«عاش يا كابتن» نبه إلى المشكلة منذ عام: ذهبية حسونة وصرخات الكابتن رمضان

كان أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أشاهد تتويج لاعب رفع الأثقال “القطري- المصري” فارس حسونة بالميدالية الذهبية في أوليبمبياد طوكيو، هو الكابتن رمضان.

قبل أيام من فوز حسونة، شاهدت فيلم “عاش يا كابتن” للمرة الثانية على منصة “نتفليكس”، وكانت المرة الأولى ضمن عروض مهرجان “القاهرة السينمائي الدولي” منذ عدة أشهر.

الكابتن رمضان

“عاش يا كابتن” هو فيلم وثائقي من إخراج الشابة السكندرية مي زايد يصور على مدار سنوات بعض لاعبات رياضة رفع الأثقال المصريات، يقوم بتدريبهم لاعب سابق عجوز، ووالد بطلة العالم السابقة نهلة رمضان، داخل ساحة خربة مهجورة، سمح له باستخدامها بعض المسؤولين.

حسب ما نرى في الفيلم عرض على الكابتن رمضان أن يقوم بالتدريب في بعض النوادي المعروفة، لكنه فضل أن يعطي وقته وعمره لبنات الأحياء الشعبية اللواتي ليس لديهن نادي ولا مجال لممارسة الرياضة، ومن يشاهد الفيلم سيشعر بالفخر الإنساني من قدرة هؤلاء الفقراء البسطاء على صنع البطولات من لا شيء تقريبا. لكن هذا الفخر لا يفارقه شعور بالخجل والألم. الكابتن رمضان وفتياته يتدربون داخل “خرابة” ليس لديهم سوى بعض بارات الحديد، وجهاز تدريب قام الكابتن بتجميعه يدويا، وهم عرضة لتعليقات وسخافات الصبية والمارة، وقبل المسابقات نتابع معهم كيف يجمعون الجنيهات القليلة لشراء ملابس وبعض الطعام. وهو مشهد ذكرني بحوار قديم مع أحد أبطال رياضة رفع الأثقال أو كمال الأجسام، الذي كان قد حقق عددا من البطولات الدولية قال فيه إن كل مطالبه من الدولة أن توفر لهم الطعام المناسب الذي تحتاجه مثل هذه البطولات العضلية الصعبة.

الرياضات المظلومة

ينقلنا “عاش يا كابتن” إلى كواليس الرياضات المظلومة في مصر التي تمارس في الشوارع والساحات الشعبية ومراكز الشباب، بعيدا عن الأندية الخاصة الفاخرة، والتي يفاجئنا لاعبوها من حين لآخر بتحقيق بطولات دولية بطريقة إعجازية. في وقت ما كانت مراكز الشباب التابعة للدولة تحتضن الرياضة والرياضيين وتنافس النوادي الخاصة على صناعة الأبطال، ولكن هذه المراكز انهارت تماما، وتحول الكثير منها لأماكن سيئة السمعة، بجانب أن عددها يتناقص في الوقت الذي يتضاعف فيه عدد السكان باستمرار.

الكابتن رمضان، رغم الحزن الذي يغمرنا بعد مشاهدة الفيلم، كان رجلا محظوظا، فرح ببناته وتلميذاته واستطاع أن يحقق إنجازات كبيرة بفضل شخصيته المتواضعة وصلابته الفولاذية. إننا نسمع صرخات وشكوى الكابتن رمضان عبر الفيلم، رغم أنه لا ينطق بها أبدا، لأنه رجل لا يحب الشكوى، ويصر على النجاح. ولكن هناك آلاف “الكباتن” الآخرين لم تتح لهم الفرصة، أبدا، لتحقيق ما يمكن أن يحققوه، أو اضطروا للسفر إلى البلاد العربية للتدريب هناك.

من هؤلاء والد البطل فارس إبراهيم حسونة، البطل السابق والمدرب الكفء، الذي انتقل للعيش في عدد من البلاد العربية ومنها قطر منذ سنوات، عقب مشاكل مع الاتحاد المصري لرفع الأثقال.

في تصريحات تليفزيونية أعادت نشرها بعض الصحف عقب فوز ابنه بالميدالية الذهبية قال إبراهيم حسونة: “رحلت عن مصر بسبب عدم حاجة المسؤولين لي، حيث كانوا يعينون المدربين بالمجاملات وليس الكفاءة.. ولم يتم الاستعانة بي، رغم أنني أخرجت لمصر العديد من الأبطال”.

فوز فارس حسونة أثار الكثير من الجدل وفتح بعض الملفات المغلقة، مثل فساد الاتحاد السابق لرفع الأثقال المصري، والذي تسبب في إيقاف الفريق المصري عن المشاركة في البطولات الدولية بسبب المنشطات، في فضيحة شارك فيها أعضاء سابقون بالاتحاد، وللأسف كعادتها لم تتخذ وزارة الشباب والرياضة موقفا حاسما.

فوز حسونة باسم قطر تسبب في صدمة وانزعاج للكثيرين، بسبب ممارسات قطر السياسية المعادية لمصر، ولكن معظم هؤلاء يتجاهلون الحديث عن المشاكل الأساسية، التي ليس لها علاقة بقطر، مثل حال الرياضة المخزي في مصر وفساد أو ضعف الاتحادات الرياضية، وعدم ذهاب مئات الملايين المخصصة لوزارة الشباب والرياضة إلى مستحقيها.

كان يمكن أن يفوز حسونة باسم أي بلد آخر، وفي كل الأحوال لن ينفي ذلك حقيقة أنه مصري ابن مصري، وأنه، نظريا، كان يمكن أن يفوز بالميدالية الذهبية لمصر. والحقيقة أن مصر بالفعل هي التي فازت بها، لأن أي مصري يمثل مصر، حتى لو لم يكن يمثلها بشكل رسمي.

لكن الفرح بإنجاز حسونة، مثل الفرح بإنجازات الكابتن رمضان، مؤلم لأنه يذكرنا بحال الرياضة في مصر، التي لا تخرج عن التشجيع العصبي لكرة القدم، ولا يمارسها سوى بعض أبناء الطبقة الموسرة في النوادي الخاصة، مع اختفاء رياضة المدارس وانحدار رياضة مراكز الشباب.

عاش الكابتن رمضان، وصناع فيلم “عاش ياكابتن”، الذين ذكرونا بحال الرياضة في مصر، ولكن لأن الأفلام لا تكفي عادة، كان لابد من خبطة ذهبية قطر، لعل البعض ينتبه إلى ما يدور في كواليس اتحاد رفع الأثقال والاتحادات الأخرى ووزارة الرياضة.

اقرأ أيضا

حسين القلا عن مقالات صناعة السينما: المقومات متوافرة.. والحلول أيضا

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى