متابعات وتغطيات

قصة| الحكاية العجيبة للأشخاص العاديين..حاتم حافظ

كما هو المعتاد.. عاد من عمله في تمام الساعة السابعة. كان الجو في البيت باردًا أكثر مما هو عليه خارجه؛ ولهذا فقد ارتعد مرات وهو يبدّل ملابسه، ما سرّب إليه الشعور بمرحٍ غير مبرر. لم يغادر غرفة نومه إلا بعد أن ألقى – على ظهره – بطانية خفيفة مما تُستخدم لتدفئة الأطفال – وكان قد اشتراها بلا سبب محدد بخلاف أن ألوانها أعجبته، فضلًا عن أن المُول الذي كان يبيعها أعلن عن خصمٍ كبيرٍ بمناسبة تصفيات الشتاء. كان ذلك نهاية الشتاء الماضي، وكان الجوّ قد صار معتدلا لدرجة أنه لم يكن في حاجة لارتداء أي جاكيت عند مغادرة البيت، لكنه فكّر في أنها سوف تُفيده في الشتاءات المقبلة. وكان بصحةٍ جيدة؛ فلم يفكر في أن موته قبل الشتاء القادم أمر محتمل.

حين خرج من غرفة نومه ملتحفًا البطانية شعر بالدفء والسعادة في آن واحد، أما السعادة فلأنه لم يمت قبل حلول شتاءٍ جديد وإلا ضاع عليه ما دفعه في بطانية الأطفال. خرج من غرفة نومه بزهو جنرال منتصر.

ذهب إلى المطبخ ليُعد عشاءه – كما هو المعتاد – والذي كان: رغيف خبز وجبنة بيضاء. ولأن شعوره بالسعادة صاحبه إلى المطبخ؛ فقد كافأ نفسه بأن وضع ملعقة عسل أبيض على قطعة الجبن. كانت لديه نظرية في هذا الشأن. نظرية سُمع مرات نادرة وهو يُفصح عنها، حيث كان نادرًا ما يتحدث إلى الآخرين خارج حدود النظام. أما نظريته فكانت تتلخص في عبارة واحدة: المتناقضات حين تجتمع تكون أفضل من كل نقيض على حدة. انظر مثلا إلى أية امرأة- هكذا كان يبدأ شرحها – إذا اجتمعت فيها أنوثة النساء مع جسد غلام تكون أشهى. حاول شخص ذات مرة أن يُنبّهه إلى خطأ هذه النظرية مُجادلًا بالقول إن إضافة الماء الحلو إلى الماء المالح سوف يجعله مجرد ماء مالح آخر، ورغم قدرة هذه الحجة على الإفحام فإنه – بدلا من أن يتنازل عن نظريته ابتسم، وأضاف موضحًا: المتناقضات حين تجتمع تكون أفضل من كل نقيض على حدة بشرط ألا يهيمن أحدهما على الآخر يا صديقي. فكّر الرجل لبرهة – وكان من الرجال الذين لا يستسلمون بسهولة – ثم لمعت عيناه وقال بسخرية مزهوة بذكاء اعتقد – في هذه اللحظة – أن لا مثيل له: لكن – واسمح لي أن أثبت لك خطأك – المثال الذي طرحته كان خطأ منذ البداية؛ فنقيض المرأة الرجل وليس الغلام. ابتسم مرة أخرى ورغب في إنهاء الجدال فقَطع بالقول: يا عزيزي الرجلُ والمرأة ليسا نقيضين، هما فقط طريقتين مختلفتين للتعبير عن المأساة نفسها.

خرج من المطبخ إلى الصالة. أو بالأحرى خرج من المطبخ فصار في الصالة، فخروجه ودخوله من مكانٍ لآخر كانا – بالنظر إلى مساحة بيته – يعنيان الأمر نفسه. شيء أشبه بأن يقتل الرجل نفسه، ففي اللحظة التي يضغط فيها على الزناد وهو متخم بالحياة تكون هي نفسها لحظة موته. خرج من المطبخ إلى الصالة، فتح التليفزيون وجلس على الكنبة واضعًا صينية بها طبق الخبز والجبنة المحلاة بالعسل على فخذيه. لم يقلّب في التليفزيون؛ فمنذ عدة أشهر وهو يكتفي بمحطة واحدة، وهذا لم يكن له علاقة بأي تفضيل شخصي لهذه المحطة بالذات، فقد كان من الممكن أن يكتفي بأية محطة أخرى. المسألة كانت تتعلق بالصدفة من ناحية وبطباعه الممتازة من ناحية أخرى. ففي مساء يشبه هذا المساء – غير أن الجو لم يكن قد صار باردًا إلى هذه الدرجة- أحضر عشاءه من المطبخ وقبل أن يجلس فتح التليفزيون، فوجد مذيعًا كان يذكّره برب عمله فقرر تغيير المحطة، جلس ووضع العشاء على فخذيه كالعادة مطمئنًا إلى أن ريموت الدِش إلى جواره كما هو المعتاد، لكنه حين مد يده لم يجده. فتش الكنبة إلى يمينه ويساره فلم يجده، تحسّس خلف ظهره فلم يجده أيضا، ولأنه لم يكن من المتوقع جلوسه على الريموت دون أن يشعر بوخزٍ في مؤخرته فقد حسب أن الريموت لابد قد انحشر في زاوية من زوايا الكنبة. الكنبة حيث كان من المعتاد أن يترك الريموت ويغيب في عمله ثم يعود فيجده في مكانه. أنهى عشاءه أولًا؛ فلم يكن المذيع – ولا رب عمله – مزعجًا للدرجة التي تجبره على تعطيل وجبة عشائه. وحين عاد من المطبخ – بعد أن غسل الطبق ووضع الخبز في الفريزر كما هو المعتاد – بحث في كل مكان عن الريموت دون جدوى، حتى أنهفتّش أسفل الكنبة والكرسي الوحيد. كان مسلسلًا جديدًا قد بدأ لتوه حين صعد من أسفل الكنبة فقرر أن لا شيء يهم. مدد ساقيه كما هو المعتاد فوق الكنبة وشاهد المسلسل لنهايته مقاومًا أي ملل محتمل جرّاء الفقرات الإعلانية. الحقيقة أنه كان يغرق في المتعة بسبب مشاهدة المسلسلات كل ليلة. وكما لو أنه جدة عجوز كان يمكن رؤيته وهو يبكي أحيانًا إذا ما اقتضت القصص التي يشاهدها ذلك. وحين وضع رأسه على وسادته نهاية اليوم فكّر في أنه لا ضرر من مشاهدة المحطة نفسها كل ليلة. كان هذا أسهل بالطبع من معاودة البحث عن ريموت أغواه العصيان فهرب. وقال في نفسه: سوف يعاود الريموت الظهور حين يمل الاختفاء.

لكن، هذا المساء، حين جلس ليتناول عشاءه، مستمتعًا لأقصى درجات الاستمتاع بالطعم الحليبي المُحلّى اكتشف أن العائلة التي كانت خلف الشاشة في هذه اللحظة كانت تتلصص عليه.

لم يكن من المتوقع بالطبع أن ينتبه لذلك للوهلة الأولى، ولكن لأنه بعد مضي دقائق انتبه إلى أن التليفزيون لا يصدر عنه أي صوت. رَمقَه بنظرةٍ وهو يضع لقمة في فمه ويمتص أصابعه فرأى عائلة مكونة من أربعة أفراد يجلسون مصطفين على كنبة بيتهم ينظرون نحوه في صمت. توقّع أن تكون العائلة هذه – مثله – يشاهدون شيئا في تليفزيونهم، لكنه لاحظ أن تليفزيونهم – أيضا لا يصدر أي صوت بدوره. لم يعر الموضوع أية أهمية وإن كان أبدى تعجبه لأنه لم يكن من المعتاد في المسلسلات رؤية مشهد صامت. لكنه، وحين حشر لقمة أخرى في فمه فوجيء بالرجل – في التليفزيون – يقول: انظروا كيف يأكل هذا الرجل! وكان – في تلك اللحظة – يشير بسبابته تجاهه. حدّق في الشاشة ليتأكد حتى أنه احتاج لأن يغلق عينيه ويفتحهما مرتين فشعر كأن الرجل يصوّب نظرة حادة إليه. تغلّب على ارتباكه، فما ظن أنه يحدث لم يكن شيئًا معتاد حدوثه، لكن المرأة لاحقته بقولها: انظر كيف كان يمتص أصابعه! ورسمت على جبينها تعبيرًا متقززا حتى أنها زمّت شفتيها شاعرة بالأسف. ضحك الصبي بمبالغة كأن أمه ألقت بنكتة لتوها. أما الفتاة – والتي كانت منهمكة حتى هذه اللحظة في قراءة كتاب- فرفعت عينيها أخيرًا لتنظر نحوه وهي تقول: لا تسخروا منه فإنه يبدو مسكينًا. ثم أردفت كما لو كانت تدلّل على صحة كلامها: مَن مثله يمكنه التحاف بطانية أطفال. حينها فقط تأكد من أن ما ظن إنه غير ممكن الحدوث قد حدث.

بحركة آلية التقط ريموت التليفزيون وضغط على زر الغلق بقوة لكن التليفزيون لم ينغلق. وفيما يبدو فإن الصبي عاود الضحك هذه المرة بسبب الخيبة التي ارتسمت على وجهه جرّاء عدم التمكن من غلق التليفزيون. ضغط مرة أخرى لكن شيئًا أيضًا لم يحدث، ضغط مرة ثالثة لكن شيئًا متوقعا لم يحدث أيضًا. نظرت له الفتاة نظرة ممتنة كما لو أنه عاونها على إثبات فكرتها عنه وقالت: أرأيتم؟! مَن يفعل شيئًا ثلاث مرات متعاقبة متوقعًا نتيجة مختلفة؟!. هزت المرأة كتفيها وقالت: هذا أمر يجعله غبيًا لا مسكينًا. ضحك الصبي مجددًا ببلاهة، أما الرجل فيبدو أنه قد بدأ في التفكير على نحو مختلف: قد لا يكون غبيًا، قد يكون مجرد شخص مصابًا بالأمل. قالت المرأة – وكانت الفتاة قد عاودت القراءة – أي أمل في أن يتسبب فعل معتاد في حدوث شيء جديد؟! لكن الرجل يبدو أنه لم يكن مقتنعًا في هذه اللحظة – أو أنه بدأ في التعاطف معه – فقال: الأمل عزاء البشرية على أية حال.

عند هذه اللحظة شعر أن أعصابه قد انهارت فقام وفصل الكهرباء عن التليفزيون بعنف، ولحظة شاهد التليفزيون وقد اسودت شاشته تمامًا حينها فقط شعر بالأمل في النجاة من الجنون الذي ظن أنه أصابه. عاد وجلس على الكنبة مرة أخرى محاولًا طمئنة نفسه بأن ما جرى إما أن يكون قد جرى في خياله وإما أن يكون مجرد صدفة. لابد أن العائلة – في التليفزيون – تصادف أن كانت تشاهد في تليفزيونها المتخيل رجلًا – مثله – يلتحف بطانية أطفال، ومثله يتناول عشاءه. الأمر كان أشبه بأن يُنادي شخص في وسط الزحام باسمك وحين تلتفت تكتشف أنه ينادي شخصًا آخر تصادف أن لديه الاسم نفسه، أو حين تسمع شخصًا يقول لصديقه لا تكن سخيفًا في اللحظة التي تصادف أن تكون فيها تقوم بفعل سخيف. هكذا طمئن نفسه، وحين شعر بأنه استعاد إيمانه بعقله قرّر – بتحدٍ ممزوج بالأمل – أن يعيد فتح التليفزيون مرة أخرى.

هكذا فعل ممنيًا نفسه بأن المشهد الذي كان يشاهده من قبل قد انتهى. فتح التليفزيون فوجد أن العائلة التي كانت متراصة على كنبة بيتهم لم تعد موجودة، وإن كانت الكنبة نفسها هناك في مكانها. كان المشهد خاليًا من البشر. مجرد صالة بيت تشبه صالة بيته إلى حد ما بخلاف أنه كان واحدًا بإزاء أربعة، أما الآن فإنه واحد بإزاء الفراغ. كان خلو الشاشة من البشر المتلصصين فرصةً جيدة لإعادة تنظيم مشهده هو. أعاد الصينية للمطبخ، متخليًا عن عادته في غسل الطبق ووضع الخبز في الفريزر حتى لا يفوته شيء. تخلى عن بطانية الأطفال، وبرغبة في ألا يفوته شيء قرر – بديلا عن الذهاب لغرفة النوم لإعادة بطانيته – فرْش البطانية على الكنبة. لاحظ وجود تراب على المنضدة فقام ومسحه بكُم بيجامته بعد التأكد من أن أحدًا لم يظهر مجددًا في التليفزيون. بعدها شعر بأن كل شيء صار على أفضل حال فجلس منتظرًا حدوث شيء جديد.

لم يمض كثير وقت حين شاهد الفتاة تقطع الصالة – صالة بيتها. كانت ترتدي روب مفتوحًا فوق جلابية منزلية قصيرة. حين كانت جالسة – قبل قليل – مع عائلتها – حين وصفته بأنه مسكين – كانت تغطي قدميها بالروب لهذا لم يكن بمقدوره رؤية ساقيها. فجأة نظرت نحوه كما لو كانت لا تتوقع رؤيته مجددًا، ولهذا فإنها حين رأته ينظر تجاهها غضبت وضمّت طرفي الروب لتغطي ساقيها جيدًا ثم اتجهت نحوه لدرجة أن وجهها ملأ الشاشة كلها وأخرجت لسانها له قبل أن تضحك بغنج وهي توليه ظهرها وتغادر المكان. ارتبك حدّ أنه شعر بالخوف، لكن الخوف لم يمنعه من التفكير في أن لها ساقين جميلتين وضحكة ذات نبرة مغوية. كانت – مقارنة بعمره – مجردَ طفلة. كان في الأربعين بينما بلغت هي العشرين بالكاد.

ساقا الفتاة ذكّرتاه بساقي جارته التي كان يتلصص عليها في مراهقته. كانت أسرةٌ قد حلّت في البيت الذي ظل مغلقًا لسنوات بعد رحيل سكانه. رجل، وامرأة – عرف فيما بعد أنها كانت زوجته الثانية، وولد، وبنت. كانت البنت في مثل عمره لهذا كان من المتوقع أن يتبادلا النظرات والإيماءات والإشارات عبر النافذتين المتواجهتين، لكن أيًا من ذلك لم يحدث. أغلب الوقت كانت نافذتها مغلقة فقدّر أنها أغلقتها متعمدة بعد أن لاحظ أبوها وجوده في النافذة المواجهة. ظل يترقب ظهورها المستحيل حتى مَلّ، لكنه في صباحٍ مبكر نظر من بين خصاص النافذة قبل أن يفتحها فاكتشف أنها واربت ضلفة صغيرة من النافذة. كانت غرفتها معتمة تمامًا إلا من مخروط ضوء سمحت الفرجة الصغيرة بين الضلفتين من دخوله. كان مخروط الضوء مسلطًا على مخروطين بديعين لم ير مثلهما في حياته أبدًا. كانت جالسةً أسفل النافذة على الأرض فاردة ساقيها في الشمس وقد شمّرت جلبابها لأعلى. تسمّر عند النافذة وسمع ارتجافات قلبه. لم يكن قد رأى ساقي امرأة من قبل إلا في السينما والتليفزيون، وكانت رؤية امرأة بالمايوه في الشواطيء التي ارتادها مع عائلته أمرًا غير متوقع بالمرة. شعر بالامتنان لأن الساقين اللتين أمكنه مطالعتهما من خلف نافذته كانا بمثل هذا الجمال. ظل لسنوات – حتى بعد أن صار رجلًا – مخلصًا للتلصص على جارته آملا في أن تكرر جلوسها تحت الشمس – لرؤية الساقين البديعتين مجددًا – لكن ذلك لم يحدث مرة أخرى أبدًا. فكّر في أنها – وقتها – كانت في مثل عمر هذه الفتاة التي أخرجت له لسانها منذ لحظات. وحين نظر مرة أخرى للتليفزيون وجد أنهم – جميعًا – قد عادوا من جديد ليتراصوا أمامه على كنبة بيتهم محدقين فيه.

“فيما كان شاردًا؟” سألتْ الزوجة باهتمامٍ. عَقَد الرجل ما بين حاجبيه قبل أن يقول: مَن عساه يعرف؟!. لم يضحك الولد؛ فقد كان مشغولا بتركيب عجلة سيارة لُعبة يبدو أنها خُلعت من مكانها، فيما أمسكت الفتاة بطرف الروب وظلت تلهو به كالمروحة حيث كان يمكنه رؤية ساقيها – في كل مرة – كلمحةٍ خاطفة غير مشبعة. كانت تنظر باتجاهه كما لو كانت تتحدى قدرته على الصمود أمام الجمال الشاب لساقيها. يئس الصبي من تركيب العجلة فألقى السيارة بعيدًا وقام ليبحث عن شيء يلعب به. قالت المرأة: أنا أشعر بالملل. أعقب الرجل: لم يعد الإنسان يتوقع حدوث أي جديد. قالت المرأة مؤكدة: كأننا نشاهد مشهدًا ثابتًا.. هذا فوق طاقة المرء على الاحتمال. كان متسمرًا في مكانه مصوبًا نظرته نحو الفتاة التي كانت لم تكف بعد عن اللهو غير قادر على الحركة حين فوجيء بالمرأة وقد اقتربت من الشاشة وعلى وجهها تعبير ملول قائلة: رجل مثل هذا، يعيش وحيدًا، على الأغلب لأنه لا يستطيع حَمل أي امرأة على الإعجاب به، غير قادرٍ أيضا على ترك عمله الذي لا يشعر فيه بالسعادة، ما الذي نتوقعه منه. ثم أردفت: انظر إلى البيجامة التي يرتديها. ضحك الرجل الذي اقترب هو أيضًا من الشاشة حتى أن رؤية ابنته لم تعد ممكنة وأمعن النظر وقال: ليس بهذا السوء الذي تتخيلين. ربما كانت لديه امرأة يلتقيها في بيتها، وربما يأتي بها لبيته لكنه يحتاط لألا يراها الآخرون، أما عمله فمن في مقدوره معرفة إن كان يسعده أم لا.. على أية حال مَن منا لديه شعور طيب تجاه عمله. وقفت المرأة بغضب بإزاء الرجل وقالت: أنت تتعمد مجادلتي دائمًا. فقال الرجل مدافعًا عن نفسه: أنا لا أجادلك.. أنا فقط أقول لك إننا نفتقد لليقين اللازم للحُكم على الناس. قالت المرأة: الرجل يُعرف من بيجامته كما يُعرف الجواب من عنوانه. ضحك الولد الذي كان يفتش عن شيء يسليه. “بالعكس يبدو رجلا وسيمًا”.. فجأة قالت الفتاة دون أن يحيد نظرها عنه ودون أن تكف عن المراوحة بطرف الروب بعد أن أمكن رؤيتها مجددًا بعد عودة أبويها لمكانهما. “وسيمًا؟!.. يبدو أن لك ذوقًا سيئًا في الرجال”.. قالت أمها فعاتبها الرجل: لن تتنازل ابنتي أبدًا عن اختيار رجل مثلي، فأعقبت المرأة مازحةً: وقتها سوف يتأكد ظني بأن لديها ذوقًا سيئًا في الرجال! ضحك الولد بشدة. جلس الرجل محتضنًا ابنته: أسمعتِ ما قالت أمكِ لتوها؟. قالت المرأة بنبرة واثقة: كل الرجال سيئون على نحو ما. قالت الفتاة وقد كفت عن اللهو بروبها: على الأقل هذا رجل يحتفظ بسوئه لنفسه.. رجل يعيش في وحدته طوال الوقت.. لم يُضبط ذات مرة يكلم أحدًا في التليفون.. ولم يصدف أن زاره صديقًا في أي يوم.. يصحو كل يوم وينام كل ليلة في الموعد ذاته.. يذهب إلى العمل ويعود منه في الموعد ذاته.. دون أن يصيبه اليأس من عدم جدوى حياته.

بدلا من أن يتأمل الجدال الذي دار لتوه وسمعه عن نفسه، وبدلا من أن يحاول – على الأقل – الدفاع عن نفسه، قام فجأة ليذهب إلى غرفة نومه بعد أن رفع صوت التليفزيون لأعلى درجة حتى لا تفوته كلمة مما يقولوه. في غرفة نومه نظر إلى نفسه في المرآة وسأل: ما الغريب في هذه البيجامة. للإنصاف كانت بيجامة عادية مما يرتديها الرجال وإن كانت مفرطة الاتساع قليلًا بالنسبة لحجم جسده، لكن هذا أمر لم يكن بمقدوره ملاحظته؛ لأنه عادة لا يعبأ بمثل هذه التفاصيل الصغيرة. تذكّر أن الفتاة وصفته بالوسيم فابتسم لكن داهمه شعورًا مفاجئًا بأنها كانت تسخر منه. الحقيقة لم يفكر يومًا في شكله كمسألة تستحق التفكير. طوال أعوام حياته لم تنظر إليه أية امرأة نظرة إعجاب ما حَمله على التفكير في أنه يفتقد للوسامة اللازمة وفي الوقت نفسه – ولأن لأية امرأة لم تنظر إليه نظرة تحمل على الشك – فلم يعتبر نفسه قبيحًا بحال من الأحوال. كانت نظرته لنفسه أنه رجل عادي، وكان منسجمًا تماما مع هذه الفكرة التي اعتقد أنها أمّنت له حياة هادئة. خلال هذه اللحظات التي غاب فيها لم يسعه إلا سماع عبارة واحدة قالتها المرأة: لا أتوقع أن يفعل هذا الأحمق أي شيء. فتساءل قبل أن يعود مرة أخرى لمكانه عن الشيء الذي ترغب هذه المرأة في أن يفعله،ولأي شيء.

عاد مرة أخرى وجلس على الكنبة. كان الرجل قد بدأ في قراءة جريدته أما المرأة فكانت تساعد ابنها على تركيب العجلة في سيارته، أما الفتاة فلم تعد موجودة. تساءل إن كانت الفتاة قد ذهبت إلى غرفتها، وتساءل إن كانت سوف تعود مرة أخرى أم أنها – مثل أمها – يئست من أن يصدر عنه أي فعل مما يتوقعونه. المرأة انتبهت إلى وجوده فنكزت الرجل الذي رمقه بنظرة ثم عاد لقراءة جريدته. نجحت المرأة أخيرًا في تركيب العجلة فذهب الصبي إلى ركن الغرفة وبدأ في اللعب بالعربة غير عابيء بوجوده. رمقته المرأة بنظرة حانقة كما لو كان مسئولًا عن معاناتها ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى وبدأت في هزها بضيق. سألت زوجها عن الريموت فهز كتفيهكما لو أنه يأذن لها بتغيير المحطة. ففكر إذا ما كانت قد ملّت منه للدرجة التي تجبرها على البحث عن شخص آخر في مكان آخر لتتلصص عليه. شخص يمكنه فعل الشيء الذي تنتظره والذي لم يكن حتى هذه اللحظة قد عرفه على وجه محدد. شعر بخيبة كبيرة لأنه كان يأمل في ظهور الفتاة مرة أخرى وتمنى لو أن المرأة تكتشف هي الأخرى ضياع الريموت وتمنى لو أنهم يجدون أنفسهم الآن وقد أُجبروا على مشاهدة محطة واحدة – محطته.كان المشهد – بسبب غياب الفتاة – مملًا بالنسبة له قدر ما كان مشهده – بسبب وجوده – مملًا بالنسبة لهم أيضًا، وكان على أحدهم أن يفعل شيئًا لتبديد كل هذا الملل المحيط.

لم تكن لحظة إلهام لكنه – بدافع أن يفعل شيئًا قد يجبرهما على مناداة الفتاة لمشاهدته – قام وبدأ في خلع بيجامته رغم برودة الجو. انتبهت المرأة فنكزت زوجها الذي ترك جريدته مندهشًا. سألت المرأة وقد اتسعت حدقتيها: ما الذي ينوي فعله هذا الأحمق؟ فقال الرجل:لا أعرف. كان قد خلع جاكت بيجامته وبدأ في خلع بنطلونه بهدوء فيما كان ينظر نحوهما بتحدٍ آملا في أن تظهر الفتاة في أية لحظة. بقلق قال الرجل فجأة: شككت للحظة في أنه يصوّب نظرته نحونا. سألت المرأة باندهاش: تقصد كما لو أنه يتلصص علينا؟ فقال الرجل: نعم.. هذا الرجل غريب جدا.. أينما نظرت وجدته يتلصص علينا كأنه يرغب في أن يحصي أنفاسنا. قالت المرأة بحسم: هذا شيء غير معقول. ودلّلت على عبارتها قائلة: لا شيء غريب مثل هذا يحدث لأي إنسان أبدًا، الحقيقة لا شيء غريب يحدث أبدًا لأي إنسان.. كل ما هنالك أن الإنسان يعيش  بطرق مختلفة منتظرًا موعد موته، وباستثناء الموت أسفل عجلات سيارة مسرعة بعد أيام من عودة أي جندي من حرب دامت لسنوات دون أن يُخدش، وهو الأمر الذي لم يحدث أيضًا في حدود علمي، فإن شيئًا لا يمكنه الحدوث لأي إنسان ويمكن النظر له كعجيبة مثل ذلك الذي تقول.

كان لا يمكن مجادلتها على أية حال، ليس لأن ما تقوله جدير بالثقة، وليس لفرط اليقين الذي كان لديها، ولكن لأن زوجها تسرّب إليه شعور بأهمية الحذر عند فتح التليفزيون، وفي اللحظة التي همّ فيها بالقول بضرورة الحيطة فيما تبقى من الأيام فوجيء بالرجل وقد خلع ملابسه بالكامل وبدأ في الرقص عاريًا كما لو أنه يقدم عرضًا أمام جمهور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى