عندما أذيع سر زواج نجيب محفوظ لأول مرة

كان زواج نجيب محفوظ محور سؤال دائم في حواراته الصحفية طوال عقدي الخمسينيات والستينيات. وكان يجب دائما إجابات متفاوتة، لكنه في كل إجاباته كان لا يحب التلصص علي حياته الخاصة.

قال محفوظ لجمال الغيطاني: «تزوجت في عام 1954، خلال توقفي عن كتابة الرواية في فترة اليأس الأدبي، والتي بدأت في 1952، بعد كتابة “الثلاثية”. تزوجت وأنا سيناريست اكتب للسينما، من الممكن أن يكون الفراغ الذي كنت أعانيه قد لعب دورا كبيرا وإلا… فما الذي كان يخيفني من الزواج قبل ذلك؟، إنه الأدب، وهذا تصور خاطىء…” لم يكن تصوري صحيحا، كنت أناقش نفسي هل أتزوج أم لا؟ تماما كالأزمة التي مررت بها في الثلاثينيات، الأدب أم الفلسفة؟ ثم حسمت الصراع بقراري ألا أتزوج، وكنت أقول إن الزواج سيحطم حياتي الأدبية، وانتهى إلى قرار برفض الزواج فيما بعد، بعد أن استعدت حياتي الأدبية واستأنفت الكتابة، أعتقد أن حياتي الزوجية قد ساعدتني وليس العكس».

كما حكى الحكاية ذاتها بتفاصيل أخرى في حواراته مع رجاء النقاش، وتحدث عن زواجه الذي استمر سرا لسنوات يذكرها البعض بعشر سنوات وهذه رواية سنثبت عدم صحتها بعد قليل، فالمدة التي استمر فيها زواج نجيب محفوظ سرا لم تتعدٍ الخمس سنوات وكذلك الرواية المتداولة عن أن صلاح جاهين هو من سرَب هذا السر الخطير بعد أن وقعت مشاجرة بين إحدى ابنتي نجيب محفوظ مع زميلة لها في المدرسة، وعندما عرف الشاعر صلاح جاهين بالأمر عن طريق الصدفة من والد الطالبة، انكشف الزواج السري لنجيب محفوظ بعد إخفائه حوالي عشر سنوات، متعللا في تلك الفترة عن عدم زواجه بأنه مشغول برعاية أمه وأخته الأرملة وأطفالها. وهذه رواية أيضا سنثبت عدم دقتها.

 قبل اكتشاف السر

قبل اكتشاف السر بقليل كانت مجلة الكواكب على موعد مع نجيب محفوظ في حوار معه نشرته في العدد (365) الصادر بتاريخ (29 يوليو 1958) وكان للحب والزواج نصيب كبير في هذا الحوار فسأله المحاور: ألم تحب أبدا؟

  • فقال: وهل هناك من لم يحب؟، لقد أحببت في صدر شبابي وفشلت، وفشلي في الحب قد يكون سببه لأنه فقد أحد العنصرين وهما الجاذبية الجنسية والتوافق الروحي وبدونهما لا يقوم حب، فأنت من أجل أن تحب امرأة وتطلق على نفسك أنك تحب فعليك أن تحب عقلها وجسمها، فإذا فقدت أيهما فتأكد أنك لا تحب فليس هناك حب خيالي أو أفلاطوني وعلى هذا فأنا اعتبر روميو لم يكن يحب جوليت كذلك لم يكن قيس يحب ليلى لأنهما فقدا أحد العنصرين الهامين.
  • وهنا سأله المحاور: إذن لماذا لم تتزوج؟
  • فابتسم وقال: بيني وبينك لا يمكن أن أتزوج، وعلى كل لقد فاتني القطار من غير أن أشعر ولكن هذا لا يعني أنني أكره الزواج هل عندك عروسة لي؟
مفاجأة الكواكب

وقت هذا الحوار كان نجيب محفوظ متزوجا منذ أربعة سنوات، ولم يكن هذا هو أول حوار ينكر فيه زواجه، ولكنه سبقه بحوار في مجلة صباح الخير عام 1957 وفي مارس 1960 فجرت مجلة الكواكب مفاجأة للقراء، وذلك في تحقيق صحفي أخذا عنوانا عريضا يقول: “الكواكب تكشف سرا خطيرا لأول مرة” ولم يكن هذا السر سوى خبر زواج نجيب محفوظ وصاحب التحقيق نشر صور ابنتيه لأول مرة أم كلثوم وفاتن، بدأ التحقيق بسؤال نجيب محفوظ عن المرأة المثالية التي يختارها زوجة له ويجيب محفوظ قائلا: “أريدها جميلة ومثقفة وترضى بقليله وأن تتفرغ للبيت كزوجة وأن تحسب نفسها جدران البيت”. وعندئذ يكتب المحرر:” ولكني أهمس إلى العروس بسر، والسر ظل معلقا لا يعلمه أحد عن الأعزب الشهير نجيب محفوظ، أنكِ لن تكوني الزوجة الأولى في حياته يا آنستي ستكونين الزوجة رقم 2، لقد اعترف لي نجيب بعد أن أقسمت له أن أكتم سره ونجيب لا يعلم أنني حنثت بقسمي وعذري أنني “صحفي” قبل كل شيء أن خمسين عاما مضت هي عمر الأديب الكبير وكل الأوساط الأدبية تعلم أنه أعزب، ولكنه قال لي: “اسمع سأطلعك على سر خطير لأكون بريئا أمام الله ولكن بعد أن تقسم لي بأن تصونه ولا تبوح به لأحد حتى لا تضيع فرصة العروسة الثانية، وأقسمت له ثلاث مرات وأمري لله وعندئذ أدخل يده في جيب سترته الداخلي وأخرج صورتين كان يمسكهما بإعزاز وحب وقال لي:

  • هل تعرفهما؟
  • قلت: لا
  • فعاد ينظر إليهما ويقول كأنه يفخر بهما: هذه أم كلثوم وهذه فاطمة وأنادي الأولى ثومة والثانية فاتن وعمر ثومة ثلاث سنوات بينما عمر فاتن ستة أشهر.. إنهما ابنتاي
  • ووجدتني أقول له في دهشة… إنك تمزح؟
  • قال: أبدا والله إنهما ابنتاي
  • إذن أنت كنت متزوجا؟
  • ومازلت حتى الآن أعيش مع زوجتي.
اعتراف معلن

كان ذلك هو أول اعتراف معلن لنجيب محفوظ بزواجه ومن تاريخ الاعتراف بمجلة الكواكب، فإن إخفاء سر الزواج لم يتجاوز الخمس سنوات وعندما أعلنه كانت ابنتاه في عمري الثلاث سنوات والستة أشهر، وهي أعمار لا تتناسب مع أعمار تلاميذ في المدرسة وهذا ما ينفي أيضا الرواية المنسوبة إلى صلاح جاهين بأنه حدثت مشاجرة في المدرسة بين إحدى ابنتي نجيب محفوظ مع زميلة لها في المدرسة.

بالأذن والعين

أما تسمية نجيب محفوظ لابنتاه أم كلثوم وفاطمة فلم يعد خافيا على أحد أن الأولى على اسم أم كلثوم المطربة والثانية على اسم أم كلثوم الحقيقي فاطمة، وقد كان من حظ نجيب محفوظ أنه قد شهد مولد أحد أغاني أم كلثوم في الأربعينيات، بل وقد وضع رأيه في اللحن واختار الأفضل قبل أن تسمعه أم كلثوم نفسها كانت سهرة في منزل شيخ الملحنين زكريا أحمد، يقول عنها نجيب محفوظ: “كانت ليلة عيد كبير، اجتمعنا فيها في بيت شيخ الملحنين زكريا أحمد.. كنا جمهرة كبيرة من الأصدقاء منهم من يقرض الشعر ومن يرتجل الزجل، ومنهم من يحترف التأليف ومن يشتغل بالموسيقى، وكان هذا التباين مدعاة لإقامة ندوة أدبية فنية تحدث فيها الحاضرون عن كل شيء وشيخ الملحنين زكريا أحمد معروف بدعابته، وكان لا يفتأ بين الحين والآخر أن يقطع حديث المحدثين بنكتة أو دعابة يضحك لها الحاضرون، ثم يتبعها بترديد بعض مقاطع أغانيه أو بعض طقاطيق من الغناء القديم، ثم يسكت فجأة ليستأنف الشعراء والزجالون إلقاء أشعارهم وأزجالهم ارتجالا وهم يتبارون في الهجاء أو في المديح، ويتذكر نجيب محفوظ قدرة زكريا أحمد واندماجه في تلحين إحدى أغانيه في هذا الجو العاصف.. ليلتها كان يلحن لأم كلثوم أغنية من تأليف بيرم التونسي مطلعها:

إيه أسمي الحب ماعرفش

ده بينه شيء ميوصفش

وكان زكريا أحمد كلما انتهى من مقطع من مقاطع الأغنية يسمعه للحاضرين فيرددونه معه وعند مقدم الفجر كان قد انتهى من تلحين الأغنية وجعل لها نهايتين مختلفتين عرضهما على الحاضرين، ومنهم نجيب محفوظ فاختلفوا على اختيار واحدة من النهايتين وانحاز زكريا أحمد لرأي الأغلبية وأخذ الحاضرون يرددون الأغنية كاملة مع زكريا أحمد ولم يسكتوا عن الغناء إلا على صبيحة أول ترام في الصباح، وبعد عشرة أيام سمع نجيب محفوظ “أم كلثوم” وهي تغني اللحن الذي شهد مولده وشارك في اختيار نهايته.. فكانت من أجمل لحظات نجيب محفوظ على حد قوله، لأنه عاش فيه بالأذن والعين في تلك الليلة الخالدة التي لم ينسها مع زكريا أحمد.

اقرأ أيضا

عن الأيام الحلوة.. والأيام السوداء في حياة نجيب محفوظ

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى