عماد أبوغازي في المحاضرة الافتتاحية لـ«الرحلة»: جيل ثورة 19 تمرد على الثوابت وتجاوز الواقع

ألقى الدكتور عماد أبوغازي، وزير الثقافة السابق، محاضرة تحت عنوان «الفن والمجتمع.. معارك الحداثة» والتي تحدث فيها عن تطور الحركة الفنية الحديثة داخل مصر وأثر ثورة 1919 على الفن المعاصر. خلال فعاليات افتتاح معرض «الرحلة» الذي تنظمه شركة «ولاد البلد» للخدمات الإعلامية بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية في بيت السناري بالقاهرة.

تطور الحركة الفنية

قال أبوغازي في بداية المحاضرة: “الحركة الفنية الحديثة في مصر يؤرخ لها عادة بعام 1908. وهو عام افتتاح مدرسة الفنون الجميلة. أود أن أعود للوراء قليلا وذلك للحديث عن الفن ما قبل الحداثة. فقد عرفت مصر الفنون الأوربية الحديثة في عصر محمد عليّ وخلفائه. إذ أن عصر إسماعيل قد شهد ظاهرتين؛ وهما: تماثيل الميادين والحدائق العامة، وظهور فن الكاريكاتير الصحفي. فقد ارتبط ظهور فن الكاريكاتير الصحفي بالحراك السياسي الذي سبق الثورة الكبرى الأولى في تاريخ مصر الحديث.

وقد شهدت مصر في السنوات السابقة على قيام الثورة العرابية سنة 1881 حراكا ثقافيا طوال عقد ونصف من الزمان على الأقل شارك في صنعه مجموعة من أبناء النخبة المصرية الجديدة التي تكونت تدريجيا منذ عصر محمد علي. مع انتشار التعليم الحديث وعودة البعثات التي أرسلها الباشا إلى أوروبا. ثم توطدت اجتماعيا بالتغيرات التي شهدها عصر سعید باشا، خاصة مع قرار إلغاء الجزية الذي أسهم في تحقيق الانصهار الوطني، ولائحة الفلاح التي غيرت وضع الحيازة الزراعية في مصر وسمحت بظهور طبقة من كبار الملاك الزراعيين ومتوسطيهم من المصريين”.

وأضاف: لعب المثقفون الشوام الذين هاجروا إلى مصر مبتعدين عن السطوة العثمانية دورا مهما في هذا الحراك. وقد تمثل هذا الحراك الثقافي في تيار وطني في الصحافة وكتابات متعددة تدعو إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي والتعليمي. وفي ظهور أنواع أدبية وفنية جديدة على الساحة المصرية كالمسرح والمقال الصحفي وفن الكاريكاتير. إلى جانب أنواع قديمة كالشعر والزجل والنثر الأدبي الذي جرى استخدامها في سياقات جديدة. ومن ملامح التغيير الثقافي في تلك الفترة الكتابة بالمصرية الحديثة التي يطلق عليها العامية المصرية. كانت الريادة في فن الكاريكاتير الصحفي للصحفي والمسرحي المصري يعقوب صنوع.

فساد القصر

وأشار إلى أن صنوع بدأ مسرحه عام 1869 وقدم أعمالا مسرحية كوميدية تنتقد السلوكيات الاجتماعية الخاطئة، وعرض مسرحيته على منصة مقهى موسيقي كبير بحديقة الأزبكية وفي فرقته ظهرت النساء لأول مرة على خشبة المسرح، فكان رائدا لثورة اجتماعية في اتجاه تغيير مفاهيم المجتمع. وقد سمح له الخديوي بإنشاء مسرح لعرض مسرحياته على عامة الشعب. وقد عرض على هذا المسرح أكثر من مائتي عرض لاثنتين وثلاثين مسرحية ألفها. إلى أن قدم مسرحية “الوطن والحرية” فغضب عليه الخديوي إسماعيل لأنه سخر فيها من فساد القصر ثم أغلق في النهاية مسرحه ونفاه إلى فرنسا سنة 1878. حيث عاش هناك حتى وفاته سنة 1912. لكن بشكل عام أصدر صنوع عددا من الصحف في مصر وفي باريس بعد نفيه، أهمها: “أبو نضارة” التي اضطر إلى إعادة إصدارها باسم “أبو نظارة زرقاء”. ثم صحيفة “الوطن المصري” و”أبو صفارة” التي تغير اسمها إلى “أبو زقارة”، وصحيفة الثرثارة المصرية، وجميعها كانت تبث روح الثورة في المجتمع، واستمر في دعايته قبل الثورة وبعد الاحتلال، وفي صحفه ظهر فن الكاريكاتير لأول مرة في مصر، إذ كانت رسومه محرضة على الثورة.

علامة فارقة

وتحدث أبوغازي عن موقف الثورة من تماثيل الميادين. إذ أشار إلى أن ثورة 1919 كانت علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث. فمصر بعد الثورة اختلفت عن قبلها؛ ليس فقط على المستوى السياسي بل في كل جوانب الحياة. فقد كانت الثورة الحدث الإيجابي الأهم في تطور مصر في القرن العشرين. ولا يختلف مجال الإبداع الفني والأدبي عن غيره من المجالات التي تفاعلت مع الثورة، والتي عبرت عنها وتأثرت بها. فبقدر ما ساهمت الأعمال الإبداعية في الحشد للثورة والتعبير عنها وإيصال رسالتها للجماهير. أو اتخذتها موضوعا لها في السنوات التالية، بقدر ما كانت التغيرات المجتمعية التي أحدثتها الثورة في مصر دافعا لتطور الإبداع الأدبي والفني.

فقد واكب الثورة جيل من المبدعين ولد معظمهم في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين. وقد تميز أبناء ذلك الجيل بأنهم نبغوا في مرحلة الشباب المبكر، فأغلبهم قدم إنجازا مهما وهو بعد في العقد الثالث من عمره. كما أنهم عرفوا كيف يتمردون على الثوابت ويتجاوزوا الواقع متطلعين إلى المستقبل، فكانوا بذلك بناة نهضة حقيقية. وجاءت ثورة 1919 لتطلق أقصى طاقاتهم الإبداعية. حيث ارتبطوا بالثورة وبالحركة الوطنية المصرية وأصبحوا لسان حالها في الفن والأدب والثقافة.

وقد اختلف التفاعل بين الفن والثورة من نوع فني أو أدبي إلى نوع آخر. فبينما كان تعبير بعض الأنواع عن الثورة ابن اللحظة التاريخية للثورة وحاشدا للجماهير حولها ووسيلة من وسائل حمل أهداف الثورة إلى الناس؛ أي أداة من أدوات الدعاية الثورية مثلها في ذلك مثل منشورات الثورة. كانت أنواع أخرى موثقة للثورة ومسجلة لها من خلال النوع الأدبي أو الغني، عبر استخدام حدث الثورة موضوعا للإبداع بعد انتهاء الحدث.

أما الفن التشكيلي والذي كانت أحلى تعبيراته عن الثورة تمثال نهضة مصر لمختار فقد جمع بين الخاصيتين. ففكرة التمثال كانت وليدة اللحظة الثورية وتعبيرا عنها، لكن تنفيذ العمل الذي استغرق ثمان سنوات حتى يستوي كتمثال ميدان في باب الحديد، جعل منه تخليدا لها عبر الزمن. كذلك كان تمثالي سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية لمختار توثيقا لحدث الثورة بعد سنوات من وقوعها.

مختار ابن الثورة

وأوضح أبوغازي، عندما قامت ثورة سنة 1919 لم يكن مختار قد أكمل عامه الثامن والعشرين، كان لا يزال في باريس، وهناك شارك مع الطلاب المصريين في تكوين حركة لدعم الثورة المصرية والدعاية له عرفت باسم “الجمعية المصرية”. وبعد سفر الوفد المصري إلى باريس برئاسة سعد زغلول تحولت تلك الحركة إلى جماعة لمساندة الوفد ومساعدته في الدعاية للقضية المصرية. فقد انفعل مختار مثل كل المصريين بالثورة وأحداثها. وقرر أن تكون مساهمته فيها مـن خلال فنه. فنحت تمثالا يعبر عن الثورة التي اعتبرها نهضة للشعب المصري. وقدم هذا التمثال إلى معرض الفنون الجميلة في باريس فحصل على شهادة تقدير.

معنى رمزي

وأشار أبوغازي إلى أن التمثال نفسه له قصة. فعندما انفعل مختار بأحداث ثورة 1919 نحت تمثالا يعبر عن هـذه الثورة على غرار النحاتين الأوروبيين الذين حسدوا الثورات والأحداث الكبرى في التاريخ الأوروبي. فجاء التمثال على هيئة رجل متوثب يرتدي ما يشبه العقال على رأسه ويضع سيفه بجنبه. لكن مختار تراجع عـن الفكرة وحطم التمثال ولم يتبق منه سوى صورة فوتوغرافية نشرت لأول مرة في الذكرى العاشرة لرحيل مختار.

ونحت مختار بعدها رمز النهضة الذي نراه إلى اليوم في مدخل الطريق المؤدي إلى جامعة القاهرة. فقد سمی مختار تمثاله “نهضة مصر” لأنه رأى أن الثورة كانت التعبير الحي عن روح النهضة الشاملة والبعث الوطني. فجاء التمثال على هيئة فلاحة مصرية تستنهض “أبوالهول” من ثباته العميق ليربط بذلك بین نهضتنا المعاصرة والتراث المصري القديم. وقد كان إنجاز مختار للتمثال مواكبا لسفر الوفد المصري لعرض قضية البلاد في باريس ولندن والدعوة لاستقلال مصر. فتعرف أعضاء الوفد على مختار وشاهدوا التمثال قبل عرضه على الجمهور. وقد أعجب سعد زغلول بالتمثال وعبر عن إعجابه هذا في رسالة بخط يده بعث بها إلى مختار أشاد فيها بالعمل وبالمعنى الرمزي الذي يحمله.

النهضة الفنية

أما في مصر فقد عرف الناس التمثال من خلال أربعة مقالات کتبها مجد الدین حفني ناصف في جريدة “الأخبار” التي كان يصدرها أمين الرافعي. واتخذ لها عنوانا واحدا: “النهضة الفنية في مصر”. وفي أعقاب هذه المقالات الأربع أرسل الدكتور حافظ عفيفي. وكان من ضمن أعضاء الوفد المصري. برسالة إلى أمين الرافعي رئيس تحرير الأخبار يقترح فيها أن تتبنى الجريدة الدعوة لاكتتاب عام لإقامة تمثال النهضة في أحد ميادين العاصمة. وتلقف الرافعي الفكرة وتبنى الدعوة لها. فنشر في اليوم التالي بجريدة الأخبار نداء لاكتتاب قومي عام تحت عنوان: “نهضة مصر دعوة إلى الأمة المصرية”. وساند فكرة الاكتتاب اثنان من أعضاء الوفد المصري هما ويصا واصف وواصف غالي. فنشر الأول مقالا بعنوان “محمود مختار والنهضة الفنية في مصر”. ونشر الثاني مقالا تحت عنوان “واجبنا نحو مختار” وبالفعل بدأ الاكتتاب الشعبي. ثم أكملت الحكومة تكلفة إقامة التمثال الذي أزيح عنه الستار في 20 مايو 1928.

كما تنوعت أشكال الدعاية للتمثال ولحملة الاكتتاب الشعبي لإقامته. فلم تقتصر على الكتابة في الصحف والمجلات. إنما اتخذت أشكالا أخرى كذلك. وكان من بين أشكال الدعاية طباعة بطاقات بريدية مصورة (كارت بوستال) عليها صورة النموذج الأول للتمثال لتحفيز الناس على الاكتتاب. وقد تشكلت لجنة إقامة التمثال برئاسة حسين باشا رشدي رئيس الوزراء السابق؛ ووافقت اللجنة رغبة مختار في نحت التمثال في حجر الجرانيت الوردي بدلا من تشكيله بالطين وصبه بالبرونز.

إحياء فن النحت المصري

ونوه بأن الفكرة كانت جديدة وجريئة، لكن مختار أراد بها أن يحيي تقاليد فن النحت المصري القديم. وفي 25 يونيو 1921 وافق مجلس الوزراء على طلب اللجنة بالتصريح بتشييد التمثال من الجرانيت في ميدان باب الحديد، على أن تتولى وزارة الأشغال العمومية الإشراف على إنشاء قاعدة التمثال وإقامته عليها. وقد رصدت الحكومة مبلغ 3 آلاف جنيه لقطع الأحجار ونقلها من أسوان إلى القاهرة. وعندما نفد المبلغ المخصص نجح ويصا واصف في شهر يوليو سنة 1924 أن يحصل على موافقة البرلمان على تخصيص مبلغ 12 ألف جنيه لاستكمال التمثال. وكان ذلك في عهد حكومة الشعب التي ترأسها سعد زغلول. وفي ظل برلمان كان للوفد المصري فيه أغلبية كاسحة. لكن العمل في التمثال تعرض في فترات حكم حكومة الانقلاب الدستوري الأول للتعطيل عدة مرات بحجج مختلفة. ولم يكتمل العمل فيه إلا في ظل الحكومة الائتلاف بين الوفد والأحرار الدستوريين.

نهضة الشعب

وأضاف أبوغازي، حمل التمثال مجموعة من الإشارات الدلالية المهمة. فقد اتخذ مختار الفلاحة رمزا للثورة، التي اعتبرها نهضة أو بعث لروح الشعب. وإذا كان اتخاذ المرأة رمزا لثورات الشعوب وللأوطان أمرا متكررا. فإن لهذه الرمزية دلالتها التي ترتبط بالانتقال إلى العصر الحديث بثوراته وقيمه التي ترتبط بصعود الطبقات الوسطى. كما لجأ مختار إلى فكرة رمزية مشابهة لتلك التي استخدمها سافان في تمثال مصطفى كامل. حيث جعل مصطفى کامل مستندا إلى رأس تمثال مصري قديم. لكن مختار طور الرمز في تمثال النهضة عندما اختار “أبوالهول” بما له من دلالة، وصوره في حالة توثب للنهوض بفعل حركة الفلاحة التي تحفزه للقيام من رقاده.

فإذا كانت الثورة تستدعي الماضي الذي عرفت فيه مصر حضارة زاهرة. فقد كان المصريون المحدثون قد بدأوا يتعرفون عليها مع فك رموز الهيروغليفية وتوالي الكشوف الأثرية، وإنشاء أول متحف للآثار في عام 1835. وكان المصريون في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين يعيدون صياغة هويتهم. وكان تمثال نهضة مصر لمختار انعكاسا لتلك الهوية الجديدة التي تتشكل. وفي الوقت ذاته كان أحد أدوات تشكيلها.

وقد عاد مختار لاستلهام حضارة مصر القديمة كموضوعات أو عناصر في بعض أعماله. مثل: لقية في وادي الملوك الذي نحته بمناسبة اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون سنة 1922، وعروس النيل وكاتمة الأسرار وإيزيس.

فقد شكل تمثال نهضة مصر ميلادا جديدا لمختار. قدمه للمصريين كمعبر عن ثورتهم وتطلعهم للمستقبل، وسعيهم لتحقيق الحداثة المتعثرة، التي أطلقوا عليها اسم النهضة. فأصبح مختار وتمثاله بمعنى من المعاني رمزا من رموز الوطن كذلك كان الالتفاف الشعبي حول (التمثال/ الرمز) بداية لعلاقة جديدة بين المصريين والفنون التشكيلية. أو كما كانوا يطلقون عليها في ذلك الزمان مصطلح “الفنون الجميلة”. فتحول فن النحت إلى فن جماهيري ينشغل به عموم الناس مثله مثل الأغنية.

منحوتة رمزية

واستطرد أبوغازي في حديثه مؤكدا أن تمثال نهضة مصر قد شكل ميلادا جديدا لمختار. قدمه المصريين كمعبر عن ثورتهم وتطلعهم للمستقبل، وسعيهم لتحقيق الحداثة المتعثرة، التي أطلقوا عليها اسم النهضة. فأصبح مختار وتمثاله بمعنى من المعاني رمزا من رموز الوطن. كما أن الالتفاف الشعبي حول التمثال كان بمثابة علاقة جديدة بين المصريين والفنون التشكيلية. أو كما كانوا يطلقون عليها في ذلك الزمان مصطلح “الفنون الجميلة”. فتحول فن النحت إلى فن جماهيري ينشغل به عموم الناس مثله مثل الأغنية. وقد ترجم مختار الثورة في منحوتة رمزية، التف حولها الشعب بكل طوائفه. إذ سرعان ما أصبح التمثال شعارا لعدد من الهيئات والشركات والمؤسسات في مصر. ومازالت هيئات كثيرة إلى يومنا هذا تتخذه شعارا لها، في صورته الصريحة الكاملة أو في صورة مقطع من التمثال، أو من خلال إعادة إنتاجه في شكل مجرد.

تأييد مطلق

وقدم أبوغازي ملاحظة حول التمثال. إذ أشار إلى أن التمثال لم يحظ بتأييد مطلق في المجتمع فقد أثار موجة من النقد لدى بعض الكتاب من أبرزهم عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبدالقادر المازني، التي كانت لهما انتقاداتهما على جوانب فنية في التمثال. وقد انصبت انتقادات العقاد على النموذج الذي قدمه مختار في فرنسا لما فيه من ملامح أوروبية. في الوقت الذي أشاد فيه بالتمثال الذي تم تنفيذه بالفعل والذي عالج فيه مختار جوانب الانتقاد التي وجهها العقاد وغيره للنموذج الأول؛ أما انتقادات المازني. فقد تحولت إلى مساجلة على صفحات الجرائد بين مختار والمازني، واتخذت طابع الحوار الساخر، الذي وجه خلاله المازني، انتقادات حادة للعمل من الناحية التشكيلية، ومن الناحية الرمزية على حد سواء.

تحولات الثورة

من التحولات المهمة التي ارتبطت بثورة 1919 التطور في وضع المرأة المصرية. إذ كانت المرأة محورًا رئيسيًا في أعمال مختار. فقد كان اللقاء الثاني بين مختار والثورة بعد ثمان سنوات، عقب وفاة سعد زغلول. حيث قررت الحكومة تخليد ذكراه، بإقامة ضـريح له، وتمثالين واحد بالقاهرة والثاني بالإسكندرية. ثم بعد ذلك تحويل بيت سعد “بيت الأمة” إلى متحف، وتم تكليف مختار بالتمثالين.

وبالفعل قام مختار بإنجاز ما کلف به من خلال تمثالي سعد بالقاهرة والإسكندرية. فقد سجل مختار مجموعـة من القيم والمفاهيم السياسية، فلم يكن التمثالان مجرد تجسيد لشكل الزعيم وملامحه الشخصية، ولم يكونا مجرد تمثالي ميدان كغيرهما من التماثيل التي حملت ميادين القاهرة منذ القرن 19؛ لقد كانت المرة الأولى التي يحول فيها فنان مصري تمثال الميدان الشخصي إلى عمل ملحمي يعبـر عن ثورة شعب وطموحاته وأهدافه وأمانيه القومية.

الفراغ العام

عندما بدأ الخديوي إسماعيل مشروع للتوسع العمراني في القاهرة وغيرها من المدن المصرية، وتخطيط أحياءها الجديدة على غرار تخطيط المدن الأوروبية في ذلك الوقت، بما في ذلك استخدام العناصر الفنية في تجميل المدينة، أمر الخديوي إسماعيل بإقامة تماثيل الأسود الأربعة عند مدخلي كوبري قصر النيل الذي أقيم في سنة 1872 لربط حي الإسماعيلية الجديد بالجزيرة.

وفي سياق المشروع العمراني الجديد استدعت الدولة بعض النحاتين الأوروبيين، لعمل تماثيل ميدانية لأفراد الأسرة العلوية الحاكمة وكبار رجال دولتهم استمرت الدولة في تبني مشروعات تجميل المدينة بإقامة التماثيل في ميادينها وحدائقها العامة؛ وهكذا استخدمت الدولة منذ عصر الخديوي إسماعيل الفنون في إضفاء طابع جمالي جديد على المدن المصرية، وتم توظيف فن النحت في تحقيق حضور الدولة في الفضاء العام. فاحتلت رموز دولة محمد علي وأبنائه الميادين الرئيسية، واحتاج الأمر إلى ما يزيد عن نصف قرن من الزمان وإلى ثورتين شعبيتين قبل أن يشترك في شغل الفضاء العام للمدينة تماثيل لأشخاص من خارج الأسرة الحاكمة وأعوانها.

مرت 8 سنوات بين عرض مختار تمثاله للمرة الأولى في باريس في مايو 1920 وإزاحة الستار عنه في مايو 1928، سنوات شهدت معارك مع البيروقراطية التي أعاقت العمل في التمثال. ومع الساسة المؤيدين لاستبداد الملك فؤاد. فقد كان تمثال النهضة تعبيرا عن ثورة الشعب، وكان في الوقت ذاته ثورة في القيم الفنية. كان تمثال النهضة أول تمثال ميدان ينحته مصري في العصر الحديث، ليرمز به لثورة الشعب، ويختار الفلاحة المصرية لتكون رمزا للنهضة، وكان هذا الاختيار في حد ذاته ثورة على قيم الدولة المصرية الحديثة التي أسسها محمد علي، وانتزاعا لجزء مهم من الفراغ العام لصالح الشعب.

توازن القوى

وكان اختيار میدان باب الحديد، الذي يعتبر مدخل القاهرة الرئيسي للقادمين من الوجه البحري أو الوجه القبلي تحد آخر للسلطة. وإذا كان رفض تجسيد الفلاحة للنهضة ظل مضمرا في نفوس الملك والموالين له. فإن محاولة إقصاء التمثال عن مكانه المختار تكررت عدة مرات. لكن توازن القوى كان في صالح مختار وتمثاله. وانتهى الأمر برضوخ الملك فؤاد وتحديد موعد لإزاحة الستار عن التمثال أثناء تولي مصطفى النحاس رئاسة الحكومة الائتلافية بين الوفد والأحرار الدستوريين.

أما تمثالا سعد فكانا موضوعا لنزاع طويل بين الدولة والفنان يعكس حالة الصراع على الفضاء العام. فبعد تغيير الحكومة رفضت إقامة تمثال القاهرة في ميدان الإسماعيلية وقررت نقله إلى موقعه الحالي. وقررت أن يكون ميدان الإسماعيلية موقعا لتمثال للخديوي إسماعيل وبعد أن انتهى مختار من عمل التمثالين منعت الحكومة إقامتهما، واعتبرت أن ارتفاع قاعدة التمثالين غير لائق. حيث أن ارتفاع قاعدة تمثال الإسكندرية يعلو عن ارتفاع قاعدة تمثال مؤسس الدولة العلوية بميدان المنشية. وأن تمثال القاهرة أعلى من التمثال المقرر إقامته للخديوي إسماعيل. واستمرت المماطلات ووصلت إلى ساحات القضاء. فالدولة لا تريد أن يشترك الزعماء الشعبيون في شغل الفراغ العام. وإذا كانت قد قبلت على مضض التمثال الرمزي المعبر عن الثورة، تمثال نهضة مصر، ولم تستطع الوقوف في وجه التيار الشعبي الجارف المساند إقامته، فلن تكرر “الخطأ” خاصة مع تماثيل تشخيصية لزعيم كان رمزا لتحدي سلطة الملك. ولم يتم رفع الستار عن التمثالين إلا عام 1938، بعد وفاة الملك فؤاد، في نفس العام الذي نقل فيه تمثال مصطفی کامل من مدرسته إلى ميدان سوارس بوسط المدينة، بعد أن حجب التمثال ثلاثين عاما.

وأنهى عماد أبوغازي حديثه، وقال: “مازال الفراغ العام وسيظل محل نزاع بين أذواق واتجاهات مختلفة يحسمها توازن القوى”.

اقرأ أيضا

في أول ندوات معرض «الرحلة»: «ماذا ترك الفنان المصري القديم للفنان المعاصر؟»

حسن الجريتلي في ختام فعاليات معرض “الرحلة”: لم أشعر في أي وقت أننا في وضع «بطولي»

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى