النحت على قرون الجاموس.. حرفة نادرة تتحدى الاندثار في البحيرة
على مدار أكثر من نصف قرن حافظت أسرة «عصام عبد الله» على واحدة من أندر الحرف التراثية في الريف المصري، وهي النحت على قرون الجاموس، تلك الحرفة التي توارثتها الأجيال داخل الأسرة جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت جزءًا من هويتها وتاريخها. وبينما نجحت الأسرة في إبقاء المهنة حية لعقود طويلة، فإنها تواجه اليوم تحديات متزايدة تهدد استمرارها وتضعها أمام خطر الاندثار.
كيف تحولت قرون الجاموس إلى تحف نادرة
في ورشته داخل منزله بقرية زاوية غزال بمحافظة البحيرة، يواصل “عصام” رحلته مع هذه الحرفة النادرة، واضعًا بين يديه قرون الجاموس التي يحولها بمهارة وخبرة امتدت لأكثر من أربعة عقود إلى تحف فنية ومشغولات تحمل ملامح الإبداع الشعبي المصري.
ورث عصام عبد الله إسماعيل،51 عامًا، هذه الحرفة عن والده، ولم يتعامل معها كمجرد مهنة لكسب الرزق، بل باعتبارها تراثًا عائليًا وثقافيًا يسعى للحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال الجديدة. ورغم ما تتمتع به منتجات النحت على قرون الجاموس من تميز وندرة، فإن هذه الحرفة العريقة تواجه اليوم تحديات قاسية تهدد استمرارها، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف التسويق وتراجع اهتمام الشباب بتعلمها.
وبين أدوات النحت اليدوية وخام قرون الجاموس، يقف عصام شاهدًا على قصة حرفة قاومت الزمن لعقود طويلة، لكنها اليوم في أمس الحاجة إلى الدعم والرعاية حتى لا تندثر واحدة من صفحات التراث الحرفي المصري.
يقول عصام إنه تعلم المهنة منذ طفولته، حيث بدأ العمل داخل ورشة والده الراحل وهو في العاشرة من عمره، برفقة والده وإخوته الأربعة الذين تعلموا جميعًا أسرار الحرفة نفسها. ويوضح أن مراحل الإنتاج تتجاوز اثنتي عشرة مرحلة، تبدأ بالأعمال البسيطة التي تناسب المبتدئين، ثم تتدرج حتى إتقان جميع مراحل التصنيع والنحت والتشطيب.
ويشير إلى أن والده الراحل قام بتعليم كل أشقائه تلك المهنة، إلى أن عددًا كبيرًا منهم هجرها بسبب تراجعها في السنوات الأخيرة. وحول قيامه بتعليم أبنائه أسوة بوالده، قال عصام إن لديه أبناء، أكبرهم متزوج، وجميع أبنائه تعلموا المهنة، ولكل مرحلة عمرية ما يناسبها من مراحل الصنعة، فالصغار يكتفون بمرحلة السنفرة، وكلما تقدم العمر وانتقلوا إلى مرحلة أعلى.
اقرأ أيضًا: حجز دعوى «ترام الإسكندرية» للحكم.. ومحامي القضية: ما يحدث يهدد تراث المدينة
من مخلفات المجازر إلى قطع فنية
حول مصادر توفير قرون الجاموس، قال عصام إنه يتم شراؤها من المجازر والسلخانات بعد تنظيفها وتجهيزها، لتحويلها من مخلفات حيوانية إلى قطع فنية وتحف تراثية. مشيرًا إلى أن أسعار الخامات شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث كانت تباع بأسعار زهيدة في الماضي، مقارنة بأسعارها الحالية التي وصلت إلى أكثر من 75 جنيهًا للقرن الواحد، وأصبحت نادرة للغاية بسبب تصدير بعضها إلى خارج البلاد.
وفيما يتعلق بمراحل التصنيع والنحت، أوضح أنها تبدأ بعملية تنظيف القرن وإزالة الشوائب العالقة به، ثم تحديد الشكل المناسب وفقًا لطبيعة كل قرن وحجمه، إذ تختلف الخامات من قطعة لأخرى. ثم تأتي مرحلة الرسم، واستخدام المنشار اليدوي لتقطيع الشكل المطلوب، يليها تعريض القطعة للنار وتشكيلها وصقلها باستخدام المبارد وأدوات النحت المختلفة.
ويضيف أن مراحل العمل تشمل أيضًا النقش وإظهار التفاصيل الدقيقة، وصولًا إلى مرحلة التلميع النهائية التي تعتمد على مواد خاصة تمنح القطعة بريقها النهائي وجودتها الفنية.
ويؤكد أن النحت في قرون الجاموس لا يقتصر على إنتاج التحف والزينة فقط، بل يشمل تنفيذ أشكال متنوعة من الحيوانات والطيور مثل العصافير والجمال والغزلان، إلى جانب الإكسسوارات والحُلي والمباخر والأدوات المكتبية وغيرها من المنتجات التراثية.
البحيرة أشهر المحافظات المنتجة لهذا التراث الفني
يشير عصام، الحاصل على دبلوم المدارس الصناعية، إلى أنه شارك على مدار سنوات طويلة في معارض الأسر المنتجة داخل محافظة البحيرة وخارجها، حيث كانت منتجات النحت على قرون الجاموس تحظى بإقبال كبير لتميزها وندرتها. كما كان يقدم عروضًا حية أمام زوار المعارض والسائحين لشرح مراحل التصنيع وتحويل قرون الجاموس إلى أعمال فنية متقنة.
ويؤكد أن محافظة البحيرة تُعد من أبرز المحافظات التي اشتهرت بهذه الحرفة التراثية، إلا أنها تواجه حاليًا تحديات تتعلق بتراجع اهتمام الأجيال الجديدة بتعلمها، ما يهدد استمرارها مستقبلًا رغم قيمتها الفنية والتراثية الكبيرة. ويطالب عصام بدعم هذه الحرفة وإنقاذها من الضياع، من خلال توفير فرص التدريب للشباب، والمساعدة في تسويق المنتجات سواء داخل مصر أو خارجها.
اقرأ أيضًا: زمن «الكاسيت» في البحيرة.. كيف صنعت الأشرطة ذاكرة جيل كامل؟

أزمة التسويق وأسباب تراجع الطلب
من جانبه، قال محمود عبد الله، مدير معرض جمعية الأسرة المنتجة بالبحيرة، إن حرفة النحت على قرون الجاموس كانت تشهد رواجًا أكبر في السابق، حيث كانت تصل طلبات شراء من جهات وأفراد بصورة منتظمة، إلا أن حجم الطلب تراجع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن جمعية الأسرة المنتجة هي المنفذ الوحيد لتلك المنتجات في محافظة البحيرة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الخامات وتكاليف الإنتاج أثر سلبًا على التصنيع والتسويق، مشيرًا إلى أن العديد من الحرفيين لم يعودوا قادرين على الاستمرار بسبب زيادة التكلفة وضعف العائد. وأوضح أن المعارض تمثل إحدى أهم وسائل تسويق المنتجات التراثية، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة إلى زيادة عدد المعارض والفعاليات التي تتيح للحرفيين عرض منتجاتهم والتعريف بها أمام الجمهور.
وأشار عبد الله إلى أن تغير اهتمامات المستهلكين واتجاههم نحو المنتجات الحديثة أسهم في تراجع الإقبال على المشغولات اليدوية التقليدية، لافتًا إلى أن كثيرًا من الزبائن لا يعرفون طبيعة هذه الحرفة أو الخامات المستخدمة فيها إلا بعد شرح تفاصيلها لهم. وأكد أن هذه الحرفة النادرة تحتاج إلى مزيد من الدعم والتسويق للحفاظ عليها، خاصة في ظل تراجع أعداد العاملين بها وضعف إقبال الشباب على تعلمها، مما يهددها إذا لم تتوافر سريعًا سبل التسويق والرعاية المناسبة.
توقف التدريب ومخاطر الاندثار
حول توقف العمل بمركز التدريب على فنون النحت، كشفت شهيرة سعد أحمد، إحدى المدربات السابقات في مشروع النحت على قرون الجاموس، الذي استمر لسنوات طويلة تحت إشراف وزارة التضامن الاجتماعي، عن توقف المشروع بعد أن لعب دورًا مهمًا في تدريب وتأهيل الشباب والفتيات على هذه المهنة اليدوية.
وتقول شهيرة إن المشروع كان يتم تنفيذه في جمعية التنمية لرعاية الأسرة والمعوقين بدمنهور، حيث تم تخصيص مركز تدريب لتعليم النحت على قرون الجاموس للشباب والفتيات، مشيرة إلى أن المشروع استمر لأكثر من 20 عامًا قبل أن يتوقف خلال السنوات الأخيرة بسبب عدة عوامل، من بينها ارتفاع أسعار الخامات وعلى رأسها قرون الجاموس، إضافة إلى تراجع الدعم المقدم للمشروع وضعف حركة المعارض التي كانت تمثل المنفذ الرئيسي لتسويق المنتجات. وأضافت أن العائد الاقتصادي من الحرفة أصبح محدودًا مقارنة بحجم الجهد المبذول فيها.
وأشارت إلى أن أعدادًا كبيرة من الشباب تلقوا التدريب خلال سنوات عمل المشروع، إلا أن عددًا قليلًا منهم تمكن من الاستمرار في ممارسة المهنة أو تحويلها إلى مشروع خاص، بسبب ارتفاع تكلفة الخامات وضعف الجدوى الاقتصادية.
وأضافت أن كل معدات المشروع وأدواته تم تسليمها بالكامل إلى وزارة التضامن الاجتماعي عقب توقف النشاط. وحول إمكانية إحياء الحرفة من جديد، أكدت أن الأمر يتطلب دعمًا من الجهات المعنية، سواء وزارة التضامن الاجتماعي أو وزارة التنمية المحلية، إلى جانب توفير معارض ومنصات تسويقية تساعد الحرفيين على بيع منتجاتهم.
وأكدت شهيرة التسويق يمثل التحدي الأكبر أمام استمرار هذه الحرفة، موضحة أن الجمهور يعجب بالمنتجات، إلا أن الظروف الاقتصادية الحالية جعلت الأولويات تتجه نحو الاحتياجات الأساسية، مما أدى إلى تراجع الإقبال على المنتجات الزخرفية والتحف الفنية. وأكدت أن الحفاظ على هذه الحرفة يتطلب تدخلًا رسميًا سواء من وزارة التضامن أو التنمية المحلية أو كافة الجهات المعنية، لدعم الحرفيين وتوفير منافذ تسويق مستدامة بما يضمن استمرارها.
اقرأ أيضًا: رحلة البحث عن «الحريف» في ملاعبنا.. من الكرة الشراب إلى النجيل الصناعي



