عرض لروایة | صحراء الممالیك.. لخیري شلبي

كتب – مارك أمجد
تتسم كتابة خیري شلبي باللغة المائعة بین الفصحى والعامیة، دون ترھل منه أو نشاز. فنجد إیقاع السرد
متلاحق الأنفاس یمزج جمل العربیة الرصینة بألفاظ الشارع البلیغة. وكتابته من حیث الأجواء وانتقاء
التفاصیل لا الأسلوب تتشابه كثیرا مع أدباء آخرین مثل رؤوف مسعد وصنع الله إبراھیم. وللغرابة فھو
یستیطع أن ینسج مجلدا روائیا ضخما حول قصة یمكن أن تُحكى في سطرین، دون الانزلاق في فخ الملل والتكرار، بل إنه في بعض الأحیان یعید روایة نفس اللقطة من أكثر من منظور واحد في أكثر من فصل،
وفي كل مرة تنتابك لذة مغایرة.
مقتطف من صحراء الممالیك
“كنت أنا المتوتر الوحید تقریبا لأنني لم یسبق لي القبض علي مطلقا في یوم من الأیام لأي سبب من
الأسباب سیاسیة كانت أو جنائیة؛ ثم إن القلق راح یأكل في دماغي بحثا عما یمكن أن أكون قد فعلته أو
كتبته أو ھرفت به في قعدة یتضمن ما یصلح أن یكون مبررا للقبض علي مع اثنین من مشاھیر الماركسیین العاملین ولیس العاملین الماركسیین”.
في معظمھا، تُسرد الروایة على لسان بطلھا “مروان” صحفي وقصاص، فیحكي قصة عمید الشرطة السابق
فھمي بیه القزاز، الذي كان یوما من الأیام مأمور سجن أبي زعبل في نھایة الفترة الناصریة وأول حكم
السادات، یسرد مروان حكایة فھمي بیه منذ كان طفلا لقیطا حتى تبنته عائلة كریمة فاقتنص اسمھا وتخرج
في كلیة الشرطة وصار أشھر جلاد لمساجین الدولة الناصریة من الشیوعیین والإخوان المسلمین.
وفي رحلة وصولیته یتمكن فھمي بیه من أن یستحوز على ابنة الحاج القزاز الذي رعاه وتدعى البنت
خیرات، وللمفارقة نجدھا إنسانة مثقفة جدا وحكیمة تعمل ممرضة وتحب قراءة الأدب وتنتوي یوما ما تألیف كتاب عن ملائكة الرحمة. وبالفعل یتزوجھا محولا إیاھا لمومس تخدم نزواته في السریر بل إنه لا یتحرج مرة من فضح غزواته الجنسیة أمام شلته التي یحشش معھا في تباھي كامل بفحولته حتى ولو على حساب شرف زوجته. ثم تستعر أحداث الروایة فعلا حینما یفقد فھمي بیه منصبه فیسرحونه مع معاشه ویدور یخدم الخلق نظیر رشاوى یحدد ھو ثمنھا. ثم یفقد بعد وظیفته صحته فتصیبه جلطة تحوله حسب وصف خیري شلبي لأرطال من اللحم فوق كرسیه، غیر قادر على الحركة أو نطق الأشیاء بشكل صحیح. وھنا یقفز أصدقاؤه السیئون لیدیروا بیت فھمي بیه وینالوا غنائمھم التي انتظروھا لعقود طویلة، ومن وسط ھذه الغنائم زوجته خیرات.
وفكرة الروایة باختصار یمكن أن نختزلھا في علاقة إعجاب مبتورة تنشأ بین مروان الصحفي المبدع
وخیرات زوجة فھمي بهھ العمید السابق عدو مروان وعدو كل الكُتّاب والمثقفین. ومن الطبیعي أن تنشأ مثل ھذه العلاقة خاصة أن فھمي بیه زوج خیرات حسب وصف المؤلف مجرد كلب حراسة مفترس، وزوجة مروان مجرد سیدة ریفیة كل ھمھما تنشأة أطفالھا، أما مروان وخیرات فتتناغم بینھما أسطر الجوابات ووقع الاستعارات وسطوة القصص.
تصور الروایة أیضا حقبة ھامة جدا من تاریخ مصر، وھي فترة فقدان العرب للزعیم الناصري، وكیف
كانت السجون في عھده، مع توثیق لحالات الاغتصاب والضرب والتسقیط التي كانت تتعرض لھا المناضلات الشیوعیات في سجون عبد الناصر اللواتي سُجن بعضھن مع رضعانھن. وللمفارقة، تسجل الروایة في أحد مشاھدھا یوم رحیل الزعیم، إذ بكاه من عُذبوا وسُحلوا في معتقلاته بل وقفوا من بعدھا في
وجه انفتاح السادات وحاربوا عقیدته وسیاسته فأطلق علیھم بدوره الإسلامیین الذین اشتموا أخیرا أنفاسھم.
ھذا في الشأن المحلي أما على النطاق العربي فترصد الروایة تنامي نفوذ العراق واستیراد صدام حسین
بأموال نفطه النخبة المثقفة في مصر كي یكتبوا عنه في صحف دولته ویصورونه كأنه جیفارا أو لینین،
ویجعلونه ناصرا جدیدا أمام العرب.
أما شلبي فھو موالید 31 ینایر 1938 بقریة شباس عمیر بمحافظة كفر الشیخ. حاز على جائزة الدولة
التقدیریة عام 2005 ولھ أكثر من 70 كتابا بین الروایة والقصة والمسرحیة والدراسة، من أشھرھا: “وكالة عطیة” و”صالح ھیصة” وثلاثیة “الأمالي” و”زھرة الخشخاش” و”نسف الأدمغة”. كما تُرجمت أعماله إلى الإنجلیزیة والفرنسیة والألمانیة والروسیة والصینیة والكوریة والأردیة.
انتھى من كتابة “صحراء الممالیك” في مایو 2007 وصدرت الطبعة الأولى منھا عن دار الشروق 2008
في 434 صفحة من القطع المتوسط.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى