عندما كانت قوص حديقة كبيرة: كيف يؤثر تغيير المناخ على جغرافيا القرية؟

تغيرت مدينة قوص كثيرا عن السابق، تسببت التغيرات المناخية في تحويل المساحات الخضراء التي كانت تغطيها في الخمسينات إلى مباني خرسانية شاهقة، وحلت الطرق السريعة محل الأشجار التي كانت تكسو جوانب الترع.. بالتزامن مع استضافة مصر مؤتمر المناخ 2022 في الفترة من 6 -18 نوفمبر القادم «باب مصر» يستعرض جغرافيا المدينة قديما.

التغير المناخي

تذكر د.أسماء محمد عبدالله، بمعهد بحوث الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية، أن الحل في التغير المناخي الذي نعيشه، هو زيادة نسبة التشجير، لابد من زراعة أكثر من 900 مليون هكتار من الغطاء الشجري، ذلك يخزن 25% من التجمع الكربوني في الغلاف الجوي كله، ما يسهم في حل المشكلة.

وتشرح أسباب التغير المناخي، فتقول: “سببين الأول الطبيعة والثاني البشر وتصرفاتهم نحو البيئة، وهذا هو الأسوأ الذي أثر على ارتفاع درجة حرارة الأرض، فزحف العمران، وتقلصت الرقعة الزراعية، بسبب انتشار عوادم السيارات والأسمدة الكيميائية الناجمة عن المصانع الكبرى”.

وتنوه أن عملية الزراعة ينتج عنها أيضًا الاحتباس الحراري، من خلال استخدام الأسمدة الكيميائية والحيوية التي ينتج عنها غاز الميثان ومركباته، وغاز البيروفليروكربون، وكذلك الآلات الزراعية التي تعمل بالديزل، وبالتالي يحدث الاحتباس الحراري، مما يجعل درجة الحرارة مرتفعة في الصيف والشتاء صقيع.

تفاقم المشكلة

وتوضح عبدالله أن الدول الصناعية تسببت في تفاقم المشكلة أيضا، فمعدل التلوث في الدول النامية لا يتعدى 4% من التأثير على المناخ، ولهذا سيكون هناك التزامات على كل دولة تجاه حل المشكلة في مؤتمر المناخ القادم.

وتقول: “استنباط أصناف زراعية جديدة تتحمل العطش قد يسهم في حل المشكلة، لأن التغير المناخي يؤدي لتبخير المياه، التي تؤثر على الزراعة وتتلف المحاصيل، وبالتالي تقل الإنتاجية”، وتشير إلى حماية المدن الساحلية التي من المحتمل غرقها في حالة ارتفاع درجة حرارة الأرض وتغير شكل المدن، فإن ارتفعت مياه البحر نصف متر يغرق نصف مليون فدان زراعي وبالتالي غرق البشرية والعمران.

وترى أننا كأشخاص لنا دورا تجاه البيئة، فعلي كل إنسان أن يزرع أشجار أمام منزله، أو في الشارع، أو الأسطح، والتقليل من استهلاك الكهرباء والمياه. وعلى الدول الكبرى التقليل من الانبعاثات الحرارية الناتجة عن المصانع وغيرها.

الفيضان والزراعة

تقول الجدة زينب علي، إحدى السيدات التي شهدت الفيضان والزراعة قديما في قرية شهنور: “قبل بناء السد العالي، كان يأتي الفيضان ويظل في الأرض مدة 3 شهور، والبخار الناتج عن الفيضان يجعل الطقس جميل، فكنا نزرع على مياه الفيضان 3 مرات في العام الواحد، الذرة الشامية والرفيعة في فصل الصيف، ثم العدس والفول والحلبة والجلبان في فصل الخريف، وفي الشتاء “هاتور” نزرع القمح والشعير، ونترك الأرض مدة شهرين لتهوية التربة”.

وتابعت: أما زراعة القطن فكانت في شهر 6، وهكذا كانت دورة الزراعات تتم، ونشعر بتواتر الفصول الأربعة، ولكن الآن تغير الطقس كثيرا.

تشير زينب إلى كثرة أشجار السنط في القرية قبل بناء السد العالي – حسب ما تتذكر- وكان الأهالي يستفيدون منه في التدفئة والاستظلال بظله في الصيف، وكانت هناك صناعة المحراث من الخشب الذي تجره الأبقار لحرث الأرض، وبذلك لا نستخدم أي ملوثات للجو، كما كنا نصنع النورج الخشب في جني المحاصيل.

“الجو كان كويس وريحة الهوا كانت جميلة”. هكذا تقول الجدة عن زراعة نباتات الحلبة والفول والجلبان وعباد الشمس، وتأثيرها على الهواء وانبعاث رائحة جميلة منه في الهواء.

وتحكي زينب عن فصل الخريف، تقول: “كنا نشم رائحة طمي النيل في هذه الفترة التي تعقب انتهاء الفيضان بمدة، أما فصل الربيع كنا نشبع فيه من الهواء بدون مكيفات أو مراوح، ولكن الآن تغير الحال كثيرا ولم نعد نشعر بالربيع ولا الخريف، وتغير الفصول أدي لتغير الطقس وتأثرت الزراعات في القرية”.

محصول الذرة الرفيعة
محصول الذرة الرفيعة
مساحة خضراء

وتكمل: البلدة كان عدد سكانها قليل، معظمهم يتمركز في المنطقة الغربية، التي يتخللها ترعة كبيرة فقط والخط السريع الذي كان يمر عليه أتوبيس النقل العام من قنا للأقصر – طريق مصر – أسوان الزراعي – في الفترة ما بين 1900 إلى 1945.

وكانت الجهة الشرقية للقرية عبارة عن مساحة خضراء مزروعة بالنباتات والأشجار، لم يسكن بها عدد من السكان، لدرجة أن فترة الفيضان كنا نمر من الجهة الغربية للشرقية بالمراكب.

وتشير إلى أن الترعة الكبيرة التي كانت تتوسط القرية يسكن على ضفافها عدد قليل من الأفراد بالقرية يزرعون أمام منازلهم عدد من الأشجار والنخيل ليستظلوا بأوراقها، وكانت تتميز قرى جراجوس والجزيرة والجمالية والعصارة والحلة بكثرة النخيل والأشجار، وزراعة القمح والذرة الرفيعة والشامية والخضراوات والحلبة والفول والشعير، والليمون والعنب.

وتقول: “كنا نستخدم الأشجار في التدفئة ونزرع غيرها لتنمو وتستمر الزراعة، وهكذا استمر الحال حتى بناء السد العالي، وتوقف الفيضان وتوقفت معه معظم الزراعات بسبب فشل استخدام مياه الترع وحلت محلها زراعة القصب”.

وتابعت: في عهد عبدالناصر تم حفر ترعتين إحداهما على الناحية الغربية للقرية، وتم إزالة جزءا من الأشجار والمساحات المزروعة أيضا، وترعة أخرى صغيرة لري الأرض المزروعة بالناحية الشرقية جميعها ناحية حجازة.

أشجار دقن الباشا 

يشير مصطفى عجلان، إلى أن الطريق من المزلقان القديم إلى مستشفى قوص كان محاط بالأشجار ذات الرائحة الجميلة على اليمين واليسار وهي أشجار “دقن الباشا”، وعلى جانبي شريط السكة الحديد ترعتين يربط بينهما نفق أسفل السكة الحديد، وترعة أخرى مكان محطة الوقود القديمة حاليا، الطريق السريع حاليا تمر فيه السيارات. لكن الآن تم ردم كل الترع وتغير شكل المدينة كثيرا لتصبح مليئة بالطرق والكباري وأزيلت الأشجار والحدائق، التي كانت تضفي نسمة هواء جميلة في الجو، وأصبحنا نتنفس هواءً ملوثا.

ويقول: خلال فترة الخمسينات إلى الستينات كانت توجد حديقة كبيرة على نهر النيل بالمدينة تتوسطها برجولة كبيرة بها أشجار وورود ونخيل حب العزيز وشجر الفيكس والصفصاف والورد البلدي والفل وبعض النباتات المتسلقة كالبلاب، كانت متنفس للمدينة على النهر.

وكان الأهالي يستقلون عربات الحنطور من شرق المدينة حتى يصلون لهذه الحديقة، في فترة الأعياد، إلا أنه في فترة السبعينات أزيلت الحديقة وشيدت مكانها مباني خاصة بشركتي المياه والكهرباء والمسطحات المائية.

حدائق شرق المدينة

ويذكر عجلان أن شرق المدينة كانت توجد أيضًا حديقة كبيرة باسم نادي الأمير فاروق في عهد الملك فاروق، وتحتوي على عدد من أشجار الزينة المتنوعة، يجلس فيها علية القوم فقط، منهم مأمور المركز والضباط ومهندس الري والأطباء، ولكنها أزيلت في السبعينات وأقيم بدلًا منها نادي قوص الرياضي وهو موجود حتى الآن وبعض المحلات التجارية، وبنكي مصر والقاهرة.

بينما منطقة سيدي أبوالعباس كانت مليئة بالنخيل والأشجار، وبعدها بحوالي 500 متر توجد حديقة أخرى كبيرة في المنطقة الشرقية للمدينة تسمي المنتزه، فكانت المتنفس الأكبر للمدينة يتجه إليها معظم الأهالي الفقراء منهم والأغنياء، وبها عدد من النخيل وأشجار الزينة ويستمتع كثيرًا الأهالي بالجلوس فيها حيث الهواء ونسيم الأشجار.

ويذكر أن معظم البيوت كانت مبنية بالطوب اللبن ماعدا القصور التي كانت موجودة للأغنياء فقط مثل قصر طوبيا وبيت السكاسيك، ومنزل المأمور، وغيرهما، كانت المباني أفقية لا يتعدي المنزل دورين فقط،.

المدينة حاليا

يقول عجلان: “تمت إزالة كل الحدائق التي كانت تمثل المتنفس الوحيد للمدينة، ولا يوجد حاليًا أي متنفس لها سوى كورنيش النيل فقط، وأزيلت جميع الأشجار المختلفة ذات الروائح الجميلة التي كانت تحيط ببعض الشوارع، وأصبحت تخلو المدينة من كل متنفس أخضر.

وتغير شكل المدينة الجغرافي وأصبحت تحل العمارات المرتفعة الخرسانية التي تحجب عنا الهواء مكان النخيل، وشيدت مكان الحدائق، المصالح الحكومية. وتم ردم جميع الترع وأصبحت طرق سريعة للمرور.

كنا نمشي في الطرقات نشم رائحة الورود والأشجار الجميلة، حاليًا نشم رائحة كريهة منبعثة من مخلفات مصنعي الورق والسكر اللذان يصبان في نهر النيل، وتدنى الذوق العام، فالزهور والورود والأشجار تجعل النفس صافية لديها القدرة على الإبداع”.

أيضا كانت المدينة خالية من عوادم السيارات، فكان فيها سيارتين فقط في الخمسينات، سيارة فهيم محروس، وأخري لآل البنا، وسيارة نقل للجميلي، وأتوبيس واحد فقط للنقل العام في السبعينات، وباقي الأهالي يعتمدون على الدراجات أو الركوبة “كالحمار”، فمسعف المدينة كان يذهب بالدراجة الخاصة به لإسعاف المواطنين.

أما الآن تغير كل هذا الطقس والمناخ تأثر على مستوى العالم وليس في قوص فقط.

اقرأ أيضا

صحافة مدارس قوص: من خط اليد إلى الكومبيوتر

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى