علامة إزالة.. أعمال فنية لتوثيق تراث الجبانات

ألهمت التهديدات العديدة لمقابر القاهرة التاريخية، مجموعة من الفنانين التشكيليين لتوثيق تراث جبانات مصر، والتي تم عرضها في معرض يحمل عنوان «علامة إزالة» بأتيليه القاهرة في وسط البلد. والمقرر اختتام فعالياته غدا.

علامة إزالة

تهديدات عديدة تلاحق مقابر القاهرة التاريخية، كان آخرها وضع علامة إزالة على مقابر متفرقة بمدافن الإمام الشافعي، السيدة عائشة، المجاورين. وأخيرا السيدة نفيسة.

العلامة الحمراء التي زينت واجهت المقابر كانت دافع قوي لمجموعة من الفنانين والمصورين للحرص على توثيق ذاكرة المكان التاريخية. عبر جولات ميدانية بهدف الرسم او التصوير أو التوثيق لمعالم الجبانات ووصفها.

الأعمال الفنية والفوتوغرافية تعرض على جزءين، الأول في قاعة “راتب صديق” السفلية وتضم الفنون التشكيلية. أما القاعة العلوية “محمد ناجي” لإجمالي الأعمال الفنية مثل خرائط قديمة للجبانات، وصور فوتوغرافية.

يكشف الفنان التشكيلي أحمد الجنايني كواليس تنظيم المعرض. ويقول لـ«باب مصر» إن المعرض معني بتوثيق آثار الجبانات ومجموعة أخرى من آثار القاهرة.

ويضيف: “الأعمال نتيجة جهد كبير بذلته مجموعة الحفاظ على تراث الجبانات على مدار عام وجهد متواصل. من خلال زيارات ميدانية للجبانات للرسم والتصوير والحفاظ على ذاكرة الوطن التي تعتبر الجبانات جزءا منها”.

الإبقاء على ذاكرة المكان

اشترك في هذا الجهد مجموعة كبيرة من الأثريين والمهتمين بالآثار والترميم والفنانين. وتابع أنه كان لأتيليه القاهرة دورا في دعم جهود المجموعة المعنية بالتراث من خلال تنظيم المعرض عن جبانات القاهرة.

ويضيف: “نتكاتف جميعا للحفاظ على هذا التراث الذي من الممكن أن نفقده لأي سبب من الأسباب. لكن في كل الحالات نود أن نقبض أكثر على هذا التراث والموتيفات كحفظ لذاكرة المكان”.

يجمع المعرض أعمال تم تنفيذها على مدار عام كامل. وطرح الأتيليه فكر استضافتها قبل 3 أشهر حتى تمثل القاعتين مشهدا فنيا كاملا عن مقابر القاهرة التاريخية.

البعث من جديد

يشارك الفنان أحمد الجنايني في المعرض بـ 3 لوحات زيتية، تتسم بالوان مغايرة للمعتادة في اللوحات الجنائزية، مستخدما ألوان زاهية.

ويوضح: “أنا كفنان لا أنقل الأثر ولكن أنقل روح الحالة، والاعمال الثلاثة عن مومياوات ملتفة بلفائف كتانية في إشارة للتراث وفكرة الجبانات”.

اقرأ أيضا| عائلة حقي تسابق الزمن: 4 أيام تفصلنا عن الهدم ولا رد رسمي حتى الآن

لكن فسر استخدام الألوان الزاهية بأنه حين يتعامل مع المومياء لا يجسدها من خلال العرس الجنائزي. ولكن عبر فك الشرائح الكتانية التي تعلوها محت ملامحها لإعادتها للحياة من جديد، في رمز للحياة والبعث.

ثروة معمارية

على مدار 10 أعوام حرصت المعمارية علياء نصار مدير توثيق بالمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث على توثيق جبانات القاهرة التاريخية، بواسطة التصوير الفوتوغرافي. في جولات لمدافن مختلفة من بينها الإمام الشافعي، صحراء المماليك والسيدة نفيسة.

تشارك في معرض «علامة إزالة» بمجموعة من هذه الصور. وتقول لـ“باب مصر”: “نحاول عرض أهمية المدافن وقيمتها كثروة معمارية”.

تعد هذه المشاركة الثانية لها في معرض فني عن الجبانات خلال عام. وتقول: “المشاركة السابقة لم تساهم في وقف هدم المقابر الذي ما زال مستمرا رغم محاولات التواصل مع المسؤولين”.

وترى أنه مهما تغير مسار الهدم فإنه سوف يمس مقبرة أخرى هامة. وتتابع: “نحاول من خلال الرسم والصور خلث وثيقة للمكان تعريف الناس بأهمية الأماكن وأهمية التراث الذي على وشك أن يُفقد”.

غبار كثيف

يشارك الفنان التشكيلي سيد هويدي في معرض “علامة إزالة” بلوحة تحمل عنوان “غبار كثيف”. يجسد من خلالها مشهد للمدينة كاملة تحتضن المقابر وكأنها بالكامل تتتعرض لغبار كثيف.

وعن اللوحة جسد فيها تداخل البيوت مع الشواهد والقباب والمآذن. لعرض فكرة عدم وجود فصل بين المقابر والبيوت في القاهرة التاريخية.

ويوضح: “نجد المقابر حية بالمقيمين فيها وبين أحيائها وهم دليلنا في زيارة المقابر”. ورسمها على حد وصفه يمثل فكرة احترام الأثر كقيمة ثقافية وتاريخية وأهمية المحافظة عليه.

جماليات المقابر

تطرق د. مصطفى الصادق إلى فنون وجماليات القرافة. حيث تمكن من رصد أبرز ما يميز المقابر في القاهرة التاريخية.

ومن بينها أنها تتميز بقباب وأشكال وعمم مختلفة أعلى المقبرة. وقال في كلمة على هامش المعرض: “التيجان وكل تفاصيل المقابر صُنعت يدويا. ولكل رمز دلالة مثل التيجان او العمائم أو الشعر”.

وفي حالة مقابر السيدات فإنه يوضع على المقبرة شعر يشبه الحقيقي منه المجدول أو شعر حر، ويقول: “عندما رأيته لأول مرة من بعيد ظننت انه باروكة ويتنوع بين المرسوم والمنحوت”.

كذلك مقابر الشباب يوجد ما يرمز لموت صاحبها في سن صغير، وكان قد شاهد مقبرة لشاب توفي في سن الـ 26 يعلو مقبرته “ببيون” كأنه شاب في حفل زفافه. وتابع: “أعتقد أن كل هذه الفنون إذا خسرناها بالهدم او الإهمال سنخسر أثر كبير جدا غير موجود في العالم “.

تاريخ مصر من شواهد القبور

كشف د. مصطفى أنه من شواهد القبور يمكن التعرف على معلومات كثير بالنسبة للمتوفي منها الاسم، السن، الوظيفة، تاريخ الميلاد، والوفاة وأحيانا يُعرف منها مكان الإقامة قبل الوفاة، سبب توقيت الوفاة ووصية المتوفي.

ومن بينها، شاهد يحمل اسم “المرحومة فاطمة حشمت ابنة أحمد باشا حشمت”، الذي كان وزيرا للمالية ثم المعارف فالأوقاف فالخارجية ثم أخيرا وزير المالية مرة أخرى سنة 1923.

وعُرف من شاهد القبر أنها وفيت صغيرة في السن عن 19 عاما نتيجة لمضاعفات في الولادة وأنها تركت ابنا وأن والدها تماسك من أحزانه ليتهم بحفيده، وتب لها على قبرها:
يا وردة عاشت حياة الورد
عمرا قصيرا وهوت اللحد
لولا برئ غافل بالمهد
يرضيك أن أحيى ليحيى بعدي
لعجلت بي زفرات الوجد

عباس أفندي شهيد ثورة 19

يربط توثيق د. مصطفى الصادق بجماليات ورموز المقابر بأحداث الماضي، فمن خلال معرفة اسم الميت يستدل على الأحداث التي مات فيها ودوره في تاريخ مصر حتى لو لم يكن من رموزها.

ومن بينها قصة المرحوم “عباس أفندي محمد أحمد” من شهداء ثورة 1919، توفي يوم الخميس 3 أبريل عام 1919.

وعن احداث وفاته كان قد حدث إضراب عام في القاهرة خلت بسببه المصالح من الموظفين وتدفقت الجماهير في مظاهرات عارمة بالشوارع وتلاقت الجموع في ميدان عابدين.

وشهد هذا اليوم إطلاق الدوريات البريطانية النار على المتظاهرين مما أدى إلى استشهاد 9 و جرح 56 مصريا.

ومن بين هؤلاء الـ 9 استشهد عباس محمد وكان يقطن في حارة أبو الليف بالسيدة زينب ودفن في قبر بسيط بالإمام الشافعي. وكتب عليه “هو الحي الباقي.. هذا قبر المرحوم عباس أفندي محمد شهيد الحرية والوطن توفي إلى رحمة ربه يوم الخميس 2 رجب سنة 1337 هـ”.

لجولة ثلاثية الأبعاد في معرض علامة إزالة اضغط هنا

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى