حكاوي

«صبّى الجبنة يا بنية».. المشروب السحري لقبائل الجنوب الشرقي لمصر

الجبنة، بفتح الجيم والباء والنون، اسم مشروب القهوة، والآنية التي تعد فيها عند قبائل البجا التي يعيش جزء كبير منها في الجنوب الشرقي لمصر، وبعض قبائل الجنوب المصري، وينتشر الاسم أيضا في شرق السودان، وللجبنة شأن عظيم عند قبائل المنطقة، فتأمل طقوس إعدادها وأغانيها، ومكوناتها، وجلساتها يشير إلى عدد من الدلالات التي تتعلق بمنظومة القيم والعادات والتقاليد عند البجا، لعل أولها: دلالة الكرم، إذ أنها تقدم للضيوف بوصفها عنوانا لحسن الاستقبال والكرم، كما أنها المشروب الرئيسي في كل المناسبات الاجتماعية بلا استثناء؛ حيث يعدونها ويحتسونها في الميلاد “السماية”، وفي احتفالات الزواج، وفي المآتم، وفي المراعى، وفي الارتحال من مكان لمكان عبر الصحراء، فالرعاة يحملون الجبنة والبن الأخضر في كل ارتحالاتهم.

رمز الكرم

كما لا يستغنى عنها تلاميذ المدارس للدرجة التي يعدونها في أفنية المدارس، كما تقوم الجبنة، بدور الأنس والتسلية أثناء سرد الحكايات، وقول الشعر، وفي المجالس العرفية التي تعقدها قبائل البجا، وهي عندهم من المشروبات التي تزيل التعب وتجلى الهم، خاصة عند المرتحلين، كما أنها مصدر من مصادر الشعر، حيث أبدع الشعراء الشعبيون في وصفها وغنوا لها نصوصا لا تخلو من إشارات عميقة للأنثى وجمالها، وكما تعد في فضاء الحياة اليومية، في المراعى والأسواق، وبيوت البرش (المسكن التقليدي لقبائل المنطقة)؛ فإنها تعد في مقاهي عبارة عن أكشاك من الخشب والصفيح تسمى مقاهي الجبنة، حيث يلتقي فيها التجار ليحتسونها، ويستريحون من عناء العمل أو من الرحلات الطويلة أو بعد العودة من المرعى، وتعتبر مفتاحا من مفاتيح الكلام، فحين يعم الصمت – خاصة في جلسات الصلح – يتم توزيع الفناجين التي تبعث رائحتها على النشوة، ويبدأ الحديث، وتتشابك الحوارات.

كما أنها تمثل مفتاحا للثقة والأمان بين الضيف والمستضيف فتنفك الألسن، وتنفرج الجلسات، وتكون رباط ود وتعارف في كثير من الأحيان؛ فضلا عن أنها تقوم بدور اجتماعي مهم، ويتم تجهيز مشروب الجبنة من خلال تحميص البن الأخضر في أداة يقال لها “القلاى”، وحين تحمص ويصبح لونها بنيا غامقا، بعدها تصحن في إناء الهون الخشبي، ويقال له عندهم “الفنتوك”، وتخلط بالجنزبيل والقرنفل والحبهان، وتعد في إناء فخاري يسمى الجبنة أيضا، وهذا الإناء له بيت من الخوص يوضع فيه، يطلقون عليه “بيت الجبنة”، وتترك ليتم تسويتها على موقد تقليدي، وقوده الخشب أو الفحم، وتصفى عبر قطعة من الليف توضع على فوهة الجبنة، وتصب القهوة في فناجين صغيرة، وتحلى بالسكر حسب رغبة كل واحد، وليس غريبا أن يشرب البجاوي عددا كبيرا من الفناجين يوميا؛ قد يزيد على ثلاثين فنجانا، ومن عاداتهم في شربها ألا يترك من يقدم له الجبنة؛ أي بواقي لأن تركها يعد مهانة للمضيف، وعلى الضيف أن يقوم بهز الفنجان في إشارة على عدم الرغبة في المزيد من الفناجين، ويعتقد معظم أبناء البجا في الأرقام الفردية عند شرابها؛ فيشربون ثلاثة أو خمسة أو سبعة فناجين، كما يعد عدم تقديمها لأحد الضيوف عدم تقدير له، أو إشارة اعتراض على وجوده في المكان.

إحدى جلسات السمر لدى قبائل البجا
إحدى جلسات السمر لدى قبائل البجا

ولهذا المشروب السحري أعراف وآداب عند شربها، فمن يحضر في مجلس الجبنة؛ فإنه يقوم بشرب الفنجان الأول كبداية للاستقبال والإكرام، كما أنه بداية الكيف، أما الفنجان الثاني؛ فهو فنجان اللذة والراحة، بينما يكون الثالث لاستمرار المتعة بالشراب والاستغراق في الحديث والثالث للاستمتاع، وهكذا تدور على الجلوس حتى فنجان الوداع، وقد تعد في الأودية وهم يعزفون على آلة البسنكوب- آلة وترية تشبه آلة السمسمية- في طقس سحري، تردد فيه الأشعار الشعبية في وصفها، وحسن طعمها ومجالسها، ويقوم البعض بزخرفة الآنية الفخارية ببعض الوحدات الزخرفية، كما يمعنون في اختيار الخيوط الملونة الزاهية لكسوة بيت الجبنة، الذي توضع فيه، وقد بدأت الآنية الفخارية في الانحسار لتحل مكانها الجبنة المصنوعة من الألمونيوم.

سوّى الجبنة يا بنيه في ضل الضحاوية(1)
سوى الجبنة يا بنيه لإخواني الفنجرية(2)
كهارب أوضة البوسطة الخديوية(3)
خدودها يضوّن (4) الدوّار منعشيه

قبائل البجا

وكان للجبنة عندهم “حامل فناجين”، يصنعونه من الخشب، ويزخرفونه بالحفر عليه، كما صنعوا لها معيار من الخشب يسمونه “شرقرق”، فالجبنة؛ إذن مكون رئيسي في ثقافة البجا، لذا فكانت عنصرا شديد الخصوصية في عاداتهم وتقاليدهم، إضافة إلى معتقداتهم؛ حيث يعتقدون كما تقول د.نادية بدوى، إن القهوة لها روح لابد من استرضائها حتى لا تغضب وتؤذى الناس، لذا يقام لها حفل زار، يبدأ بتجمع كل السيدات في حوش المنزل، وتبدأ بعضهن ممن سمح لهن الشيخ بإعداد الجبنة؛ حيث يعطى الشيخ الإشارة ببدء الاحتفال، فيحمل الجبنة بيده ووراءه سبع نساء، تحمل كل واحدة منهن جبنة، بينما تمشى خلفهن سبع نساء أخريات يحملن الصواني والفناجين، وأمام صنم الزار؛ عبارة عن صندوق من الخشب، مطعم بالخرز، والودع، “يلقي الشيخ ببعض القهوة على الأرض، ويتمتم ببعض الكلمات، ثم يعود لحوش المسكن وخلفه النساء، ويبدأ في صب القهوة، وتقدم لكل المدعوين، بشرط أن يمسك الفنجان بكفوف اليدين معا، وبعد الانتهاء يتم وضع الفنجان في الصينية مع النقوط؛ عبارة عن بعض المال، وبعد الانتهاء تماما من شرب القهوة، يقف الشيخ أمام الصنم مرة ثانية، وكأنه يستأذن في اختتام الحفل والانصراف، لتعود حفل زار الجبنة من جديد كل يوم أربعاء من الأسبوع”.

سـوّى الجبنة يا بنيـه
في ضـل الضحاويـة
فنجـان جبنه بشماله
يسـوى الدنيا بحالـه
فنجـان جبنه بشماله
يسـوى الدنيا بمالـه
الـ ما عنده مال زجَّه(5)
ياخـد في البحر بَجَّه(6)
سـوى الجبنة يا بنيه
سيدك يرضى ما يـــرضى
الليمـون على شكلين
واحد غالى وواحد زين
الليمـون أبــــوقرشيـــن
واحد غالى وواحد رزين
الصنـدل(7)ســرير بيته
الشيكــــات وسـاداتـــه(8)

يفصح النص عن عدد من العادات والتقاليد الأثيرة لدى قبائل المنطقة بداية من تسوية الجبنة بيد المرأة، الأمر الذي يشير إلى العاطفة المشبوبة للبدوي، وتقديره ومحبته للمرأة، ويختار توقيت “صبها” في وقت الضحى؛ حيث الظل وراحة الجسد والبال، وها هو يثمن المرأة من خلال صبها لفنجان جبنة بيمناها، ثم بيسراها، ومن حالة التثمين، لحالة الوصف الجسدي، حين ينتخب الليمون رمزا للأثداء دون إفصاح، ويذكرنا استخدام مفردة الليمون بوصفها رمزا للأثداء بأحد مربعات فن الواو الشهيرة “تلت بنات كلموني.. عزولي راح قال لأبوهم.. لهم نهود كاللموني.. يا بخت من قلبوهم”، كما يقوم بعملية الفرز، ولا يذكر إلا درجات الجميل “الغالي” و”الزين”، ليصف لنا سرير المحبوبة الذي يفج برائحة الصندل؛ تلك الرائحة الطيبة، كما يصف الوسادات التي تنام عليها محبوبته، ومن صبت الجبنة بأنها محشوة بالشيكات، والشاعر هنا يرمز لتقديره للمرأة، والتقدير إذا كان قد جاء في صورة “شيكات”، إلا أنه يعنى التقدير الخالص، بداية من أولى خطوات “صب الجبنة”.

سوّى الجبنة يا بنيه
في ضل الضحَاوية
سوى الجبنة وأسقيني
فات(9)فنجال بيَكْفيني
ما يغُشك عمى عيني(10)
قلبي بيعرف الزيني

هكذا يستكمل الجلوس في”الونسة” غناءهم؛ فيكمل كل واحد سطرا يدل على محبوبته، وكلما تحمس الجمع حول الجبنة، وأخذ البسنكوب في مواصلة العزف، فإن القول الشعري يتكاثر، وكأن الجبنة فاتحة للبوح بالحب، في احتفالية للمؤانسة والغناء والحب، ووصف الحبيبات، والتغزل في جمالهن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- وقت الضحى.

2- جمع فنجري، والفنجري في العامية أي الشخص غير البخيل الذي لا يحرم نفسه، ولا من يصادقهم من شيء.

3- نسبة إلى الخديوي.

4- من الضوء، أي يضيئن.

5- مال كثير.

6- أي إذا لم يكن معه مال فليشرب من البحر.

7- شجر له رائحة طيبة، ويصنع من أخشابها بعض الأثاث.

8- أي أن وسادات سريره محشوة بالمال.

9- فات: في لغتهم، يعنى فنجان واحد.

10- يعنى لا عليك بعيني التي لا ترى، فقلبي يدرك ويعرف معنى جمالك.

اقرأ أيضا

بنك المأثورات الشعبية: مشروع قومي لجمع وتصنيف الثقافة الشعبية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى