دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

ثلاثية «الترميم، الإدارة، والمجتمع».. خارطة طريق للحفاظ على تراث مصر الجديدة

«صالون هليوبوليس يفتح حواراً حول دور الثقافة في إعادة إحياء المدن التراثية

في إطار انطلاق موسم 2026–2027 لصالون هليوبوليس ولقاءاته الشهرية، أقيمت ندوة بعنوان «الثقافة في حماية المناطق التراثية: نظرة خاصة لمصر الجديدة» ، تحدثت فيها الدكتورة مونيكا حنا، عميدة كلية الآداب والعلوم بالجامعة الأمريكية في بغداد، والدكتور شكري أسمر، رئيس مجلس أمناء مؤسسة تراث مصر الجديدة، والدكتور أحمد الشابوري، الرئيس التنفيذي لشركة «تراثنا» .

المناطق التراثية خارج مصر

قبل الانتقال للحديث عن مصر الجديدة، طرح الدكتور شكري أسمر سؤالًا على الدكتورة مونيكا حنا حول خبراتها. وما يحدث في المناطق التراثية العالمية، وكيف يمكن حماية الثقافة فيها. إضافة إلى دور الثقافة في الحفاظ على تلك المناطق.

بدأت الدكتورة مونيكا حنا حديثها بالإشارة إلى “اليونسكو” واتفاقية التراث العالمي لعام 1972. موضحة أن الاتفاقية كانت تفصل بين التراث المادي والمعنوي، وهو ما تسبب في إشكالية كبيرة، لأنهما لا ينفصلان. وأضافت أنه مع مرور الوقت تم استيعاب هذا الخلل، وبدأت “اليونسكو” في تطوير المفهوم نحو ما يُعرف بـ”المشهد الثقافي”، الذي يجمع بين التراث المادي والمعنوي في إطار واحد. مع التأكيد على أنه لا يمكن فصل المبنى عن حكاياته.

اقرأ أيضا: «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

أستراليا وإيطاليا نموذجًا

قدمت مونيكا مثالًا على أستراليا، حيث تعد بعض المواقع الأثرية ذات أهمية كبيرة لدى السكان الأصليين. لكن مع تحولها إلى مقصد سياحي، ظهر انزعاج واضح نظرًا لقدسية المكان بالنسبة لهم. ما يعكس الفجوة بين النظرة السياحية والمعنى الثقافي للموقع. كما أشارت إلى أن التراث لا يقتصر على المباني فقط، بل يشمل كذلك الحكايات المرتبطة بها.

وأوضحت ذلك بقولها: “أتذكر في فترة الطفولة كنا نردد أن قصر البارون تسكنه العفاريت. ومع ذلك كنا ندخله ليلا ونحكي حوله القصص ونصوره، وهذا يعد جزءًا معنويًا من التراث”. وأضافت أن البعض كان يروي حكايات عن التجمع مع الجاليات وشرب الشاي معهم في الحدائق.

وعلى المستوى العالمي، أشارت إلى تجربة في إيطاليا. حيث كان أحد قصور العائلة المالكة قد تحول إلى سكنات عسكرية حتى السبعينيات. ثم انهار تماما ولم تعد النباتات تنمو فيه. ومع الوقت، اقترح أهالي القرى المجاورة الحفاظ على القصر بدلا من هدمه. وبدأوا بترميم المطعم الخاص به، ومن عوائده شرعوا في إصلاح القصر تدريجيا. وعندما رأت السلطة هذا التفاعل الشعبي، تدخلت لدعم المشروع. كما قدم الاتحاد الأوروبي تمويلا بنحو 170 مليون يورو لاستكمال أعمال الترميم.

شائعة هدم قصر البارون

أكدت الدكتورة مونيكا حنا أن الحكاية لم تعد مقتصرة على التفكير في المبنى كتراث مادي فقط. بل تتعلق بمدى تفاعل الناس معه، وهو ما يحافظ عليه فعليا.

وأضافت: “أتذكر خلال سنوات الجامعة الأولى، انتشر خبر هدم قصر البارون، لدرجة بدأنا نجمع من بعض توقيعات ونرسل فاكسات للاتحادات. حتى قيل إن بعضها وصل إلى قصر الاتحادية، بسبب ثورة سكان مصر الجديدة على الخبر. لأننا مرتبطين بهذا المكان وكل الحكايات المرتبطة به. حتى إذا رآها البعض صغيرة وغير مهمة لكنها تشكل التراث المعنوي وثقافتنا”.

وأوضحت أن المباني تؤثر في ثقافة الناس، كما يؤثر في الحفاظ على المباني. وهو ما يظهر في المساحات والفراغات العمرانية بمصر الجديدة التي ساهمت في تشكيل وعي سكانها ودفعهم للحفاظ عليها.

في هذا السياق، وجه الدكتور شكري أسمر الحديث إلى الدكتور أحمد الشابوري، المدير التنفيذي لشركة “تراثنا”، حول دور الشركة في تحقيق التفاعل بين الناس والتراث.

التفاعل مع التراث

أوضح أحمد الشابوري أن عمله في مجال التراث بدأ منذ فترة طويلة، خاصة في مجال ترميم وتنفيذ المتاحف. مشيرا إلى أنه ابتعد عنه لفترة قبل أن يعود إليه عام 2010 من خلال العمل مع والده وشقيقه. وأضاف أنه لاحظ خلال عامي 2012 و2013 فرصة مهمة. حيث بدأت الدولة، بعد هدوء الأوضاع السياسية والأمنية، في البحث عن سبل لتعظيم الاستفادة من القصور المصرية غير المستغلة.

وأشار إلى أن مصر تمتلك مقومات كبيرة، لكنها تحتاج إلى تطوير الخدمات المرتبطة بها. وهو ما شكل تحديا لتقديم نموذج إداري مختلف. ولفت إلى مشاركته في تطوير نحو 60 متحفا. موضحا أن المشكلة لم تكن في التمويل بقدر ما كانت في الإدارة. حيث يحدث تراجع بعد التطوير بدلا من الاستمرار في التقدم.

اقرأ أيضا: الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

رسالة عن التراث غير المستغل

أوضح أحمد الشابوري أن هذه الإشكالية دفعته إلى إعداد رسالة ماجستير حول “التنمية المستدامة في التراث الثقافي”. ركزت على الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إدارة وتنظيم التراث. معتبرًا هذا النموذج هو الأنسب للمرحلة الحالية، لما يتيحه من استغلال أفضل للقصور والإمكانات. إلى جانب الاستفادة من قدرات الدولة وقوانينها، ومن مهارات القطاع الخاص وأفكاره واستثماراته.

وأشار أن التعاون الفعال بين الطرفين يمكن أن يحدث نقلة كبيرة في ملف التراث. بما يتيح للناس رؤيته والتفاعل معه. موضحًا أن الـ10 سنوات الأخيرة شهدت تغيرًا ملحوظًا في نظرة الشباب للتراث. حيث لم يكن يحظى باهتمامهم قديمًا، لكن مع ظهوره بشكل أكبر، بدأوا يسعون للتواصل معه. بعدما أدركوا أن هويتهم تحمل قيمة كبيرة.

وأضاف أنهم بدأوا العمل بهذا النموذج، في ظل وجود توجه لدى الدولة لتبني أفكار جديدة. وهو ما تجسد لأول مرة في مشروع المتحف المصري الكبير، ليصبح أول متحف في العالم يُدار من خلال شراكة بين القطاعين العام والخاص. مما شكل تحديًا نظرًا لحساسية التدخل في هذا المجال. كما تحدث عن واقعة شركة حسن علام عام 2014.

من ندوة حماية المناطق التراثية.. تصوير: هبة معوض
من ندوة حماية المناطق التراثية.. تصوير: هبة معوض
 إعادة إحياء المكان

اختتم الشابوري حديثه أن الأمر لا يقتصر على الترميم والحفاظ. بل يشمل إعادة إحياء المكان من خلال الناس، باعتبارهم العنصر الأهم. موضحًا أنه إذا لم يتم خلق وسائل جذب تعيد الجمهور إلى هذه الأماكن فلن تتحقق الاستدامة. إذ يجب أن تتحول من أماكن تُزار مرة واحدة إلى مساحات للتفاعل المستمر.

وأشار إلى تجربة العمل مع جمعية “تراث مصر الجديدة”. حيث كان الهدف ألا يقتصر المكان على الأنشطة التجارية مثل المطاعم، بل يتحول إلى مجتمع متكامل. وأكد أنه خلال ثلاثة أشهر فقط من بدء التشغيل بعد الترميم، تم تنفيذ برامج ثقافية واجتماعية وتعليمية. إضافة إلى أنشطة مرتبطة بالصحة المجتمعية. كنا شهد المكان تنظيم عدد من الفعاليات، من ورش عمل وندوات ومحاضرات وبازارات. فضلا عن تعليم الفنون والمهارات المختلفة، مما جذب الجمهور وإعادة ربطه بالمكان.

حماية مصر الجديدة من خلال الثقافة

من جانبه، طرح الدكتور شكري أسمر سؤالًا حول كيفية حماية منطقة مثل مصر الجديدة من خلال الثقافة، ودور الثقافة في الحفاظ على الطابع الجمالي للمنطقة.

وأجابت الدكتورة مونيكا حنا بأن هناك تصورًا خاطئًا يربط الثقافة بالقراءة فقط. موضحة أن الثقافة تشمل العادات والتقاليد والأفكار والموسيقى والفنون. إلى جانب الأمثال الشعبية والطعام، وكل ما يتداول بشكل طبيعي في المجتمع. كما أكدت أن التراث لا ينقسم إلى مادي ومعنوي بشكل منفصل. بل هو كيان واحد يضم الحكايات والذكريات إلى جانب المباني.

وأضافت أن قيمة التراث تبرز في حضوره داخل حياة الناس، مستشهدة برأي الناقد التراثي “روبي هايسن”. الذي يرى أن قيمة المباني والقطع الأثرية تنبع من ارتباطها بالإنسان. ولفتت أن هذا الارتباط يظهر، على سبيل المثال، في حضور مدينة الإسكندرية في أشعار “كفافيس”. التي ما زالت تدرس عالميًا، ما جعلها جزءًا من الذاكرة الثقافية.

إشراك المجتمع 

أكدت حنا أن هذا التأثير لا يتحقق إلا إذا كانت المباني جزءًا من المجتمع، ويتفاعل معها الناس. مشيرة أن ذلك يتطلب عنصرين أساسيين: وجود أماكن تتيح هذا التفاعل، مثل غرناطة، إلى جانب إشراك المجتمع في اتخاذ القرار بشأن مدينته. وهو ما يعزز شعور الملكية الجماعية حتى وإن لم تكن ملكية خاصة.

وفي هذا الصدد، أكد الدكتور أحمد الشابوري أن مصر الجديدة غنية بالتراث المادي المرتبط بالمجتمع. موضحًا أن الحفاظ عليه يتطلب جهودا كبيرة، لأن “يدًا واحدة لا تصفق”. وذكر مثالًا على وجود مبادرات ناجحة في المنطقة، من بينها جهود نيفين الجندي، التي تعمل على توعية المجتمع بأهمية الحفاظ على المناطق التراثية. والتواصل مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص.

وأشار إلى أن استعادة القيم التراثية تسهم في استعادة اهتمام المجتمع. وأن تحقيق ذلك يتطلب تفاعلًا وتنظيمًا من جميع الأطراف. مؤكدا كذلك أهمية الدور الأكاديمي في تقديم منهجية واضحة للعمل في هذا المجال. خاصة أنه كان في البداية إلى أن يصبح معماريًا. وهو ما دفعه للبحث عن أساس علمي ومنهجي يضمن العمل بشكل منظم بعيدًا عن العشوائية.

كلمة الحضور

في ختام الندوة، أتاح دكتور شكري أسمر الفرصة للحضور لعرض رؤيتهم حول حماية مصر الجديدة من خلال الثقافة.

ومن بين المتحدثين، قالت الدكتورة علا العبيدي، أستاذة بكلية الآثار جامعة القاهرة: “في رأيي، كل جيل خرج من مصر الجديدة وعاش في التجمع وأماكن أخرى، البداية ممكن تكون في عودتهم. آباؤنا وجدودنا ماتوا، بالتالي جيلي يعود لكن كيف يعود لا أعرف. هذا ما أتمناه، بحلم أشرب قهوتي في الكوربة كما كان في السابق، أو أذهب لسينما نورماندي.

في رأيي لو شفنا في الثمانينيات الأماكن التي كان يرتادها الشباب سنجد أن كلنا عشنا هذه الحياة، بنفس الطابع. لذلك كلنا نملك هوية واحدة، لو الحاجات التي كان يمارسها جيلي في الثمانينيات رجعت بنفس الشكل وأنا معاهم وأصحابي ستكون بداية جيدة. تعمل على الترابط بين مصر الجديدة حالياً ومستقبليًا”.

فيما قال الدكتور أسامة عبد الوارث، مدير متحف الطفل: “قبل الحديث عن المتحف، أود التأكيد على أن مصر الجديدة تفرض إحساسا بالوطنية. ونحن مسؤولون عن تقديم الخدمات لأهالي هذه المنطقة”.

جودة الحياة

أما المهندس سيف أبو النجا، فأوضح أن مصر الجديدة تعد حالة فريدة. إذ لم تصنف كمدينة كوزموبوليتانية رغم وجود جاليات متعددة بها، مشيرا إلى أن مؤسسها البارون إمان، وضع فكرة قائمة على جودة الحياة. وأضاف أن المدينة بنيت بفلسفة مختلفة تقوم على الترابط بين سكانها. وهو ما يعكسه وجود عناصر الأمان المشتركة بينهم.

وأكد أن أقوى ما يميز مصر الجديدة هو تراثها وثقافتها المجتمعية، التي وصفها بأنها “فوق الخيال”. سواء من حيث المداري أو الجاليات أو الأندية. وأشار إلى أن كثيرا من الكتب التي تناولت تاريخ مصر الجديدة اعتمدت على مكتبات الأندية ومقتنيات السكان. كما لفت إلى أن  أحد الجوانب التي لم تناقش بشكل كاف هو إدارة العمران. حيث كانت المنطقة تدار من خلال البلديات، وهي منظومة اختفت مع الوقت. مؤكدا أن استعادة التراث تتطلب التفكير في الآليات التي كانت تدير هذا النسيج العمراني.

اقرأ أيضا:د.«إسراء عصام»: المجتمعات الحدودية أكثر قدرة على حفظ تراثها

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.