عبدالله الطيب.. قصة أول سوداني ينضم إلى عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة

ضم مجمع اللغة العربية بالقاهرة مجموعة من أبرز الأدباء والكُتاب المصريين والعرب منذ تأسيسه في عام 1932. ومنهم الأديب السوداني الراحل عبدالله الطيب، باعتباره أول سوداني ينضم إلى عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعمل على تدشين نظيره بالسودان في التسعينات.

مجمع اللغة العربية بالقاهرة

بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، يروي د. مصطفى أحمد علي الأستاذ الجامعي والباحث في اللغة والتراث ومدير الثقافة والاتصال بمنظمة “الإيسيسكو”، تفاصيل انضمام الطيب إلى مجمع اللغة العربية وأسلوبه المميز في الكتابة. ومثلما حصل د. طه حسين على لقب عميد الأدب العربي، حصل د. عبدالله الطيب على لقب عميد الأدب السوداني.

ويقول الباحث في اللغة والتراث لـ«باب مصر»: “كان قد قدم الطيب إلى القاهرة بهدف كتابة الأديب الراحل طه حسين مقدمة كتابه “فهم أشعار العرب”، بعدما اقترحت زوجته البريطانية السيدة “جريزيلدا” أن يكتب مقدمة الكتاب علم من أعلام الأدب العربي ووقع الاختيار على د. طه حسين”.

واندهش طه حسين أنه كاتب سوداني مغمور يكون بهذا المستوى في الثقافة والمعرفة والبحث والتحليل. وتم ترشيحه لعضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة وأصبح عضو في الخمسينات تحديدا في عام 1957. ويتابع د. مصطفى: “عمل الطيب لاحقا على نقل التجربة إلى السودان وعمل على تدشين مجمع اللغة العربية في الخرطوم بالسودان، وتأسس في عام 1993. وفي عام 1995 انضم إلى اتحاد مجامع اللغة العربية. وكان أول رئيس للمجمع هو د.عبدالله الطيب. واستمر نشاطه الأدبي حتى رحيله في عام 2003.

د.عبدالله الطيب ود. مصطفى أحمد في فندق طرابلس عام 1990- أرشيف د. مصطفى أحمد علي
د.عبدالله الطيب ود. مصطفى أحمد في فندق طرابلس عام 1990- أرشيف د. مصطفى أحمد علي
تقليدي معاصر

«شاعر قدم إلينا من العصر العباسي لكنه انطوى على ثقافة معاصرة مختلفة». كان هذا هو الوصف الأمثل للأديب السوداني د. عبدالله الطيب (2 يونيو 1921 – 19 يونيو 2003). وبرغم اهتمامه بالطرق القديمة في الكتابة، والتفسير القرآني ودراسة أشعار العرب إلا أنه اهتم أيضا بالثقافة الأدبية المعاصرة. حيث كتب على منوال الأقدمين مستخدما التعابير والتشبيهات القديمة.

تنوعت اتجاهات العديد من زملاءه في الوقت نفسه بين الواقعية والمنطقية، إلا أنه كان يشعر بأنه لا يشبه هذه اللغة التي كانت غريبة عن البيئة التقليدية التي نشأ فيها. رافضا طوال حياته استخدام الكلمات الدخيلة المأخوذة عن اللغات الأجنبية. حيث نشأ الطيب في قرية سودانية كان الصراع الثقافي حينها قد بدأ بين صيغتين، العربية والتقليدية الموجودة بالمدارس والكتاتيب السودانية، والصيغة الأجنبية التي أتت مع الاستعمار الإنجليزي إلى السودان.

وبرغم دراسته على الطريقة التقليدية في السودان، وباللغة الإنجليزية، إلا أنه كان يميل إلى استخدام اللغة واللهجة الميسرة. خاصة اللهجة الريفية التي كان يتحدث بها والتي كانت قريبة من الجميع. حتى أصبح حاملا للواء العربية على مدى سنوات القرن العشرين.

وربما كان هذا هو السبب في أن يحتل مكانة كبيرة في قلوب أهل السودان خاصة غير المتعلمين منهم. حيث كان صوته يتردد يوميا في كل منزل على إذاعة السودان، وهي الذكريات نفسها التي لم تفارق ذهن د. مصطفى أحمد علي، في طفولته، منها نشأته على صوت د. عبدالله الطيب في الإذاعة السودانية، وفقرته اليومية لتفسير القرآن الكريم وآياته.

طالب وصديق

يروي د. مصطفى ذكرياته مع الطيب، والتي بدأت كطالب نهل من علومه في جامعة الخرطوم ثم تحولت العلاقة بينهما لاحقا إلى صداقة ممتدة حتى وفاته. ويقول لـ «باب مصر»، إنه اطلع خلال مرحل المراهقة والشباب على مؤلفات الطيب من خلال مكتبة والده، حتى التحق بالمرحلة الجامعية في نهاية سبعينات القرن الماضي، للدراسة في كلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة الخرطوم على يد الأديب عبد الله الطيب، الذي لم ينقطع يوما عن ممارسة مهنته الأولى والمفضلة لديه “التدريس”.

من اليسار إلى اليمين د. مصطفى أحمد علي ود. عبدالله الطيب في الرباط صيف 1994- من أرشيف د.مصطفى أحمد علي
من اليسار إلى اليمين د. مصطفى أحمد علي ود. عبدالله الطيب في الرباط صيف 1994- من أرشيف د.مصطفى أحمد علي

ويتابع د. مصطفى: “لقد درس لي بشكل مباشر وكنت مطلعا على كتبه خاصة التي تأثرت بها وهي المرشد. ومن نافذة القطار. وخلال الدراسة درست الحماسة والمفضليات بجامعة الخرطوم. وبعد الانتهاء من المرحلة الجامعية سافرت فرنسا عام 1979 لاستكمال الدراسة وكذلك غادر الطيب الخرطوم”.

ومكث حينها الأديب السوداني 7 سنوات في المغرب. وتزامنت عودتهما معا إلى مدينة الخرطوم في عام 1986. وخلال هذه الفترة ترأس أحمد قسم اللغة العربية. فيما كان الطيب عضو في القسم برغم تقاعده، “خلال هذه الفترة تحولت العلاقة بيننا من أستاذ وطالب إلى صديقين”.

جولات الطيب

استمر د. مصطفى في منصبه لمدة 4 سنوات. وبعد الأحداث السياسية السودانية مطلع التسعينات، التحق بالمنظمة الإسلامية للعلوم “الإيسيسيكو”، بتزكية وترشيح من د. عبدالله الطيب. ولم تتأثر علاقتهما بعد الانتقال إلى المغرب. حيث مكث بها أحمد منذ عام 1990 حتى عام 1998.

وخلال الاعوام الثمانية، كان يحل د. عبدالله ضيفا في منزل د. مصطفى، ويوضح لـ«باب مصر»: “كان يحضر الدروس الدينية ثم يزورنا في المنزل برفقة زوجته البريطانية السيدة غريزلدا خاصة في شهر رمضان. ونتناول طعام الإفطار معا. حيث أخذت علاقتنا بُعدا ثالثا لتصبح العلاقة أسرية”.

د. مصطفى أحمد علي
د. مصطفى أحمد علي

انتقل أحمد بعدها من المغرب إلى التشاد. وقال عنه د. مصطفى في مقال كتبه في رثاءه: “كانت العبارات تخرج منه سلسة عذبة بلهجة عشائر الجعليين الذين يسكنون على ضفتي النيل”.

أوراق نادرة

اختص الأديب عبدالله الطيب، صديقه وتلميذه بالعديد من القصائد التي كتبها بخط يده، غير المنشورة من قبل، والتي حصل «باب مصر» على نسخة منها من الأرشيف الخاص بـ د. مصطفى. ومنها قصيدة «ألم تر أني» التي كتبها الطيب أثناء وجودهما معا في طرابلس، ليبيا، في أكتوبر 1990 خلال المشاركة في إحدى المؤتمرات.

وهذه بعض الأبيات منها:

ألم تر أني قد غدوت مُترجما

لشيخ من أهل الهند كالصارم الهندي

ملح كشيخ البحر ليس بمشفق

على أحد يفنت في طرق السرد

له لحية بيضاء من فوق شارب

حليق وعينا هدهد وخطا فهد

أتينا طرابلس التي قبل أمرها

سمعنا له ما للعجائب من حسد

وتضمنت القصائد غير المنشورة والمدونة بخطه، قصيدة أخرى تحمل عنوان “تصر من السنون” وقصيدة “سلام على الحسناء” وهذه أولى أبياتها:

سلام على الحسناء زار خيالها

وكدنا ما كادت تَبين ننالها

وفي القلب باق حبها ولقد نأت

وكم خلة للنأى رثت حبالها

وقال أبو عثمان في بعض كتبه

جراحات هذا القلب صعب زوالها

كذلك من الأبيات غير المنشورة من قبل التي نظمها الشيخ العلامة حينما كان يلم بداره في اكدال، بالرباط. واختص د. مصطفى بها. فضلا عن رسائل شخصية مكتوبة على أوراق خاصة مزينة برسوم زوجه غريزلدا، لمآثر ومعالم من الخرطوم والرباط وفاس:

أضعنا شباب العمر في وطنية

اردنا بها نصرا فكانت هزائما

وأعجبنا إحراز مظهر سلطة

ظننا بها  أنا نسودن حاكما

كما غرنا رفع لخرقة راية

ولحن له كل امرئ هب قائما

خزعبلة لم تخل من وثنية

حسبنا بها أنا فعلنا العظائما

ولم نعد تقليد القرود وإنما

نحاكي بها للمشركين زمازما

وقيل أتى استقلالكم فافرحوا به

فرحنا به، لم نجن إلا علاقما

وقيل حوتنا وحدة عربية

نكون بها عربا فكنا اعاجما

اعاجم افكار، اعاجم ألسن

طغاما ضغابيس الحلوم قرازما

سمعت فلانا وهو يخطب مرة

فكان لظهر الضاد باللحن قاصما

 الأوراق الخاصة

يستكمل الحديث عن العديد من الذكريات بينهما ومنها: “حدثني أستاذي الأثير عبد الله الطيب، رحمه الله، أنه كان ببيروت ذات صيف قائظ، وكانوا يتهيأون لزيارة الجبل، فطلب من زوجته جريزيلدا. ألا تنسى أن تضع في حقيبته رداء صوفي يقيه البرد، على استنكار منها واستغراب أجاب عنه مستشهدا ببيت المتنبي”:

وجبال لبنان وكيف بقطعها

هن الشتاء وصيفهن شتاء

ولما صعدوا الجبل كان هو الوحيد من بين القوم من اتقى زمهرير الجبل في وطأة الصيف وتمكن سلطانه، بفضل بيت قاله أبو الطيب قبل أكثر من ألف عام”.

اقرأ أيضا

مملكة الظلال.. كيف عبرت السينما عن التطور الزمني لمنطقة وسط البلد؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى