“صُنع في كوم الضبع”.. “الفركة” من نقادة إلى عواصم أفريقيا

“كوم الضبع” واحدة من قرى مركز نقادة، الواقع غربي محافظة قنا، تشتهر بصناعة “الفركة”، وهي صناعة يدوية من التراث، ورغم تعدد الحرف اليدوية في نقادة بشكل عام، كالفخار والحصر والأسرّة المصنعة من جريد النخيل، لكنها وقراها ارتبطا بحرفة الفركة زمنا طويلًا.

والفِركة “بكسر الفاء” عبارة عن منسوجات مصنعة من الخيوط القطنية، تمر صناعتها بمراحل عديدة، تبدأ بصباغة الخيوط بألوان زاهية وجمعها على دواليب يدوية صغيرة، وصفها على النول اليدوي ويعدها النجارون في القرية بطريقة حرفية بديعة.

وتجلس الفتيات صانعات الفركة في البيت اليدوي، بقرية كوم الضبع، أمام النول “الفرعوني الأصل”، ويمددن أقدامهن أسفل حفرة النول، لتحريك الجزء السفلي من النول، في الوقت ذاته يستخدمن أيديهن في شد المضرب وضم الخيوط لبعضها.

ويطلق على حجرة النول في نقادة اسم “النوالة”، وهي حجرة مستقلة داخل أحد أركان البيت، ويعمل فيها شباب وفتيان النوالة لدى صاحب النول الذي يجمع الملايات المصنعة،  ليبيعها من خلال وسيط تجاري.

ويضرب “المكوك” يمن ويسار طرفي النول، ذهاباًت و إيابا، لذا قيل في الأمثال القديمة “زي المكوك رايح جاي”، وعندما تنتهي الفتيات من تصنيع “الملاية” أو الفركة، أو النول يقطعها ويبدأ في تصنيع غيرها، وتوضع جميع المنتجات في “البيت اليدوي” المشروع الذي يحاول الحفاظ على حياة النول والفركة في نقادة.

الفِركة؛ كمنتج نهائي هي عبارة عن نسيج يدوي من أجود أنواع الخيوط الحريرية والقطنية، و تصنع على شكل شيلان وأثواب من القماش، وتُصدر خارج مصر.

كما تعد الفِركة والنول مصدر دخل و اقتصاد خاص بقرى نقادة، ورثّها الأجداد والأبناء لأبنائهم، ومن هنا اشتهرت نقادة في العواصم الأفريقية، بفضل الفركة.

أما في الوقت الحالي، مع التقدم و الازدهار تناقص عدد المهتمين بالحرف اليدوية، إلا إذا قصدنا تحديدا “كوم الضبع” أحد قرى نقادة حيث يقبع ما يعرف بـ”البيت اليدوي” وهو مكان اختصته جمعية التنمية المحلية، ليكون مكان مشيدًا لإحياء ما تبقى من ميراث أجدادهم.

وبالعودة إلى تاريخ النول، نجد أنه في الأصل يرجع إلى عصر المصريين القدماء، عندما لم يكن هنالك ماكينات ولا كهرباء، وكان العمل اليدوي المتقن في الصدارة.

عصر ازدهار الفركة كان في الوقت الذي لم تزل فيه النساء ترتدين الملاية النقادية الشهيرة، والتي بلغت شهرتها العواصم الإفريقية، كالخرطوم ونيروبي وأديس أبابا وغيرها.

كانت نساء تلك العواصم يتهافتن عليها، لاعتقادهن أن هذه الملايات تجلب الحظ والبركة، وتضفي عليهن قدرًا كبيرًا من الوقار والحشمة، كان ذلك خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إذ كانت تدر صناعة الفركة ما يعادل أربعة ملايين دولار على نقادة وقراها، التي احتكرت المنتج بعد خروج أخميم بسوهاج عن المنافسة، واحتكارها السجاد هي الأخرى.

حرفة النول ليست مقتصرة على السيدات والفتيات فقط، بل إن يعمل فيها كل من يهوي ويعشق الخيوط ونسيجها من رجال وشباب.

لكن حلم فتيات البيت اليدوي هو أن يحصلوا على ماركة مسجلة خاصة بهم و هي “صنع في كوم الضبع” وألا يكون بينهم و بين السوق التجاري وسيط يمتص دمائهن ومجهودهن.

https://www.youtube.com/watch?v=Fr9D2uMwj3A

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى