لغة الشوارعية ..كسر رقبة البلاغة الرسمية

سكتت الدراسات اللغوية طويلا عن دراسة لغة الناس( لغة الشوارعية)، بل وجنبتها بعيدا كأنها مرض عضال يمكن أن يطول اللغة الرسمية التى أكسبوها قداسة وحولوها إلى كائن يعيش بعيدا في معتزله. وحين قاموا بعمل المعاجم والقواميس أبعدوا كل لفظ ينتمى للعامة حتى لا يتم تلويث ما جمعوه. وكانت رحلة الفرز الفوقية التى ستكون مقتل اللغة وعزلها عن الحياة بعدم إدراجها على قائمة الاهتمام والدرس وما جرى على اللغة يجرى على الشعر المكتوب بهذه اللغة. مع أن هناك فرق كبير بين اللغة، ولغة الشعر.

لغة الشوارعية

وبعيدا عن الاحتدام الشكلى بين اصطلاحى اللغة واللهجة، خاصة أنهما يتبادلان المواقع، فنقول لهجة تميم، ونعنى بذلك لغة تميم والعكس، فإن لغة الشارع المصرى. إذا صادقنا على الاصطلاح لا تقتصر على كونها مجموعة من الأحرف المكتوبة التى لها مجموعة من الأصوات. وإنما هي لغة تتغيا مجموعة من الوظائف التى لا تقوم بها اللغة الاعتيادية، لعل منها السرية التى تحيط مفرداتها. ولم يقتصر الأمر أيضا على مجموعة المفردات التى تم صكها بوصفها بديلا لبعض الجمل، حينما تختزل مفردة واحدة مجموعة من الكلمات الدالة. وإنما هناك بعض اللغات القائمة بذاتها مثل لغة الحرفيين (العوالم –المنجدين – الحرامية – النجارين – القمَّاشة  – تجار الذهب … إلخ ). وبعضها يطلق عليها لغة “السيم”، وأحيانا “السين”. وهناك لغات تتعلق بمراحل عمرية مثل لغة الشباب.

ولا يمكن دراسة هذه اللغة بمعزل عن القيم التى تحملها، ولغة الشارع المصري الآن ـ تنحو إلى التكثيف والاختزال، فلم تعد الجملة المكتملة هي وسيلة الاتصال وحسب، وإنما بدأت الكلمة الواحدة تعبر عن موقف أو سياق كامل، بل بدأت أجزاء الكلمة تأخذ هذا الدور أيضا.

الترميز اللغوي

من هنا فلهذه اللغة جمالها وقيمها الصوتية والدلالية التى تحملها وعلينا “ربط قضية اللغة والتفسير بمعرفة أنفسنا معرفة أتم، ولن يتم لنا ذلك فى يسر. فالتواصل الذي هو هدفنا ثمرة معاناة، أو ثمرة معاناة تخرجنا من سيرتنا اليومية الآلية، أو ثمرة لحظات قليلة فى حياة طويلة. ولن نستطيع أن نقرأ الشعر والحكمة والتصوف ونشاط الروح إلا إذا فهمنا فهما أفضل النثر والنقاش العملى وشؤونهما المستمرة. فالقراءة أشبه بهرم تعتمد ذروته على ما دونها من أدوار، ومن أجل ذلك نرى قضية اللغة “الدارجة” وحيلتها ذات أهمية كبرى”.(1)

من هنا وبقراءة أولى لعدد كبير من المأثورات والتعبيرات الشفهية نجد أنها تتراوح بين عدة مستويات لعل منها: اللغة الإشارية التى تقول ولا تشى، ولا تحمل أكثر من هدفها العملىفى التواصل. بينما نجد التعبيرات القائمة على قيم بلاغية كالكناية والاستعارة، معتمدة  الترميز المعنوى أحيانا، وكذا التـرميز اللغوى. وبما أن القاعدة أنه لا مشاح في الاصطلاح، فإننا نعرف هذين النوعين في لغة الشارع كالتالى: فالترميز المعنوى يقوم على الإيجاز معتمدا على ترميز المعنى في كلمة تبدو كأنها اصطلاحا لكنه يرمز في معناه إلى غير المعنى المباشر. أما الترميز اللغوى فإنه يقوم أيضا على الإيجاز مع التلاعب بالاشتقاقات والأحرف بغرض التعمية على المستمع، وغالبا ما يكون هذا النوع في اللغات السرية.

الاختزال ودلالته 

تتراوح هذه اللغة الدالة لتنقل ما تريد عبر عدة مفردات، وقد تصل إلى مفردتين، وتتكثف أحيانا في مفردة واحدة، بل قد تصل إلى بعض أحرف الكلمة. وفي كل الأحوال تصل هدفها، وتحقق اتصالها مع الآخر الذي يقوم بينه وبين المتحدث اتفاق عرفي على هذا الاختزال. بل إن بعضها يصبح عاما بين مجموعات كبيرة، إن لم نقل بين الجميع، ولندلل على ذلك بالمفردات التى تتعالق بمفهوم الرجولة، إن سلبا أو إيجابا، والتعبير عنها بالأشكال السابقة.

فعلى سبيل المثال تصف اللغة الرجل بهذه الصفات، وكل واحد منها يكتنـز دلالات يعرفها أبناء المجتمع المصرى منها: “رجالة: قش – ورق – هلس – هفأ”. وكذلك يقولون راجل: “شرابة خرج” – “حمار شغل”-  “داقق عصافير” – “رِجل بنطلون” – “مختوم على قفاه” – “نابه أزرق” – “بتاع نسوان” – “عامل أبو العريف –بتاع كله” – “ما يتبلش فى بقه فوله”…. إلخ (2). هذا بالنسبة لصفات الرجل السلبية. أما بالنسبة لصفاته الإيجابية فإنهم يقولون: “راجل مخلَّص”، “بَرَكَه”– أحيانا يكون لها معنى سلبيا، “ملو هدومه”، “يملا العين”، “ابن أصول، ابن حلال، ابن ناس، ابن عز” ـ “متربى فى بيت أبوه”… إلخ.

هلفوت وكلامنجى

إن تأمل هذه اللغة مع ما بها من نحت واشتقاق في مادة المفردات الأصلية يؤكد قدرتها الإشارية والبلاغية فى آن واحد. فالكلمة الواحدة قد تصف مكانة الشخص، وصورته، وتتجلى كأنها ذلك الاصطلاح الدال على الحال والحالة. وحينما تأتى مجردة بدون صويحباتها من المفردات فإنها تقول وتعنى، بل ترمز أحيانا للسلوك الإنساني الذي يبدو عليه هذا الإنسان أو ذاك، وتتبدى هذه المسألة بدقة في هذه المفردات شديدة الدلالة:

“فوريجى، هبيان، كلامنجى، دُغف، هلفوت، فاقد، جِبلَّه، أشفور، هنـكار، حلنجى، أونطجى، بروطه، آكالتى، طيشه، حرفوش، خـرونج، مدب، خيخه، قـرطاس، طرطور، لوح، مهياص، مطيباتى، طحش، فرفور، هفيه، كَوِرْك، خمَّه، لطخ، قفل، ترباس، بَجم، دلدول، طروبش، طربوش،  دُهُل، كروديه، جردل، هلهلى، لطزانه، فِتك، حِرِكْ، فُنط، فلاتى، بُوْرَمْ، ملحلح، نطع، حِمش، غشيم، فقـرى، شـرانى، مقـطف، مخلَّص، شبَّيح، بورمجى، رِوِشْ، جِعر، بكَّاش، بجح، خِرِعْ، ملطشه، فنجرى، بُـق، (فنجرى بق)، مدهـول، ندل، حَويط، دنى، صايع، قله، عجله، خِرتى، فاييص، سِلباط، معرص، أَمَرْتِى، حلياط، جلياط، عربجى، رقاص، بوشين، ألعوبان، واطى، شكاى، شكـاك، وسواس، لئيم، قرعجى، خِنْتَه، شوال، عكاك، دحلاب، خاين، مجامل، طيب، أليط، عنطوز، أفندى،فاضى”.(3)

سرية اللغة وقوانينها الخاصة

إن كل طائفة من الحرفيين قد اخترعت لنفسها لغة سرية لها قانونها الخاص، وأجروميتها. “فكل جماعة تتألف من شخصين فأكثر، وتشعر بالاحتياج للدفاع عن نفسها حيال البيئة التى تعيش فيها تخترع “سيماً”، أو لغة سرية تخفى بواسطتها أفكارها عن غيرها. وعلى هذا فلكل طائفة من التجار والصناع وأرباب الحرف قاموس يتفاهمون بمفرداته. إذ يستخدمون هذا القاموس ضد الوسط المعادى لهم، وهم يكونون بهذه اللغة عالما قائما بذاته، ولما كان بعض هذه اللغات لم يعد متداولا، وبعضها اختفى لاختفاء أسباب وجودها. فإن البعض قد ينفى عن هذه اللغة انتماءها إلى لغات الشارع لكونها سرية.

لكننا نقول إن هذه اللغات مكان استعمالها الشارع. كما أن عدد من يستخدمها من الطوائف ليس قليلا، فربما كان الشارع بما يحيطه سببا في اختراعها، ولغة الشارع المصري تحتاج لمجمـوعة من الدراسات النظرية والميدانية. حيث تشتبك معها وفيها عدة علوم لعل منها: علم اجتماع اللغة– الأنثروبولوجيا اللغوية– الفولكلور –السيموطيقا– الدراسات النفسية – الدراسات الطبية –فقه اللغة – العلوم المتعلقة بالمهام الشرطية، ومعرفة اللغات السرية لبعض الفئات المهمشة (مهنية – عرقية).

الشارع صفة للطريق

إن تأمل المعنى اللغوي في المعاجم قد يكون مرشدا ليربط بين الشارع كمفهوم وبين معناه اللغوى. “شرع: الشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة في الدين، وبيت وكنيف شارع، أي قريب من الشارع وهو الطريق الذي يشرع فيه الناس عامة على الإسناد المجازي، أو من قولهـم شرع الطريق إذا تبين. وشرعته أنا وشرعي هذا أي حسبي”.(4) فالشارع يعنى الوضوح والإبانة، كما يعنى الظهور، وكذلك هو صفة للطـريق.

والمعروف في اللغة أن من الصفات ما يشيع إلى درجة احتلال مكان الاسم، كما حدث في الطريق والشارع الذى كان صفة له. فضلا عن اتصاله بمعنى الشريعة. “فالشرعة بالكسر الدين والشرع  والشريعة: مورد الناس للاستقاء، وسميت بذلك لوضوحها وظهورها وجمعها شرائع وشرع الله لنا كذا يشرعه أظهره وأوضحه والمشرعة بفتح الميم والراء شريعة  الماء. قال الأزهـري ولا تسميها العرب مشرعة حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له كماء الأنهار.(5)، وتتضح هنا العلاقة بين الاستخدام المعجمى القديم والتعبير الشائع “نهر الشارع ” الدال عرفا على سيولة الحركة فيه، “وطريق شارع يسلكه الناس عامة…. والجمع شوارع وأشرعت الجناح إلى الطـريق بالألف وضعته وأشرعت  الرمح أملته.(6)

إن قراءة هذه المادة قد يتيح لنا النظر إلى بعض مفردات الشارع مثل كلمة “شُراعه” التى تحيل على معنى الضوء. كما تشير إشارة إلى التحديد، والقانون. هذه المعاني التى ربما تغيرت لمعنى الشارع، فانتقل المعنى اللغوى إلى معنى جديد، وتحول الوضوح إلى غموض يحتاج فك شفرته، ولم تعد المفردة القاموسية دالة إلا في معنى جزئي هو “طريق شارع يسلكه عامة الناس” وللحديث بقية عن أنواع اللغات السرية.

الهوامش

____________________

  • (1) أنظر، اللغـة والتفسير والتواصل، د. مصطفى ناصف، سلسلة عالم المعرفة، ع (193) يناير 1995، ص 47.
  • (2) التحولات في الشخصية المصرية، د. عزة عزت، كتاب الهلال، دار الهلال، أكتوبر 2000، ص 12.
  • (3) السابق، وقد أضفنا إلى الكلمات التى وردت عددا من الكلمات، أنظر ص 13.
  • (4) المغرب، ج 1، ص 439، راجع: مكتبة المعاجم والغريب والمصطلح، الإصدار الأول (c d) تضم المعاجم والكتب التالية: الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفـة ـ العـين ـ القاموس المحيط ـ المصباح المنير ـ المغرب ـ لسان العرب ـ مختار الصحاح ـ معجم البلدان ـ معجم ما استعجـم ـ أنيس الفقهاء ـ التعريفات ـ التوقيف على مهمات التعاريف ـ الزاهر فى غريب ألفاظ الشافعى ـ المطلع على أبواب المقنع ـ غريب ألفاظ التنبيه ـ الفائق في غريب الحديث ـ  النهاية فى غريب الحديث – غريب الحديث لابن الجوزى – غريب الحديث لابن سلام – غريب الحـديث لابن قتيبة – غريب الحديث للحربى – غريب الحديث للخطابى ،  مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلى،  الأردن ، 1999.
  • (5) المصدر السابق .
  • (6) المصدر السابق .
اقرأ أيضا

الموال الأعرج ..عندما تمارس الجماعة حريتها المنضبطة

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى