى منطقة (حمرة دوم وأبو حزام). وفي مبادرة طيبة من محافظ قنا اللواء أشرف الداوودي، توجه رفقة جميع التنفيذيين بالمحافظة، إلى الناحية الملتهبة. وعقد مؤتمرا شعبيا (مزدوجا) لتأكيد دور الدولة في الاهتمام بالمنطقة ومشكلاتها التنموية.

المبادرة طيبة جدا، فهذا أول مسؤول يذهب إلى تلك الناحية ويلتقي بالناس مباشرة في أماكنهم. وهناك شعور قوى عند الأهالي بأنهم يعيشون خارج الدولة تماما، ويؤكده حرمانهم الطويل من خدماتها حيث لا تصلها المياه حتى الآن، ومازالوا يحلمون بأشياء بسيطة جدا، مثل إنشاء مكتب بريد، أو تزويد الوحدة الصحية بالإسعافات الأولية ومصل العقرب، أو رصف طريق يصلها بطريق مصر أسوان.

الحرمان الطويل

الحرمان الطويل يؤدي إلى انفصال الناس نفسيا عن منظومة الدولة ويبرر تشبثهم بأعرافهم المناوئة للقانون، وفي مقدمتها أعراف الثأر. ومن هنا تأتي  أهمية الزيارة، كمساهمة طيبة في تحقيق عملية دمج المواطنين بمنظومة الدولة.

لكن النية الطيبة لا تكفي وحدها. لا بد من إعداد جيد يقوم على وعي عميق بالمكان وظروفه، وهو ما لم يحدث فجاءت الزيارة بنتائج سلبية. ولم يكن هناك حماس كبير من الأهالي، فكان العدد قليلا جدا قياسا بالمناسبة. وسوف أتوقف هنا عند ثلاث نقاط، وهي تأجيج الانقسام القبلي، والتكرار الاستفزازي للوعود،  وتحويل المؤتمر إلى لعبة انتخابية.

تأجيج الانقسام القبلي

وقعت المبادرة في خطأ كبير عندما انقسم المؤتمر إلى مؤتمرين، واحد عند هوارة والآخر عند العرب، وهكذا تم التأكيد على الفصل الحاد بين القبيلتين، وذهبت المبادرة في الطريق العكسي. فبدلا من تأكيد قيمة المواطنة، ودمج العائلات في منظومة الدولة بدون أي تمييز قبلي، صارت المبادرة عنوانا على ذلك التمييز، وتأكيدا على صعوبة الدمج بين الكيانات القبلية.

والغريب أن الواقع الفعلي أفضل وأقل حدة من ذلك الفصل الشديد، هناك بلا شك ـ  حساسية  بين العرب والهوارة، لكنها لا تصل إلى درجة صعوبة الجمع بينهم أو بين ممثليهم، في صوان واحد. حيث يوجد عند الطرفين عقلاء ومسالمون بنسبة كبيرة، كما توجد صلات كبيرة وقوية بين أغلب البيوت من الجانبين.

جانب من المؤتمر- الصفحة الرسمية لإعلام محافظة قنا
جانب من المؤتمر- الصفحة الرسمية لإعلام محافظة قنا
تعزيز الانقسام

رغم انتقادنا للممارسات الثأرية إلا أنها ليست عشوائية. وهي تهدف إلى حصار العنف في أضيق نطاق ممكن، و رغم أنها تفشل أحيانا، لكنها تقوم على مبادئ تؤدي إلى ذلك الحصار، مثل مبدأ ولي الدم الذي يحصر المشكلة بين أقرب أقرباء القتيل وأقرب أقرباء القاتل، هذا هو السائد والمستقر، وقد تمتد المشكلة إلى العائلتين. لكنها لا تتحول إلى خصومة قبلية، وقد كان الشغل الشاغل لأهالي المنطقة هو تضييق نطاق المشكلة بحيث تبقى في حدود بيتين صغيرين لا أكثر.

الخصومات الثأرية في (حمرة دوم وأبو حزام) ليست حربا قبلية، وكانت زيارة المحافظ فرصة ذهبية لضرب الحساسية الموجودة بين القبيلتين.  لكنها ذهبت في الطريق العكسي، وأحدثت شرخا سوف تعاني منه جهود المصالحات الثأرية.

في تقديري لا يوجد تعمد في إحداث هذا الشرخ،  وتعزيز الانقسام في القرية. والسبب هو غياب  الرؤية الجيدة، وتشوش الصورة التي يتم تقديمها لصاحب القرار، لأنها لا تعتمد على أصحاب الرؤية الحقيقية، كما أنها تتسم بالتحيز، فالموظف يقدم صورة من منظور وظيفته كي يخدمها، والأشخاص من خارج مبنى المحافظة يقدمون صورة من منظور مصالحهم الشخصية أو القبلية، ومن الطبيعي أن يتسبب كل هذا في تشوش القرار، أو ذهابه في الطريق العكسي.

وكلاء الوزارة والوعود الاستفزازية

رافق المحافظ كل وكلاء الوزارات بالمحافظة، وهذا جيد جدا، لكي يصلهم على الأقل إصرار الدولة على النهوض خدميا بالمكان، وكي يضعوا في حسبانهم خصوصية الأماكن الدامية. ولم يكن من الجيد تخصيص كلمة لكل واحد منهم، لأن ذلك  دمر إيقاع المؤتمر  وجعله بطيئا ومملا، بسبب كثرة عددهم. ورغم أن كلماتهم كانت قصيرة إلا إنها في الغالب كانت مستفزة، لقد قاموا للتحدث عن إنجازات كل وزارة ولم تكن هناك إنجازات على الأرض باستثناء فرش أحد المساجد، وتقديم معونة إنسانية من لحم الأضاحي، وتركيب بعض الكشافات ليلة المؤتمر، وبعض الوعود التي يستمع إليها الناس منذ حدوث المذبحة الأليمة، ودون أن يلمسوا أي نتيجة فوق الأرض.

كلمات إنشائية

ومن هنا جاءت كلماتهم إنشائية، تكشف غياب خططهم، وبعضهم كان كلامه مستفزا للغاية، مثل حديث وكيل وزارة التعليم عن وجود خدمات تعليمية على أعلى مستوى، والناس يعرفون حال التعليم هناك لدرجة أن بعض العائلات ترسل أولادها عند أقاربهم في أماكن بعيدة للتعليم. وإذا كان التعليم يوجد بنسبة فالخدمات الصحية لا توجد، كما كان كلام بعضهم سخيفا جدا، حيث تحدث أحدهم مثلا عن إنشاء أسرع مركز شباب على مستوى الجمهورية، رغم ووجود قطعة أر ض مخصصة لبناء مركز شباب منذ سنة 2007، وهكذا بدت كلماتهم أشبه بوعود انتخابية لا يثق الناس بإمكانية تحققها.

وفي المؤتمر الثاني تحولت كلماتهم إلى (هيصة) بلا معنى، ولم يكن يستمع إليهم أحد على الإطلاق، وقد انشغل المحافظ نفسه بالطلبات الكثيرة التي بدأ الناس يقدمونها له، ولم يعد مؤتمرا.

جانب من الحضور
جانب من الحضور
اللعبة الانتخابية وعنترية النواب

جلس على المنصة عدد كبير من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وهم مصطفى بكرى، وخالد خلف الله، فتحي قنديل، سيد المنوفي، طارق رسلان، محمد كمال موسى. بالإضافة للمستشار العسكري وسكرتير عام المحافظة وغيرهم، وأغلب هؤلاء النواب لم يذهبوا إلى المنطقة، ولم يدعموا الناس فيها بأي شيء، والغريب أن أكثرهم حضورا بين الناس، لم يكن متواجدا.

صراع النواب

وجود النواب على المنصة لم يكن له أي مبرر فني، وكذلك الخطبة التي ألقاها كل نائب، ومن الواضح أنهم فرضوا أنفسهم فرضا بحكم مواقعهم، وقد لعبوا دورا في إفساد المؤتمر المزدوج، من خلال أمور كثيرة، أولها استيلاءهم على مساحة زمنية كبيرة جدا من وقت المؤتمر، وأهمها المساحة الزمنية المخصصة لحوار الأهالي مع المحافظ أو الترحيب به، وهي الفقرة الجوهرية في المؤتمر، لقد كان النواب صوتا يحجب الناس لا صوتا يعبر عنهم.

الصراع الخفي بين النواب كان يظهر في كلماتهم، فكل واحد أتى هنا كي يؤكد دوره في تقديم مطالب الناس إلى المحافظ، كل واحد منهم كان يقول بشكل أو بآخر بأنه السبب في حضور المحافظ إلى هنا،  وأنه الراعي الحقيقي لهم، وكنتُ أفضل أن يستمع المحافظ إلى الأهالي لا إلى النواب الذين يملكون القدرة على الذهاب إلى مكتبه في أي وقت.

البقاء في الصورة

أسوأ ما كشفه حديث النواب هو جهلهم بفن المصالحات الثأرية. لقد قام أحد النواب فجأة وطلب من الحاضرين القيام بصحبة المحافظ إلى صوان القبيلة الأخرى، ولم تكن هناك استجابة، وهو نموذج لعنترية النواب، ورغبتهم القوية في  إثبات قدراتهم القبلية، وعاداتهم في النظر إلى المصالحات الثأرية كثمرة، إنهم يأتون في المهرجان ليصبحوا في الصورة، رغم أن المصالحات الثأرية تقوم على شيء جوهري هو إنكار الذات، وعمل “الأجاويد” على الأرض، وهو عمل كبير جدا.  يحتاج إلى وعي وجلسات طويلة وكثيرة، لكن النواب والتنفيذيين ليس لديهم  الوقت لانتظار الثمرة حتى تنضج في وقتها، وليس لديهم ذلك الكرم الذي يجعلهم يعملون دون أن يظهروا في الصورة، وكل هذا طبيعي ومفهوم، والمطلوب فقط هو تقديم الدعم على النحو الذي لا يستنزف وقتهم، لكنهم يرتكبون جرما عندما يحجبون أصحاب الشأن و الأجاويد، ويفضلون البقاء في الصورة على حل الخصومات.

اقرأ أيضا:

صدمة مذبحة أبي حزام: 1ـ القاتلُ شاعرا

مذبحة أبي حزام: سقوط الشاعر وسطوة المكان (2)

صدمة مذبحة أبي حزام: (3) زواج المدنس بالمقدس

صدمة مذبحة أبي حزام: علاج الثأر – 4

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى