لماذا بكى الأبنودي بين يدي جابر أبوحسين؟

تزخر سيرة بني هلال التي جمعها الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي عقب نكسة 1967، بالعديد من الأسرار، فعلى مدار أكثر من 30 عام، طبع الأبنودي 5 مجلدات، وسجل مع الشاعر جابر أبوحسين الذي كان يقدم له السيرة ما يقارب 90 حلقة بالإذاعة المصرية، وأكثر من 50 شريط كاسيت بدأها بزواج رزق وخضرة وانتهت بحروب بني هلال في الغرب.. “باب مصر” يفتح على سيرة الخال.

التراث الشعبي

الخال الذي كرس حياته لإثراء التراث الشعبي والإنساني، لم يستطع أن يتمالك نفسه وانهمرت دموعه تاثرًا وحزنًا عندما أعلن الشاعر جابر أبوحسين، أثناء تسجيل شرائط السيرة الهلالية بشركة “نجمة العتبة” التي كان يمتلكها محمد عزوز، عن مقتل الأمير عامر الخفاجي بن درغام، ملك العراق، على يد المطاوع ابن شقيق الزناتي خليفة، عقب تدبير حيلة ماكرة من قريحة سعدة بنت ملك الغروب.

صورة نادرة للشاعر جابر أبوحسين- ويكيبيديا
صورة نادرة للشاعر جابر أبوحسين- ويكيبيديا

تلقائية

يقول الحاج عدلي أبوالحمد، واحدًا من أهم مؤرخي قصص السيرة الهلالية عبر شرائط الكاسيت في الصعيد، إن المتابعين للسيرة وبخاصة هواة الاستماع للشاعر جابر أبو حسين، كونوا ورسموا شخصية الخال الراحل عبدالرحمن الأبنودي من خلال رصد انفعالاته التلقائية التي حوتها حفلات السيرة.

وتابع: كان صوته يتهلل فرحًا عندما ينجح الفارس أبوزيد الهلالي في الانتصار وكسر غرور أعدائه، ويعلو صوته “الله الله يا عم جابر” عقب انتهاء أبوحسين من أداء موال مُسبع وهو من أصعب أنواع المربعات الشعرية، حيث يتكون من سبعة أشطر، الثلاثة الأولى بقافية تختلف عن الأشطر الثلاثة التالية لها، والبيت السابع وهو بيت الختام وهو القفل يعود به للقافية الأولى.

إبداع مُبكي

يؤكد أبوالحمد لـ”باب مصر”، أن إبداع العم جابر أبوحسين، الذي ينتمي إلى قرية آبار الوقف بأخميم التابعة لمحافظة سوهاج تجلى في قصة “مقتل عامر الخفاجي”، التي تعد واحدة من أقصر قصص السيرة التي تم تسجيلها على نحو منفرد.

وتكونت من جزئين فقط، الأول والثاني وشهدا إجراء “قرعة الحرب”، لاختيار الفارس الذي سيلاقي الزناتي خليفة، وفي كل مرة يقع الاختيار على الأمير عامر الذي كان ضيفًا عند بني هلال، وفي كل مرة كان الهلالي يرفض القرعة متسائلاً “إزاي ينزل الحرب ضيفي؟”، وعند إعادة القرعة كان القدر مصرًا على أن يوقع عامر في مواجهة خليفة، حتى أصر الفارس المشهود له بالفروسية والشجاعة أن يقبل القرعة ويطلب من صديقه أبوزيد الهلالي أن يسمح له بمحاربة الزناتي، وتحت إلحاح بن درغام وافق سلامة وحقق ملك العراق انتصارات كبيرة، وتمكن من إصابة الزناتي الذي شهد لعدوه بالفروسية والإقدام.

صورة نادرة التقطت من غلاف شريط كاسيت للشاعر جابر أبوحسين- تصوير: مصطفى عدلي
صورة نادرة التقطت من غلاف شريط كاسيت للشاعر جابر أبوحسين- تصوير: مصطفى عدلي

ويرى عبدالمبدي الخولي، باحث في التراث الشعبي، أن إبداع العم جابر أبوحسين في تأدية المرثية التي أنشدها عامر الخفاجي لنفسه وهو يخاطب الطير بلسان حاله وهو على فراش الموت بعد وقوعه فريسة خطة ماكرة، دبرتها سعدة بنت الزناتي، ونفذها والدها والمطاوع ابن عمها جعلت أنات الأبنودي وبكائه يظهران بوضوح في تسجيل الحلقة الثانية من القصة التي تقول كلمات أبياتها:

“أمانة يا وز العراق وطي أكلمك، يالي على الغربة تغني صبور، ترعى مراعي النيل تسعين ليلة، وترجع بلادك في هنا وسرور، فيك شيئ يا طير يرجع بالفرح والغنا، وفيك شيء يرجع خاطره مكسور، فإذا وصلت تلك البلاد وحينا سلم على أهلي وخش السور، سلم على أهلي وجملة أقاربي، سلم على الوالده سلام شكور، وسلم على أختي الحزينة وقول لها جملك برك ولا عادش قادر يتور، وسلم على أمي وبوس لي يمينها، قول ابكي على جملك وحلي شعور، وسلم على الوالد درغام وشيبته وقوله يا بايا ما كان هو ده المنظور، يا ما نهاني ابوي وكنت اخالفه تاريه المخالف لم يشوف سرور، ياما نهاني ابوي وكان يقول لي حاذر، تاريه الحذر لم ينع المقدور، ميل على درغام وامي وقول لهم متستنظروش من الخافجي حضور، انا لو بلادي عليها سكة موصلة، ما كنت اسعى لو شربت مرور، ولكن حكم ربي المهيمن خالقي، بيني وبين اهلي جبال وبحور، يا وي ديريني على قبلة السفر، الكل تفنى والسماء تمور، يا وي قولى للهلالي سلامي خليه يغسلني بماء طهور، ويدفني بيده ويريح مساندي ويخلي قبري دائما فيه نور، ويكتب على قبري مفارق احبته، دنيا غرورة والزمان غدور، اشكو لمن أنشأ الخلايق من عدم تاريه الغريب يموت وخاطره مكسور، اشكو لمولى حي حنان قادر، بيني وبين أهلي جبال وبحور، استغفر الله العظيم من الخطأ إلهي تعالى للذنوب غفور”.

الخال

كتب الصحفي محمد توفيق، في مقدمة كتابه “الخال” الذي تناول فيه سيرة الشاعر عبدالرحمن الأبنودي الذاتية، “هذا هو الخال كما عرفته.. مزيج بين الصراحة الشديدة والغموض الجميل، بين الفن والفلسفة، بين غاية التعقيد وقمة البساطة، بين مكر الفلاح وشهامة الصعيدي، بين ثقافة المفكرين وطيبة البسطاء.. هو السهل الممتنع، الذي ظن البعض – وبعض الظن إثم – أن تقليده سهل وتكراره ممكن”، ويرصد الكتاب قصص الأبنودي الآسرة، وتجاربه المليئة بالمفارقات والعداءات والنجاحات والمواقف.

 اقرأ أيضا

شعراء السيرة الهلالية.. “جابر أبوحسينأمير سيرة بني هلال

 

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى