أصل و فصلحكاوي

كيف بدأت ديون مصر؟

بين عامي 1861 و1875 تدفق إلى مصر أكثر من 20 ألف صيرفي ومرابٍ من أوروبا، في الوقت نفسه انتشرت الإعلانات في صحف بريطانيا عن فرص الربح السريع في مصر، جراء إقراض الفلاحين أو ما يمكن تسميته “تجارة الديون”.

خلال تلك الفترة (1861- 1875) أمكن إقراض الفلاحين والتجار في الصعيد، بفائدة تتراوح بين 4 و5% شهريًا، ما فتح شهية أثرياء أوروبا لفرص الربح السهل في مصر، فتزايدت أعداد الصيارفة جنبًا إلى جنب مع أفرع البنوك الأجنبية، من هنا بدأ المال الأجنبي يتغلغل في مصر.

لوحة قديمة لأحد أسواق مصر- المصدر: مصر في عيون الغرباء لثروت عكاشة
لوحة قديمة لأحد أسواق مصر- المصدر: مصر في عيون الغرباء لثروت عكاشة

لم يكن الشعب هو من وقع في “فخ الديون” الذي حبكه الصيارفة والمرابون، بل تورطت الحكومة أيضًا مع البنوك، بل تورط الباشا أيضًا، لكن كيف بدأت ديون مصر؟

“الانهيار حدث في عصر سعيد”

أكثر المؤرخين- الذين لجأتُ إلى كتاباتهم- يلقون بمسؤولية الديون على سعيد، إذ يصفه الرافعي في كتابه عصر إسماعيل بقوله: لم يكن سعيد مسرفًا فقط، بل كان لا يدقق في حساباته، وكانت مشروعاته التنموية تستهدف خدمة الأجانب في المقام الأول.

مع بداية حكم سعيد كان الناس يتوقعون إصلاحات كبيرة للأحوال الاقتصادية التي تدهورت في عهد سلفه عباس، إلا أنه كان مخيبًا للأمال، وهو ما يصفه نوبار باشا في قوله “أعتقد أن الانهيار حدث في عهد سعيد، فقد كان أول من سلك طريق الاستدانة…”.

لم يمض وقت طويل على حكم سعيد حتى فتح باب الديون أمام مصر، وبعد مرور 3 سنوات من حكمه ظهرت مشكلة تأخر صرف مرتبات الموظفين وجزية السلطان.

سعيد باشا
سعيد باشا

الاستدانة في عصر الرخاء

لجأ سعيد في بداية الأمر إلى الاستدانة من البنوك الأجنبية التي أنشئت في الإسكندرية، ثم استجاب أخيرًا لنصيحة صديقه ديليسبس بإصدار أذونات على الخزانة تترواح مدتها بين 6 أشهر و3 سنوات بفائدة بين 15 إلى 18%، في الوقت الذي كان السعر السائد على القروض التجارية لا يزيد عن 7%.

رغم إسراف سعيد ومبالغته في البذخ، إلا أن نفقات المعيشة، هبطت إلى درجة غير معقولة، حتى أن “قرش صاغ” واحد كان يكفي لسد حاجة أسرة بأكملها، وبحسب ما يصف الدكتور جلال أمين، في كتابه قصة الاقتصاد المصري، فقد كانت ديون سعيد استدانة في عصر رخاء.

وقبل رحيل سعيد باشا كان التلغراف الكهربائي قد حل محل “السيمافور” على طول الطريق من الإسكندرية إلى القاهرة، واتصلت مصر بأوروبا عبر القسطنطينية ومالطة بالبرق، واتسعت شبكة السكك الحديدية من الإسكندرية إلى القاهرة ومنها إلى السويس. (السيمافور يعني التخاطب عن بعد بواسطة الأعلام والرايات)

وعلى حد قول القنصل الإنجليزي آنذاك فإن مصر في عهد سعيد لم تكن مضطرة إلى الاستدانة، فقد كان لديها فائض إيرادات كاف، لو وجهت إلى طريقها السليم.

أول قرض باسم الباشا

في عام 1860 عقد الباشا أول قرض خارجي مع أحد المصارف الفرنسية، كان قرضًا باسمه لا باسم الحكومة المصرية، بقيمة 1.2 مليون استرليني، وفائدة 6%، وبعد خصم العمولات والأتعاب لم يتبق منه إلا أقل من ثلاثة أرباعه، خصصت لضمانه حصيلة جمارك ميناء الإسكندرية.

لم يمض وقت طويل حتى اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861، وترتب على ذلك زيادة الطلب على القطن المصري، فزادت الصادرات بنحو 100%، مع زيادة سعره أيضًا بنفس النسبة، وارتفعت قيمة الصادرات خلال الفترة من 1861 إلى 1864 من 27 مليون ريال إلى 90 مليون ريال، ومع ذلك لجأ سعيد إلى عقد قرض في عام 1864 بنحو 4.7 مليون جنيه، وآخر بمبلغ 2.4 مليون جنيه.

بعد عام أصبحت خزانة سعيد خاوية مرة أخرى، فلجأ في عام 1862 إلى عقد أول قرض خارجي باسم الدولة المصرية، قدمه مصرف أوبنهايم الألماني بمبلغ 2.5 مليون جنيه إسترليني بسعر فائدة 11%، بضمان حصيلة ضريبة الأطيان على أراضي الدلتا، ومن هذا القرض لم يحصل سعيد إلا على 84% من قيمته، وكان عليه أن يسدد 8.2 مليون جنيه خلال 30 عامًا.

وعندما مات سعيد عام 1863 كانت مصر مدينة بنحو 8 ملايين جنيه إسترليني، تسدد على 30 عامًا، بالإضافة إلى مليون آخر يسدد عبر 3 سنوات، وديون قصيرة الأجل تبلغ نحو 9 ملايين جنيه، بإجمالي 18 مليون جنيه أو ما يوازي 11 مليونًا و160 ألف جنيه إسترليني.

وبحسب كتابي دين مصر العام وقصة الاقتصاد المصري، فقد بلغ الدين خمسة أمثال إيرادات الحكومة المصرية في السنة السابقة لوفاة سعيد، إذ بلغت الإيرادات نحو 4 ملايين و929 ألف جنيه، أما المصروفات فقد بلغت بلغت 4 ملايين و330 ألفًا.

“سأتخلى عن نظام من سبقوني، وأضع لنفسي راتبًا لن أتعداه”

“إنني مصمم على تكريس الرفاء في البلاد، إن أساس كل إدارة طيبة هو النظام الاقتصادي في الأموال، وسأسعى إلى هذا النظام بكب وسيلة ممكنة، ولكي أضرب مثلًا للجميع سأتخلى عن نظام من سبقوني وسأضع لنفسي مرتبًا لن أتعداه” هكذا قال إسماعيل في 20 يناير 1863 عندما تولى الحكم.

الخديوي إسماعيل
الخديوي إسماعيل

عقب رحيل سعيد كان أول عمل قام به إسماعيل هو نشر وثائق عن حالة مصر كما تركها سلفه، بينما كان على مصر أن تتحمل عبء الديون التي خلفها سعيد، وعبء المرابين الأوربين، إلى جانب مزيد من الديون في عهد الحاكم الجديد.

امتص الدين الخارجي قدرًا كبيرًا من فائض الصادرات، وبحسب الدكتور خيري فرجاني في دراسة عن ملامح تطور الاقتصاد المصري، فقد خسرت مصر بذلك نحو 6% من دخلها القومي، ولجأت الحكومة إلى بيع حصتها في قناة السويس.

عصر بناء القصور

توسع إسماعيل في بناء القصور وأنفق ببذخ على العمران، وأضاف إلى شبكة الري نحو 8400 ميل من الترع وقنوات جديدة، فزادت المساحة الزراعية في عهده بنحو 750 ألف فدان، وأضاف 910 ميلا من السكك الحديدية، إلى جانب الجسور وخطوط التلغراف، وأصبح حاكمًا لأكثر دول الشرق رخاءً، كما يصف الدكتور هيكل.

والواقع أن إصلاحات إسماعيل وإنشاءاته يصعب حصرها، فقد كان يحلم أن تكون مصر قطعة من أوروبا، ويكفي أن نقول أنه ورث عن سعيد 185 مدرسة، فأصبحت في عهده نحو 4817 مدرسة.

توسع إسماعيل في الديون، لكن التوسع الخطير في المديونية الخارجية لمصر وقع عام 1880، فقد بلغ الدين العام الخارجي في تلك السنة 98.4 مليون جنيه، وزاد من آثار تلك المديونية أن تدفق رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة إلى مصر لم يكن كافيًا لتعويض مدفوعات خدمة الدين الخارجي.

أين ذهبت أموال الديون؟

لكن هل يمكن أن تكون كل هذه الإنشاءات هي سبب تورط مصر في ديون جديدة أثناء عهد إسماعيل؟

الدكتور جلال أمين في كتابه قصة الاقتصاد المصري يرى أن إسماعيل ورث تركة سعيد من الديون مع أخطاء أخرى، لم يكن من الممكن التخلص منها إلا بالمزيد من الإنفاق، لكن الأمر في الحالتين لم يكن يستعصي على الخزانة المصرية مواجهته.

إلى جانب الديون التي تركها سعيد فقد ورط مصر في توفير عمال السخرة لحفر القناة وحفر ترعة تزود منطقة القناة بالمياه العذبة، وهو  ما أدى إلى سحب نحو 60 ألف عامل من الزراعة، إلى جانب التنازل لشركة القناة عن الأراضي المتاخمة لقناة المياه العذب.

كان على إسماعيل أن يتحمل كل هذا ويدفع للشركة 4 ملايين جنيه ليتخلص من تلك التنازلات، طبقا لقرار التحكيم، من ناحية أخرى كانت فوائد القروض عبئًا آخر  كان على إسماعيل تحمله.

الرسم البياني التالي يوضح الفرق بين القيمة الإسمية وبين القيمة الحقيقة للديون:

وبحسب ما يذكر الدكتور جلال أمين فإن مجمل الديون والالتزامات كان من الممكن تغطيتها خلال 5 سنوات إذا خفضت الحكومة الإنفاق بأقل من 20%، لكن ذلك لم يحدث، بل زاد الإنفاق، وزادت الديون، حتى خرجت إدارة المالية المصرية عن السيطرة في عام 1876، وأصبحت في يد المراقبين الأجانب، وأصبح دين مصر  91 مليون جنيه، وبلغ حجم الأقساط السنوية والفوائد نحو 6 ملايين جنيه أي ما يمثل نحو 80% من إيرادات الدولة السنوية آنذاك.

زادت ديون مصر في عهد إسماعيل بنحو 73 مليونًا، لكن على الجانب الآخر أنفق نحو 51 مليونًا على مشروعات التنمية، فأين ذهبت 22 مليون جنيه، ونحو 6.5 مليون جنيه هي متوسط الإيراد السنوي لمصر؟ لا أحد يعرف.

المفارقة أن إسماعيل قبل أن يتولى حكم مصر نجح في مضاعفة ثروته ثلاث أضعافها، لكن عندما تولى الحكم ضاعف الديون 5 أضعافها، وفي عام 1876 أفلست مصر، ودخلت مصر دائرة الديون، ومن ثم بدأ التدخل الأجنبي.


اعتمدنا  على المراجع الآتية:

محمد حسين هيكل، دين مصر العام، المجلس الأعلى للثقافة، 1998

جلال أمين،قصة الاقتصاد المصري، دار الشروق، 2012

عمر طوسون، مالية مصر، مكتبة مدبولي، 2000

عبدالرحمن الرافعي، عصر إسماعيل، الجزء الأول، دار المعارف

يحيى محمد محمود، الدين العام، الهيئة المصرية للكتاب، 1998

خير فرجاني، ملامح تطور الاقتصاد المصري، دراسة منشورة PDF دون تاريخ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى