حكاوي

قصة أزمة: آسف لن أغير أرائي.. الحق آثر عندي من رضى الناس

بعد أن تجددت أزمة «في الشعر الجاهلي»، وفصله من الجامعة عام 1932، وافق طه حسين على الكتابة في جريدة «كوكب الشرق» التي كانت لسان حال حزب الوفد، وقد أثارت مقالاته جدلا كبيرا، حتى أن إدارة المجلة طلبت منه بعد فترة وجيزة من نشر مقالاته، أن يقبل رئاسة تحرير الجريدة التي ارتفع توزيعها ارتفاعا لم تعرفه الصحافة المصرية قبل ذلك اليوم، وقد منحته أضخم راتب منح لكاتب في تلك الأيام.

طه حسين

تحت عنوان «دائرة… » كتب العميد في 18 أغسطس 1933 مقالا أثار ضجة كبيرة، إذ تحدث في المقال عن المسألة المصرية وبريطانيا، وأشار إلى أن مصر عبر تاريخها صابرة جلدة في العراك تكافح كل ممثل غريب ينزل ديارها حتى تخرجه من أرضها وتعود مالكة أمرها.. وقد اختتم مقاله بهذه العبارات: «فهم -أي المصريون- قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبا كريما، وعرفهم الناس كذلك شعبا كريما وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان وجاءتهم من العرب والترك والفرنسيس وجاءتهم الآن من الإنجليز وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله فردوا من ردوا من المعتدين وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين، فليس غريبا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما يثبتوا لغيرهم وليس غريبا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم، وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث ولا يستفيدوا من العظات ولا يقدروا أنهم لن يظفروا بما عجزوا عنه في القرن الماضي».

وقد تسببت كلمة واحدة في المقال في إثارة العواصف ضد العميد، وهي كلمة «العرب»، إذ اعترض البعض على وضعهم في جملة واحدة مع «غزاة مصر».. لم تكن ردة الفعل على هذا المقال متوقعة من أحد فلم يخلد في بال العميد طه حسين أن كتبه ستحرق في سوريا بل وسيتطور الأمر ويقوم بعض الشباب بحملة لجمع كتبه من المكتبات تمهيدا لحرقها، وقد حدث ذلك بالفعل وبدأ تتطور الأحداث حينما كتب عبدالرحمن عزام -الأمين العام الأول لجامعة الدول العربية فيما بعد- في جريدة «البلاغ»-ردا على مقال طه حسين بمقال بعنوان «أليست مصر عربية؟؟..»، وقد نشر أجزاء من مقال طه حسين، ثم كتب: «الأستاذ الدكتور طه حسين رجل له تاريخ في العلم بالتاريخ مقام معلوم فهل له أن يتفضل بذكر بعض الحوادث التي تدخل العرب المسلمين في زمرة البغاة المعتدين فقد قيل لنا عن دخول العرب إلى مصر أنه كان استخلاصا لأهلها من البغي والعدوان وإنقاذا لها من الضلال، وقد جاء العرب إليها دعاة إلى دين جديد أصبح دين الكثرة العظمى من أهلها فهل يتفضل الدكتور طه حسين بتصحيح معلوماتنا التاريخية عن الفتح العربي؟». ثم ذكر الدكتور كيف رد المصريون أهل البغي والعدوان وكيف أفنوهم في أنفسهم وحشر العرب في زمرة الذين أفناهم المصريون والواقع أن كل الأمم التي بغت على مصر قد فنيت فيها وانتصر المصريون عليها ولا يستثنى من أهل البعض الذين يشير إليهم الدكتور طه حسين إلا العرب. أليس ذلك لأنهم لم يكونوا بغاة ولا معتدين؟.

مقال العميد

وتم تداول مقال عبدالرحمن عزام في عدة صحف عربية خارج مصر، وكان له أثره البالغ على بعض الشباب حتى نشرت صحيفة «فلسطين» في عددها الصادر يوم 5 سبتمبر 1933 بالعنوان التالي «شباب دمشق والقومية العربية – حرق كتب الدكتور طه حسين»، وكان النص الخبر جاءنا المخبر المحلي للصحف هنا بالنبأ التالي: «نشر الدكتور طه حسين الكاتب المصري الذي يحرر في جريدة كوكب الشرق المصرية مقالا بعنوان «دائرة» قال فيه: «خضع المصريون لضروب من البغي والعدوان جاءتهم من الفرس والرومان واليونان وجاءتهم أيضا من العرب».. ولم يكد ينتشر هذا المقال في دمشق وتتناوله الأيدي حتى سرت بين اللجان الأدبية والجمعيات الثقافية حركة ناشطة لم تكن تألفها من قبل، فقد عقد فريق كبير من الشباب السوري ممن ينتمون إلى هذه اللجان الأدبية اجتماعا وضعوا فيه مقال الأستاذ طه حسين موضع الدراسة ثم قرروا أن ينهجوا حيال مؤلفاته وكتبه نهج النازي الألماني حيال الكتب التي وضعها المؤلفون في الطعن على القومية الألمانية، وقد تقرر في اجتماع الشبان السوريين توجيه دعوة إلى الجمعيات العربية الأدبية والسياسية في العراق وفلسطين وجميع الأقطار العربية لإحراق مؤلفات طه حسين المطبوع منها ومقاطعة ما يحتمل أن يطبع من جديد، وقد بني هذا القرار على اعتبارات ماضية ترجع إلى الكتاب الذي ألفه تحت عنوان «في الشعر الجاهلي» وعلي اعتبارات جديدة ترجع إلى المقال الذي نشر في كوكب الشرق ضد العرب.

ولم يتوقف الأمر عند حد الحرق فقط، بل تم تأليف لجان من الشباب يناط بها الطواف على المكاتب وإخراج مؤلفات الدكتور طه حسين منها واعتبارها ممنوعة من التداول في البلاد العربية لمخالفتها الروح القومية، بل وتبع التقرير المنشور أن هذه الطريقة ستطبق ضد كتب المؤلفين المصريين اللذين يشجعون الشعوبية في حملاتهم على روح القومية العربية.

لم يترك الدكتور طه حسين الأمر يمر مرور الكرام. فقد اعتاد على خوض المعارك بقوة وجسارة فكتب مقالا في كوكب الشرق ردا على عبدالرحمن عزام بتاريخ 8 سبتمبر 1933بعنوان بغي.. وكتب في نفس العدد مقالا آخر موجه إلى الإخوة في سوريا ردا على ما حدث بشأن واقعة حرق الكتب فقال فيه: «إذا كانت هذه الآراء لا ترضيكم ولا ترضى إخواننا السوريين فإني آسف أشد الأسف لأني لن أستطيع أن أغيرها أو أعدل عنها لأن الحق آثر عندي من رضى الناس مهما يكونوا، وقد كنت أريد أن أهمس لإخواننا السوريين ببعض الحديث ولكن كيف السبيل إلى الهمس بما تذيعه الصحف فلأصارحهم بهذا الحديث إذا في غير مواربة ولا التواء. فقد كنت أتمنى لهم وللشرق العربي أن يكون حبهم للحرية وإكبارهم للرأي خيرا مما أظهروا إلى الآن. فإن الآراء لا تقاوم بمقاطعة الكتب وتحريقها ولا بالنذير والوعيد وإنما تقاوم الآراء بالآراء وإنما خلقت المناظرة والجدال لهذا لا لشيء آخر.فإذا أشفقت من مقاطعة كتبي وتحريقها في سوريا فإنما أشفق من ذلك على السوريين أنفسهم لا على نفسي. فأنتم تعلمون أن تحريق الكتب لا يحرق ما فيها من الآراء وإنما يحرق ورقا وحبرا ولعلكم توافقونني على أن إخوتنا السوريين خليقون أن يلتمسوا مثلهم العليا للجهاد في سبيل الرأي عند قوم آخرين غير الألمان الهتلريين. فإن سوريا في حاجة إلى الديمقراطية والحرية الصحيحة قبل أن تحتاج إلى مناهج الهتلريين. أما بعد فإني أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا تحيتي الخالصة وثقوا بأن نار الورق التي قد تشب بينكم وبيني لن تحرق صلات المودة التي تجمع بيننا والتي أرجو أن تدوم…طه حسين».

اقرأ أيضا

ملف| طه حسين.. البصير الذي جاء ليقود خطانا إلى النور

ثورة «طاها حسين» لتبسيط «العربية»

آخر معارك طه حسين: المذكرات المزعومة لـ«قربط» سكرتير العميد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى