«صالون هليوبوليس 42»: تجربة إزميرالدا الواقعية لدمج الفن التشكيلي بالمجتمع

للعام الثاني والأربعين على التوالي، يعقد صالون هليوبوليس في نادي هليوبويس بحي مصر الجديدة. يقدم عشرات الأعمال الفنية في مكان واحد، لكن خارج الأماكن المألوفة لعرضها إذ ترى الفنانة التشكيلية إزميرالدا حداد، منظمة المعرض والمسؤول التنفيذي، أن تقريب الفن للجمهور في الأماكن التي يرتادها يوميا واجب ومسؤولية وطنية واظبت على تنفيذها منذ عام 1978 حتى الآن.

الفن كل يوم

وقع الاختيار على نادي هليوبوليس بمصر الجديدة ذو المساحة الشاسعة، لإقامة صالون فني، ورغم عدم رواج الفكرة في مصر إلا أن إزميرالدا أصرت على تنفيذها. تقول لـ«باب مصر»: “يرتاد النادي آلاف المشتركين باختلاف فئاتهم العمرية واهتماماتهم، لهذا اخترت المكان لإقامة معرض يضم حوالي 50 فنانا لعرض 100 عمل فني. شرط أن يضم المعرض تشكيلة كبيرة من الفنون التشكيلية المعاصرة لفنانين شباب واعدين وأصحاب التاريخ الطويل”.

تخرجت حداد في كلية الفنون الجميلة بالعاصمة الفرنسية باريس عام 1978، وبعد عودتها للقاهرة شعرت بضرورة نقل الخبرات والمساهمة في نشر الفن في المجتمع المصري. كانت البداية من مجتمعها في حي مصر الجديدة حيث تعيش، انطلاقا من مبدأ ضرورة تقريب المسافة بين الفنان والمتلقي. وعلى حد وصفها لـ«باب مصر» فإن المسافة بينهما عادة ما تكون بعيدة.

ضم المعرض أحيانا مشاركات لفنانين أجانب وترى أن هذا الاختلاط يساهم في اتساع الرؤية الفنية والأفق في المجتمع. ومن هذا المنطلق شهد المعرض في السنوات الأولى لإقامته بدءا من عام 1978، مشاركات عدد من الفنانين ذوي التاريخ العريق والأسلوب المتميز ومن بينهم بيكار، عباس شهدي، صلاح عبدالكريم، كنعان، يوسف رمسيس وحامد ندا.

الشباب وتغيير السلوك

يقدم الصالون فنونا متنوعة بين التصوير والنحت والخوف والموزاييك والحفر يجد الجمهور كل ما يرغب من فنون تشكيلية في مكان واحدا. وتضيف: “نحرص دائما على دعم الشباب للاشتراك سنويا، خاصة أنه بمرور السنوات أصبح حدث فني ينتظره الكثير، فالأطفال الذين ارتادوا المعرض قبل ما يزيد عن 40 عاما ساهم في تشكيل وجدانهم وأصبحوا الفنانين العارضين اليوم.

تكمن أهمية الصالون في نشر الثقافات الفنية بين كل أطياف المجتمع والتي تتوفر في النادي مثل الأطفال والشباب وكبار السن. إذ يساهم نشر الفن في هذا الوقت على إبعاد الشباب عن إتباع سياسات ضارة. وتقول :”لم نر فنان إرهابي أو متطرف أو ذو سلوك منحرف”.

نجح صالون هليوبوليس في الخروج عن الدائرة التقليدية لعرض الأعمال الفنية، والتي عادة ما ترتبط بارتياد مكان ثقافي. ولكن في تجربة نجحت في عرض الأعمال الفنية خارج المعارض التشكيلية المخصصة. وتفسر السبب: “الجمهور العادي غير المتخصص يشعر بالخوف والرهبة لارتياد المعارض الفنية، أو المتاحف، ولكن حين نجلب هذه الفنون لمنزله أو النادي المعتاد زيارته يتعرف عليها مع كسر رهبة زيارة المعارض”.

التجربة الفريدة التي تقدمها تجعل الجمهور العام متذوق الفن وذو معرفة بالفنون وطرق التنفيذ والتكوين. فالمعلومة التي يمتلكها الجمهور حاليا تصبح لاحقا سبب في اقتناءه العمل نفسه. ومن هنا تولد علاقة قوية لاستمرارية الفن التشكيلي، على حد وصفها. إذ تؤمن بمقولة “بتاح حتب” المفكر والمهندس المصري القديم: “في الفن لا توجد حدود والكمال لله”.

الفنان لا يموت

“هل اسم الفنان وتاريخه عاملا للإقبال على زيارة الصالون؟”، تجيب التشكيلية المصرية أن أسماء الفنانين مهما كانت كبيرة قد تكون غير معروفة للجمهور. كذلك هناك فنانين معروفين ويكون المتلقي على دراية بأعمالهم وتاريخهم. وتقول: “الأسماء ليست مؤثرة بقدر الحدث، وفي حالة الصالون فهو ضخم لعرض عدد كبير من الأعمال لعدد من الفنانين”.

يحتفل الصالون في دورته الحالية بمرور 42 عاما استمرارية دون توقف. وتضيف: “لا يوجد مكان تشكيلي مستمر بهذا الإصرار في مصر، وحتى مع توقفنا في 2021 بسبب تداعيات كورونا قررنا إقامته في 2022 بين فترتي الوضع المستقر”. ويلتزم الصالون بتنفيذ عادة مستمرة وهي تكريم فنان كبير في كل دورة سواء حي أو متوفي. وفي افتتاح الصالون الـ42 تم تكريم الفنان الكبير الراحل مكرم حنين بالتزامن مع مرور 40 يوما على رحيله.

وتابعت: “حنين رسام كبير وناقد فني عظيم، وأعماله تتسم بالمصرية الشديدة مع المعاصرة وهو أستاذ قدير نتعلم منه. تطوعت أسرته بتقديم عدد من أعماله الموجودة في المنزل لعمل جناح مخصص له مع تكريمه وتكريم أسرته في الافتتاح”. خاصة أنه شهد عام 2022 على مدار الأشهر الأربعة الماضية خسارة كبيرة في الوسط التشكيلي، برحيل عدد من الفنانين التشكيليين الذين سيشكل غيابهم تأثيرا على الصالون والساحة الفنية ككل.

“الفنان لا يموت، يترك بصمته ويظل حيا في لوحاته للأبد” كان هذا رأى حداد. وترى أن كل الفنانين سيظلوا موجودون في أعمالهم التي تعرض في الصالون. فالفنان حين يرسم يبعث رسالة من كل لوحة وكأنه حي يتحدث من أعماله، وحتى الآن أعمال حنين متحفية يتعلم منها الجميع باختلاف مكانته الفنية.

فنون مصر بين 1978 و2022

عقدت إزميرالدا مقارنة للصالون بين الماضي قبل 42 عاما والحاضر. إذ شهد الفن التشكيلي تطور في الأسلوب. وفي البداية جسدت الأعمال فكرة الكلاسيكية، أما الآن تعتمد على المعاصرة والحداثة. وتستكمل: “قديما لم يكن متاح الإمكانيات التكنولوجية المتوفرة حاليا، فهذه الأساليب من استخدام البرامج الحديثة أثرت الساحة الفنية بأعمال ذات أفكار وتنفيذ مبتكر خارج عن المألوف”.

وترى أن ضم هذه الأعمال الحديثة ولوحات “الديجيتال آرت” للصالون يزيده قوة. وتقول: “الصالون يرحب بكل مبدع وكل من يمتلك فكرة جديدة خاصة الشباب، وبالنسبة لي استقصائهم وجهة نظر محدودة”، ويقدم المعرض عملين ديجتال آرت، مع عدد من الأعمال المتنوعة من بينها الرسم، التصوير، والديجتال، النحت والتصوير والحفر.

وروت حداد موقفا شخصيا مرت به خلال دراستها في باريس، على استقبال المعاصرة في الأعمال الفنية، “حين سافرت إلى باريس بأعمالي كانت متواضعة مقارنة بالكثير من هم أقوى مني فنيا، وفوجئت أنني نجحت رغم توقعاتي بأن عملي لن يبهرهم. ولكني قدمت لوحة جسدت في الطبيعة الأوروبية دافئة كمصر، فقالوا لي لقد سطعتي بشمسك على طبيعتنا فلونتيها، كريح ساخنة من الصحراء قدمتي لنا دفء البلد والبيئة حتى و بطريقة غير مقصودة”.

اقرأ أيضا

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة: حلم البطالمة الذي ابتلعته أرض مصر دون أثر

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى