طريق الذهب “قفط- القصير”.. أقدم ممر للحج شاهد على وفاة “الشاذلي”

طوله 180 كم ويحتوى على 2300 نقش أثري

في البدء كان ممرًا للقوافل التجارية، عرفته دول المغرب العربي ودول أفريقيا باسم طريق الحج، وهو طريق ينتهي بركوب البحر الأحمر والنزول في الاراضي المقدسة، إنه طريق قفط- القصير، واحد من الممرات التي ربطت بين مصر والجزيرة العربية من جانب، وبين المغرب العربي وأرض الحجاز  من جانب آخر.

وتعد قفط بوابه الطرق المؤدية إلى البحر الحمر ومدينة القصير، ومعبر مهم إلى طرق الحج البرية القديمة.

 لم يكن طريق الحج المصرى القديم عبر “قفط- القصير” إلى مكة المكرمة مقصورًا على خدمة حجاج مصر فى ذهابهم وعودتهم فقط، وإنما كان مؤهلًا لخدمة حجاج العالم، إذ كان طريق الحجاج القادمين من المغرب العربي والأندلس وحجاج غرب أفريقيا.

طريق الذهب والمحاجر 

الدكتور إسماعيل عبدالفتاح، باحث بكلية الآثار جامعة جنوب الوادي، يقول إن طريق قفط- القصير كان ممرًا حيويًا بين وادي النيل وبلاد الشرق الأدنى القديم، كما استخدم منذ فجر التاريخ كطريق تجاري إلى البحر الأحمر.

كما استخدم كطريق رئيسي لإرسال البعثات، سواء للحصول على الذهب من قفط والفواخير أو للحصول على أحجار من محاجر وادي الحمامات، والذي اشتهر هو الأخير  بأحجاره المتنوعة- منها “الشست”- المستخدمة في البناء والإنشاءات.

عبدالفتاح يتابع: من أجل هذا أقيمت الاستراحات وحفرت الآبار وشيدت الأبراج والحصون، لخدمة المسافرين.

من عصر ما قبل الأسرات حتى محمد علي 

وقد نال هذا الطريق اهتمامًا على مر العصور، بداية من عصر ما قبل الأسرات وحتى نهاية عصر أسرة محمد علي باشا، ظهر ذلك في العناية بالطريق وتمهيده وتعبيده والتأمين وتحديد المسافات وحفر الآبار وتجهيز الخانات.

قفط- قنا- عيذاب 

محمد حسن، مسؤول الآثار الإسلامية بقنا، يقول إن الطريق من أهم الطرق البرية في صحراء البحر الأحمر، التي ربطت وادى النيل بساحل البحر الأحمر، عبر مجموعة من شبكات الطرق البرية فى صحراء مصر الشرقية، أهمها طرق “قنا- سفاجا”،  و”قفط- القصير” و”قوص- عيذاب”.

يتابع حسن أن تلك الطرق كانت تمثل المعبر المقدس، الذي يسلكها الحجاج من مصر وبلاد المغرب والأندلس وغرب أفريقيا، ثم يركبون النيل ليصلوا إلى مدينة قفط أو قوص جنوب مصر، ومنها يتخذون الطريق البري إلى مدينة القصير أو إلى عيذاب، والتى كان بها الميناء الذي يستقلة الحجاج لركوب البحر ومنه إلى الحجاز.

ويضيف أن ذلك الطريق أصبح من الطرق الأساسية، ما جعل الحكام يهتمون به أكثر، ويشرفون على تأمين الحجاج، وتنظيم وسائل نقل وتأمين الحجاج.

الطريق إلى بلاد بُنط

بينما يقول محمد الصاوي كبير مفتشي الآثار الإسلامية بقنا، إن تاريخ طريق الحج القديم يرجع إلى عصر ما قبل الأسرات، وهي منطقة اكتشفها المصريون القدماء، وما زالت هناك آثار شاهدة على ذلك عند وادي الحمامات، كما كانت صحراء البحر الأحمر شريانا رئيسيا لربط مصر الفرعونية بأفريقيا، خاصة في عهد الملكة حتشبسوت، التي استغلت هذه المدينة الساحلية التي كانت آنذاك تسمي “ثاجلو” كقاعدة لانطلاق رحلاتها البحرية للسفن المتجهة لبلاد بنط لجلب الأخشاب.

 الدكتور عبدالمنعم عبدالحليم، أستاذ الآثار المصرية بكلية الأداب بجامعة الإسكندريةـ عثر أثناء حفر في حفرياته بوادي جاسوس، الواقع على بعد 60 كيلومتر شمالي القصير، على لوحة أثرية تسجل خروج بعثة مصرية إلى بلاد بنط، وتشمل اسم المواقع الذي اتخذتة البعثة ميناءً للإقلاع، بجانب نقوش في الصخور على طول طريق “قفط- القصير”، الذي يبلغ طولة 180كم، وتبلغ عدد النقوش على جانبي الطريق نحو 2300 نقش أثري.

ميناء تاوو

يضيف الصاوي أن الصحراء الشرقية في العصرين البطلمي والروماني، كانت مصدرًا لجلب الأحجار واستخراج الذهب والمعادن، لغناها بالثروات الطبيعية والكنوز، كما كان ميناء القصير موقعًا مهمًا فى العصر الروماني، وعرف باسم “تــاوو” كما عرف في العصر البطلمي باسم ليكوس ليمن أي الميناء الأبيض، وكان يربطه بقفط وادي الحمامات، وما زالت صخورة تحتفظ بنقوش ترجع إلى العصرين الروماني واليوناني.

يتابع: كما نرى في طريق “سفاجا- قنا” عند الكيلو 40 من مدينة سفاجا موقع ديوكلتيانوس الروماني الشهير، ومحطة الحيطة والمعروفة بحائط قنا الأثري وهي محطة رومانية تقع على بعد 30 كم من مدينة قنا على طريق “سفاجا- قنا”، بالإضافة إلى شبكات الطرق الرومانية، التي تم تخطيطها في عصر الإمبراطورية الرومانية، ومازال متحف Torino بإيطاليا يحتفظ بالخرائط الأصلية لشبكات الطرق الرومانية في صحراء البحر الأحمر.

أول دير
وفي العصر القبطي حمت صحراء البحر الأحمر رهبان المسيحية من الاضطهاد الروماني، ومازال دير الأنبا بولا ودير الأنبا أنطونيوس، والأخير أول دير ينشأ في مصر، وينسب إلى الأنبا أنطونيوس الذي يعتبرة مسيحيو مصر أول الرهبان في العالم وأب جميع الرهبان.
أما في العصر الإسلامي فقد زحفت عدة قبائل عربية إلى الصحراء الشرقية، وانتشرت واستقرت هناك حتى وقتنا هذا، وما زالت المنطقة تحتوي على آثار باقية منها خانات الطرق وآبار المياة وكتابات ونقوش أثرية مسجلة باللغة العربية على أحد الصخور ومؤرخة بعام 755، وهي لأحد الحجاج المارين بالطريق في العصر المملوكي.

أبو الحسن الشاذلي.. مدد

يشير الصاوي إلى أن جميع أولياء الله والعلماء بقنا سلكوا هذا الطريق، حتى أن الإمام أبي الحسن الشاذلي، الذي توفى عام 656هـ، دفن هناك في وادي حميثرى أثناء عودتة من ميناء عيذاب بعد أداء فريضة الحج.

ويستكمل أن جميع الآبار التي حفرت في عهد الدولة الإسلامية اختفت بفعل عوامل التعرية، ولم يبق منها سوى “بئر عنبر” بقفط وأطلال لمحطات الانتظار، كما يتخلل طريق” قفط – القصير” 65 برج مراقبة وحصون ومحطات وقلاع لحماية وتأمين هذة الطرق منذ العصور المصرية القديمة حتى أواخر العصر الإسلامي.

خريطة أثرية

محمد الصاوي تقدم بمقترح إلى لجنة الدائمة بوزارة الاثار لاحياء الطريق، كما حدث مع طريق العائلة المقدسة وتحويله الي مزار سياحي وتسجيل المواقع الأثرية به، خاصة أن أكثرها غير مسجل بوزارة الآثار، ما يجعل تراث صحراء البحر الأحمر فى مهب الرياح ما لم يجرى مسح أثرى لهذة الطرق البرية، لحماية هذه المواقع وهذا الموروث التاريخي الحضاري، خاصة أنه يقع داخل المخطط الاستراتيجى القومي للتنمية المعروف بمشروع التنمية “المثلث الذهبي” سفاجا- القصير- قنا.

أما محمود توني شعبان، باحث في الآثار الإسلامية، مفتش آثار بمنطقة البحر الأحمر، فقدم مقترحًا إلى ووزارة الآثار لتنفيذ مشروع إحياء هذه الطرق البرية القديمة، بغرض حماية تلك المواقع.

توني اقترح وضع خريطة أثرية يوضح عليها جميع المواقع الأثرية المسجلة وغير المسجلة بالبحر الأحمر، وهو ما يخدم الأثار من ناحية ومحافظة البحر الأحمر من ناحية أخرى، وتبدأ الخريطة بالمواقع الكبيرة حتى المباني التاريخية الصغيرة، والأخيرة  الأكثر عرضة للاعتداء، ويتطلب تنفيذ تلك الخريطة مجهودًا كبيرًا ويجب أن تتبناها محافظتي قنا والبحر الأحمر وتنفذه مصلحة الآثار، بعد أن يقدم له الدعم المادي والفني والتقني لتنفيذه.

مما يذكر أن هذا الطريق الاثري أغلق بقرار من وزارة الداخلية منذ 20 عامًا لدواع أمنية، كما أغلقت كل الطرق المؤدية إليه خوفًا من وقوع حوادث إرهابية آنذاك.

الصور مقدمة من محمد الصاوي، كبير مفتشي الآثار الإسلامية والقبطية بقنا

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى