«طب وثقافة وناس»: أسماء وحيوات كثيرة لرجل واحد

في السنة النهائية لكلية الطب، وفي امتحان العملي للجراحة العامة، انهيت فحصي لحالة أورام، وانتظرت، واقفا على يمين المريض الممدد في سريره، في العنبر الطويل المليء بالمرضى، تغطي رائحة التوتر الخفيف على رائحة الديتول الرديء.

أنهى واحد من الأساتذة امتحان زميل في آخر العنبر. ثم اتجه ناحيتي يصفر مرتاحا، ويضرب بورقة مطوية على فخذه، بخطى ثقيلة واثقة، ووجه تعلوه ابتسامة ساخرة. جلس على مقعد صغير إلى جوار السرير، وضع ساقا فوق ساق، وبدأ طرح الأسئلة.

تعلق واحد من هذه الأسئلة بغدة ليمفاوية كبيرة في عنق المريض من الناحية اليسرى. أجبت بأن هذه الغدة بحالتها هذه تسمى: غدة ڤركاو (Virchow)، وهي علامة على سرطان متقدم بالمعدة. طلب مني الممتحن أن أعيد اسم الغدة مرة أخرى. فقلت: ڤركاو، فردد ورائي هازئا: فركاو، هه، هذا يعني أنك لم تكن تحضر المحاضرات، لأنك لو كنت تحضر لقلتها كما ينطقها أستاذك: اسمه فرشوف، هذا هو النطق الصحيح. من أجل هذا ستنقص درجاتك خمس درجات. تركني، وعلى وجهه ابتسامة المنتصر، ومشى يصفر، بنفس الخطى الثقيلة الواثقة.

**

من النادر أن تجد طبيبا لا يتذكر ما جرى معه في الامتحانات الشفوية والعملية، أو على الأقل يتذكر موقفا محددا، مطبوعا في الذاكرة. وفي حالتي هذا ليس من الصواب مجادلة الممتحن والتأكيد أنني سمعتها هكذا من أستاذي في المحاضرة.

بعد سنوات قليلة وأثناء مناقشة علمية ما، ذكر واحد من الزملاء الأكبر عملية جراحية تنسب لاثنين من الجراحين هما مارشال ومارشيتي. فصحح له زميل أكبر منه النطق، قائلا بسخرية أيضا: ماركيتي وليس مارشيتي (Marchitte). فرد عليه الزميل لكن مارشال مارشيتي –على بعضها- لها وقع موسيقي أجمل، فقال لهch في اللاتينية تنطق كاف وليس شين.

تذكرت غدة فركاو أو فرشوف فسألته: هل هي غدة فركاو أم فرشوف. فقال، لا هذه ولا تلك بل: فرشاو!! وأضاف الـch في الألمانية تنطق شين وليس كاف. وعليكم أن تتعلموا النطق الصحيح لأسماء الأجانب: لسنا بحاجة إلى مزيد من الفضائح في المؤتمرات العلمية. بعد أعوام كثيرة وأثناء عملي على ترجمة كتاب “تاريخ الطب” من الفرنسية إلى العربية ظهر اسم Virchow كواحد من مؤسسي الطب الحديث في القرن التاسع عشر فاخترت كتابته بالعربية “فرشاو” كما علمني زميلي الأكبر.

وأثناء عملي على هذا المقال، ورغبة في مزيد من الدقة. أرسلت إلى الصديق العزيز المترجم المصري القدير الأستاذ سمير جريس، المقيم في برلين رسالة قصيرة على الماسينجر أسأله هل هو فركاو أم فرشوف أم فرشاو؟ فجاءني الرد السريع: فرشو. قلت: فرشو! فقال مؤكدا نعم، وأنا أعبر ميدانَ باسمه في برلين كل يوم!

اقرأ أيضا| «طب وثقافة وناس»: الأبطال ليسوا دائما في الواجهة

**

ڤركاو، فرشوڤ، ڤرشاو، فرشو. تحول نطق اسم شخص واحد شهير في وسط الأطباء إلى لعبة. قررت اختبارها مع الأجيال الأحدث من الأطباء، خريجي الألفية الجديدة، ومن جامعات مصرية مختلفة: ما اسم الغدة الليمفاوية التي تتضخم في الرقبة عند الإصابة بسرطان المعدة؟ وكانت الإجابة واحدة: ڤركاو!! من بين “الڤركاويين” ظهر الدكتور أسامة الشاذلي، أستاذ جراحة العظام، والروائي الذي حلم أن يكون مؤرخا، ويجيد الألمانية أيضا.

فبعد أن تعجب من الطرق الثلاثة الأخرى، وراجع لغته الألمانية اعتبر النطق الصحيح للاسم فرشو، كما قال سمير جريس. لكنه لم يتوقف عند هذا الحد، بل أضاف أن صديقه وزميله الألماني شتيڤن، صار ينطق اسمه هو نفسه ستيف، أو ستيفان: فرشو هو النطق الألماني الصحيح، وڤركاو هو النطق الأمريكي المعولم.

جدد الشاذلي حزني على الدرجات الخمس المفقودة، دون حق، في امتحان الجراحة العامة. وقبل أن أعتبر نفسي ضحية للتعالي، أو للجهل المعولم، تذكرت كيف كان معلقو كرة القدامى ينطقون أسماء اللاعبين الأجانب. وكيف كان كل واحد منهم ينتقد الآخرين معتبرا أن نطقه هو النطق الوحيد الصحيح.

لكن من هو ڤركاو/فرشو؟
***

لو كتبت اسمه على جوجل ستخبرك الويكيبيديا في السطر الأول أنه: طبيب، وعالم اناسة، ومؤرخ، وبيولوجي، وكاتب، ورئيس تحرير، وسياسي. مؤسس علم الباثولوجي، ومؤسس ما يعرف بالطب الاجتماعي، وخلع عليه معاصروه لقب: البابا.

أي الأسماء أختار من بين هذه الأسماء الأربعة؟ ولأي من هذه الحيوات الكثيرة سأنحاز؟ عرضت تطور علاقتي بالاسم، ولك أن تختار منها ما يناسبك، أما أنا فسأختار الخطأ الشخصي، ليس من باب الإصرار على الخطأ، وليس اعتراضاً على الدقة اللغوية بالطبع، بل انتماءً للأجيال الجديدة الموشومة بالانتصار الحزين للعولمة: ڤركاو.

لأي حياة سأنحاز؟ هذه أصعب، فهذه الحيوات التي كانت تحدث في وقت واحد من الصعب الفصل بينها، وبشكل شخصي لا أحب الجمع بين الألقاب في شخص واحد، ولا أحب الفصل بينها، كأنني أعيد تقديم ڤركاو للأطباء فقط، ولنفسي أيضا: فعندما كنت طالبا في كلية الطب لم أعرف عنه سوى القليل من منجزه الطبي، ونسيته في الممارسة، ثم تعرفت عليه كمؤسس في الترجمة، وأعيد التعرف عليه الآن حيث يجتمع في شخصه المعنى المقصود من عنوان المقالات: طب وثقافة وناس. الأرجح أنني سأنحاز للسيولة المجازية للقرن التاسع عشر الموطن الرسمي للحداثة وأساطيرها المكرسة، وسأنحاز أكثر للنموذج المثالي لما اقترحه جرامشي عن المثقف العضوي. من الصعب أن نكون محايدين، فغالبا ما نميل إلى تحويل من نحبهم، أو من نكرههم، إلى أساطير تعيش خارج المكان، وخارج الزمان أيضا.

ڤركاو
ڤركاو
***

فعندما نقول إن رودلوف لودڤيچ كارل فركاو سنة ١٨٢١ ولد في شيفلباين التابعة ل”بومراني” البروسية، والتي تتبع بولندا الآن. سنجد أن كثير من الألمان ولدوا في مدن أو قرى كانت ألمانية ثم أصبحت أراض بولندية الآن منهم الشهير جونتر جراس الحاصل على نوبل الآداب سنة ١٩٩٩ وكانت له أيضا حيوات كثيرة ككاتب ونحات وشاعر وسياسي. من المؤكد أنه في سنة ١٨٢١ التي ولد فيها رودلوف ڤركاو، ولد المئات من الفقراء والأغنياء، من الساسة واللصوص، من أبطال الحروب، والأدباء، لكن التاريخ سيحفظ لنا أنه العام الذي مات فيه نابليون بونابرت!!

وهو نفسه العام الذي شهد مولد بودلير مؤسس الحداثة الشعرية في العالم، وفلوبير مؤسس الرواية الواقعية الحديثة أيضا، وديستوفيسكي الروائي الأشهر في العالم حتى تاريخه. كأنها حفلة ميلاد جماعي لنجوم جديدة في سماء عالم يتجدد بالفعل.  كان طفلا وحيدا لوالديه، وعلى عكس الكثير من المشاهير الذين عانوا من صعوبات في التعلم في سنواتهم الأولى، كان رودلوف لامعا طوال سنوات دراسته مع اهتمام خاص بالتاريخ والطب والشعر العربي، ويجيد تسع لغات: من بينها العبرية والعربية. كان أبوه الفلاح، وعلى عادة الكثير من الفقراء في ذلك الوقت، يجهزه ليكون قسيسا، ليس كطريق معتمد إلى الجنة، بل وسيلة من وسائل الصعود الاجتماعي، لكنه وجد أن صوته الضعيف لا يصلح لوعظ الناس في الكنيسة، فاتجه لدراسة الطب، فحصل فيه على البابوية!!

***

في سنة ١٨٤٠ حصل على منحة من المؤسسة العسكرية -تمنح للموهبين من أطفال الفقراء- لدراسة الطب، ولكي يكون جراحا عسكريا في المستقبل. فدرس الطب في أكاديمية فردرش فيلهلم والتي أصبحت جامعة هومبولد في برلين الآن. بعد التخرج مباشرة عمل في مستشفى المبرة، وبعد قليل عمل مساعدا لروبرت فروريب المسئول عن قسم الباثولوجي بالمستشفى، ومنه تعلم كيف يرى عالما أوسع تحت العيون الضيقة للمجهر، ومن خلال فروريب نفسه اطلع على ما يقدمه الإنجليز والفرنسيون في العلوم الطبية الحديثة. في سنة ١٨٤٧ قدم أول ابحاثه العلمية، عن الوصف الباثولوجي الدقيق لمرض اللوكيميا. ويبدو أن أبحاثه لم تلق ما يناسبها من قبول عند المشرفين على المجلات الطبية، فأسس مجلة: أرشيف الباثولوجيا والفسيولوجيا والطب الإكلينيكي، والتي مازالت تصدر إلى اليوم باسم: فركاو أرشيف.

على خلاف زملائه كان يولي أهمية كبري للطب السريري، والوصف الميكروسكوبي للأمراض، والتجريب في الحيوانات، كعناصر لا يمكن فصلها عن بعضها البعض من أجل الوصول إلى حقيقة الأمراض وأسبابها. من معمل الباثولوجيا طور مفهوم الخلية الإنجليزي، وأكد أن كل خلية تولد من خلية أخرى، وأن المرض ينشأ من خلية واحدة تنقسم إلى خلايا أخرى مريضة، وهكذا. كان الطب يسير من الكون الكبير إلى الكون الصغير، إلى الكون الأصغر. كان هذا يعني أنه طبيب عصري تماما: فقديما كان المرض يصيب الجسم كله، ومع تطور التشريح أصبح المرض يصيب عضوا واحدا من أعضاء الجسم، ومع المجهر في القرن التاسع عشر اكتشف الفرنسي بيشا الأنسجة، وقسمها إلى ٢١ نوعا، وبعد سنوات قليلة جاء فركاو بالخلية باعتبارها الوحدة الأساسية التي تبدأ منها الحياة والمرض أيضا.

***

في سنة ١٨٤٧اختارته الحكومة الألمانية مع آخرين للإشراف على حملة كبرى لمكافحة وباء التيفوس في مقاطعة سيلسيا العليا، فشلت الحملة التي استمرت عامين تقريبا، لكن من هذه الحملة الفاشلة نفسها توصل فركاو إلى مفهومه الخاص عن الطب الاجتماعي، والعلاقة القوية بين الفقر والسياسة والمرض: الطب علم اجتماعي، والسياسة ليست سوى الطب على نطاق واسع. الطب – كعلم اجتماعي- هو علم الوجود الإنساني، ويجب عليه أن يجد المشكلات وأن يبتكر الحلول النظرية لهذه المشكلات وعلى الساسة أن يحولوا هذه الحلول النظرية إلى واقع.

والحل ليس في منح الفقراء بعض النقود أو تحسين شروط حياتهم، بل حلها جذريا بالعمل ضد التفاوت الطبقي، بإرساء ديموقراطية كاملة وغير مشروطة، بالتعليم والحرية من أجل الرفاهة. العلم في حد ذاته لا يعني شيئا إذا لم يعمل من أجل الناس الذين يستحقون حياة أفضل. المعرفة التي لا يتبعها فعل ليست أصيلة، وإذا كان على الطب أن يحقق أهدافه فعليه أن ينخرط في العمل السياسي والاجتماعي، فالطبيب هو المدافع الطبيعي عن الفقراء.

في الحقيقة لا أجد في نفسي القدرة على فصل هذا الخطاب عن التأثير العميق لألماني آخر، وليس من قبيل المصادفة أنه كان طبيباً وفيلسوفا وكاتبا مسرحيا وسياسيا مؤسسا لأول حزب اشتراكي في العالم الحديث: جورج بوشنر، الشاب الذي توفي سنة ١٨٣٧ وكان فقط في الثالثة والعشرين من عمره.

ولن تكون مصادفة أيضا أنه بعد عودته من الحملة الفاشلة إلى برلين بعشرة أيام اندلعت احتجاجات عنيفة، ثورة١٨٤٨ ضد الحكومة، فانضم إلى الثورة وأصدر جريدة اسبوعية: الإصلاح الطبي، وكان شعارها المكتوب في صفحتها الأولى: الطب علم اجتماعي، والطبيب هو المدافع الطبيعي عن الفقراء. تراجعت الاحتجاجات، فطرد فركاو من وظيفته، واضطر الى مغادرة برلين، وعمل بالتدريس لبعض الوقت في فيرتسبورج، قبل ان يتم استدعاءه إلى برلين مرة أخرى حيث قضى الجزء الأكبر من حياته، فانخرط في الحياة السياسية البروسية مرة أخرى، وعارض بعلمانيته ونزعته القومية مواقف بسمارك، موحد ومؤسس ألمانيا الحديثة، تحديدا فيما يخص سياسته الاقتصادية وانفاقه العسكري المفرط.

***

لم يكن ڤركاو مؤثرا في محيطه الألماني فقط، بل امتد تأثيره إلى خارج ألمانيا، فمن بين تلاميذه وليم ولش ووليم أوسلر مؤسسي المستشفى الأكثر شهرة في العالم اليوم: جون هوبكنز. أما رؤيته للطب كعلم اجتماعي فكانت أكثر تأثيرا في أمريكا اللاتينية. فقد انتقل واحد من تلاميذه ومن أتباع مذهبه في الطب الاجتماعي (ماكس ويستنهوڤر) إلى العمل بجامعة شيلي. من بين تلاميذ ويستنهوڤر سلفادور الليندي، الطبيب والفاعل الاجتماعي على طريقة فركاو، والرئيس المنتخب التاسع والعشرين لجمهورية شيلي، قبل أن تنقلب عليه الرأسمالية العالمية، وتغتاله المخابرات الأمريكية.

لم يتوقف فركاو عن العمل من أجل تحويل أفكاره إلى واقع، وأصبح رئيسا للحزب التقدمي. وانتخب عضوا في مجلس بلدية برلين سنة١٨٥٩ ثم عضوا في مجلس بروسيا ١٨٦٢، ثم عضوا في الريخستاج من سنة ١٨٨٠ حتى ١٨٩٣. وظل من أشد معارضي بسمارك، ويشاع أن الخلاف السياسي بينهما وصل إلى حد الدعوة لمبارزة على طريقة فرسان العصور الوسطى. ويقال إن بسمارك طلب منه تحديد نوع السلاح، فاختار ڤركاو عامودين من السجق أحدهما سليم والآخر مصاب بعدوى بكتيرية، فرفض بسمارك المبارزة، معتبرا أن السجق المصاب مميت أكثر من حد السيف.

مستشفى فركاو لأمراض القلب في برلين
مستشفى فركاو لأمراض القلب في برلين
***

خلال هذه السنوات الطويلة من العمل السياسي المباشر، لم يتوقف فركاو عن تطوير أفكاره وإبداعاته في مجال الطب والباثولوجيا على وجه التحديد، ولا في تحرير مجلة الباثولوجيا الدورية. بل أضاف كابن مخلص للقرن التاسع عشر الأنثروبولوجيا إلى دائرة اهتماماته.  لم يكن مجرد اهتمام نظري، بل بحث وتنقيب عملي في أماكن مختلفة ليس في ألمانيا فقط، بل وفي آسيا الصغرى، والقوقاز، ومصر، والنوبة. وشارك في تأسيس الجمعية الألمانية للأنثروبولوجيا والاثنولوجيا وما قبل التاريخ سنة ١٨٦٩. وانتخب ١٥ مرة رئيسا لهذه الجمعية التي مثلت القاطرة الأساسية للدراسات الأركيولوجية الألمانية. في هذه الأثناء أيضا عمل مساعدا لهنريش لشليمان أثناء قيامه بالتنقيب عن طروادة هوميروس القديمة (١٨٧٩). وأسس مجلة للأنثروبولوجيا وظل رئيسا لتحريرها حتى وفاته، وشارك بفاعلية في تأسيس متحف برلين الشهير، ويقال إنه أقنع شليمان بالتنازل عما وجده في طروادة للمتحف.

***

هذه العوالم الواسعة والحيوات الكثيرة التي عاشها رجل واحد لا تعني أنه كان خاليا من العيوب أو على الأقل من بعض النقاط العمياء. فهذا الرجل المؤسس في مجالات كثيرة، والذي يعرفه الأطباء أكثر من غيرهم باعتباره مؤسس الباثولوجيا، والذي وصف العديد من السرطانات بدقة، ومازالت تعرف باسمه إلى اليوم. تحولت أفكاره الشخصية الصحيحة عن الطب الاجتماعي والدور الذي يلعبه الفقر والجهل والتفاوت الطبقي في حدوث الأمراض إلى دوجما جعلته يقلل من قيمة العدوى (النظرية الصاعدة بقوة في القرن التاسع عشر). الرجل الذي يؤمن بالخلية كأصل، والذي آمن بالميكروسكوب كوسيلة لرؤية عالم أصغر وأوسع، لم يقتنع بعالم الميكروبات المجهرية. فمن الذي كان على حق ڤركاو أم لويس باستور؟

ومن جانب آخر، هذا الرجل الذي مازالت المحاضرة الشرفية السنوية لجمعية الآثار الألمانية تعرف باسمه. الرجل التقدمي بلغة عصره، المنفتح على العالم القديم والجديد. الرجل الذي توصل بأبحاثه في الجنس البشري، إلى نفي النقاء العرقي، وهو الأساس الذي يقوض تفوق الجنس الآري، الذي ينتمي هو شخصيا إليه، على باقي الأجناس، ويقوض في الوقت نفسه فكرة “الجنس السامي” أحد الأضلاع المهمة في كل فكر ورؤية عنصرية.

هذا الرجل الذي فحص حفريات الناينتردال الأولى بيديه وتحت مجهره، ونفى أن يكون أحد أسلاف الإنسان الحديث، بل مجرد إنسان مشوه، مفلطح الرأس ومصاب بالكساح!! هذا الرجل كان ضد دارون، وضد الداروينية خاصة في شقها الاجتماعي. بل ومن موقعه السياسي رفض تدريس نظرية التطور في المدارس الألمانية.   لم يكن على هذا الرجل المخلص لموسوعية القرن التاسع عشر أن يغادر بالجسد زمنه المذهل، ففي أحد الأيام قفز من عربة ترام متحرك، فكسرت ساقه، وظل طريح الفراش لشهور حتى وافته المنية سنة ١٩٠٢، أو في مطلع القرن العشرين.

اقرأ أيضا|

«طب وثقافة وناس»: شعراء كرة القدم.. شعراء غرفة العمليات

 

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى