«زكريا الحجاوي».. أيقونة الموسيقى والغناء الشعبي
حين رحل زكريا الحجاوي في 7 ديسمبر عام 1975، عن عمر بلغ ستين عامًا، وهو المولود في 4 يونيو 1915، بكته الربابات، وصدحت المواويل لتكون وداعًا مناسبًا لواحد من رواد الفنون الشعبية، جامعًا ومؤلفًا وملحنًا، ومؤسسًا لعدد من الفنون ومكتشفًا لنجوم ونجمات الفن الشعبي، ليرسم بهم خريطة للأنواع الشعبية.
وها هو محمد طه يبكيه في موال ارتجالي، متذكرًا الحجاوي:
تكسب كتير في الممات يا مربي أولادك
بالعلم والفن وديت كل أولادك
الله يرحم زكريا الحجاوي ويخلي أولادك
اسم غالٍ على بالي النور يا زكريا
يا ابن الحجاوي حج العلم زكريا
والذكرى حلوة تآمن بيك يا زكريا
مصر الجميلة علم أنوارها بعلم الفن
لك عزوة في الفن عالية والكرم الماس
ياما جبت أدوار وألفت أماني الحب الماس
من صغر سني بنظم فنون للفن
من مات وخلد الفن ع الدنيا كأنه ما مات.
يظل السؤال الجوهري حيًا بالرغم من مرور أكثر من خمسين عامًا على رحيل العبقري زكريا الحجاوي، وهو: كيف تلم بموسوعة شعبية تتحرك في أكثر من زمن وأكثر من مكان، فضلًا عن التنوع الكبير للأنواع الشعبية، بداية من عشق للأرض ومأثوراتها الشعبية، وإدراك عميق واعٍ لمعنى ومبنى الهوية المصرية؟
إنه أيقونة نادرة تمثل شهادة حية على تاريخ وطن أدرك معنى الكنوز البشرية الحية مبكرًا، فكان رائدًا بحق في مجاله، وفتح أفقًا لمسرح شعبي، جذره قار في الجماعة الشعبية، وعروضه تحتفي بالقيمة، ولما لا، وهو المصري الذي صهرته الثقافة الشعبية في آتون عمقها الحضاري عابر الزمن، فهو المولود في مكمن إبداعي يحيطه التراث والمأثور الشعبي من كل جانب، ليتحول إلى بحيرة تكتنز عناصر الثقافة من عادات وتقاليد ومعتقدات ومواويل يجمعها سمر المحبة والألفة، وزمن موارُ بإرهاصات وطنية تنادي باستعادة الوطن عبر رؤية ناسه وإبداعهم الشعبي الفارق.
ميلاد البطل في فترة حافلة بالأحداث الوطنية
ولد زكريا الحجاوي في المطرية بالدقهلية، في فترة مفصلية من تاريخ البلاد، فتسمعت أذنه هدير الشعارات والأغنيات الوطنية حين شبت ثورة المصريين عام 1919، وقد ترسخت مفاهيم الوطنية في وعيه صغيرًا حين كانت الجماعة الشعبية، وهو أحد أبنائها، تعيش أجواء ثورية يقودها البحث عن هوية الوطن، فالنشأة في مجتمع الصيادين وغنائهم، فكانت الموسيقى حين تحتضن أوردة الكلام الخيط الذي ألهمه ليكون علمًا في مجاله.
فقد كانت دراسته الابتدائية بين المطرية وبورسعيد، وكانت وسيلته للذهاب والرواح قاربًا يصل بين العالمين، وفي القارب كان طقس العبور، وعليه كان يتشكل العالم من مشاهد، فالقارب كان السياق الذي شكل لوحته التي ضمت أغاني الصيادين وحركات أجسادهم، وثقافة العمل، وحكايات البحيرة وخيالاتها.
هكذا كان يسبح بوجده ووجدانه في حكايات الحوريات، ويتعشق في المفردات الوجيزة كثيفة الشفرات حين تفيض على الألسن، فتميل الأجساد مع حركة القوارب، حيث الوقوف على العتبة بداية القول والطرح، فتطرح الشباك ويبدأ نثار الكلام في تشكل أجنته الأولى، والشد حين تجتمع الكفوف لتنزع من الصدور ومن البحر المفردات الممزوجة بعرق الصيادين وقطرات المياه، ليكون الصيد، صيد الحكمة ورباط القول.
وهناك تعلم تقسيم العمل وأنواع السمك وصناعة القوارب، والتنقل من مكان لمكان، لتحتشد المخيلة بسحر البحيرة وجمالها الفاتن، وتعمل الأجواء الثورية على شحنه بالروح الوطنية، فما يلبث إلا أن يعمده زملاؤه زعيمًا طلابيًا في أوساط الحركة الوطنية.

بدد عهدته من البطاطين ليمنحها للفقراء
كانت بدايته من مدرسة الفنون والصناعات التي كان يدرس بها، وبعد تخرجه عمل موظفًا، لكن حسه المنحاز للفقراء والمهمشين من أبناء الجماعة الشعبية ساقه لتبديد عهدته من البطاطين، حيث وزعها على المحتاجين الذين كانوا في القلب من وعيه واهتمامه.
فقد كان الحجاوي ميدانيًا دون جهد نظري، فنشأته كانت البصيرة التي قادته للاهتمام بفنون وحياة الناس الذين يملكون فنًا مختلفًا، ومن هنا بدأ تحوله الجوهري حين عمل بالصحافة، فقدم عددًا كبيرًا من الكتابات التي تعتني بالحرف التقليدية وفنون الجماعة الشعبية، ليزيح عنها الغبار دافعًا بها إلى الصدارة.
وظل على عهده وإيمانه بتراث جماعته بوصفه الإجابة الناجعة على سؤال الهوية، وبالرغم من أن الصحافة لم تكن بالنسبة له المبتغى، إلا أنه وظفها لصالح جماعته الشعبية وفنونها الأثيرة.
ومع الصحافة نذر نفسه للإذاعة، فصال صولته الكبرى عبر تقديم أعمال درامية ذاعت بشكل لم يسبق له مثيل، فكانت الشوارع المصرية تكاد تخلو من المارة ليتابعوا درره الدرامية الإذاعية مثل: “أيوب”، و”كيد النسا”، و”ملاعيب شيحة”، و”أنس الوجود”.
ولم تكن هذه الأعمال محض تأليف يخطه من خياله، لكنه كان يقوم بدوره كجامع ميداني من طراز نادر. إنه الوعي بمكنون صدور الناس وآلامهم وحكاياتهم، وكان ميدانه القرى والنجوع التي ستصبح فيما بعد مصدره في اقتناص الكنوز البشرية الحية من مغنيات ومغنين شعبيين.
ولم يقتصر الحجاوي على نوع شعبي بعينه، لكنه كان ذلك الصياد الواعي الذي جمعت شبكته حكايات قصصية تحتفل بفن الموال، وأغاني العمل، ونصوص حنون الحجاج، ومربعات ابن عروس، ومواويل من كل نوع، وبكل اللهجات، فكأنه قد جمع كل عناصر التراث والمأثور الشعبي ليتجلى شامخًا على المسرح، ناقلًا إياه من سياقه الشعبي لسياقه الجماهيري، فيتعرف المصريون على خريطة فنون الجماعة الشعبية وأبعادها الجمالية.
الحجاوي جمع أوبريت “ليل وعين” من أحد حلاقي الإسكندرية
من صغره غاوي الشجر
وروح الروح ملاغيه
عشق النغم قال يا نعم
بنى للحمام غية
يوصل كلام الناس
كأنه الماس بلا غية.
بعد قيام ثورة يوليو 1952 بدأ الاهتمام بفنون الشعب، فأنشأت الدولة مركز الفنون الشعبية عام 1957، كما أنشأت مصلحة الفنون بعد اهتمام الرئيس عبد الناصر بفنون مصر الشعبية، بعد أن رأى أن كل البلاد التي كان يزورها تقدم هذه الفنون بوصفها واجهة الفن الأصيل، وكان العبقري يحيى حقي أول رئيس لمصلحة الفنون، وكان ذكيًا حين استعان بزكريا الحجاوي الذي خبر فنون الجماعة الشعبية وأمسك بعتبات الدخول لوعي الناس.
وكانت البداية بأول عمل مسرحي تحت إشراف ورعاية يحيى حقي، فكان “يا ليل يا عين” ذلك العمل الفذ الذي جمعه الحجاوي من أحد حلاقي الإسكندرية، فوظف الحكاية واستلهم جوهرها ليقدم صياغته المسرحية الفريدة، التي استعان على أدائها بالفنانة نعيمة عاكف، والفنان محمود رضا الذي تتلمذ على خبرات المدرسة الروسية في الرقص، كما استعان بعدد من نوابغ الموسيقيين: عبد الحليم نويرة، وعلي إسماعيل.
وكانت المفاجأة التي أذهلت يحيى حقي حين رأى رؤيا العين وسمع بأم أذنه كتائب الموسيقيين والمغنيين والراقصين على المسرح، وهنا تجلت النجوم ممثلة في أسماء الساحرة خضرة محمد خضر، بعد أن كانت مجرد مغنية شعبية تدور في البلاد بحثًا عن قوت يومها من خلال الغناء، إضافة لمشاركتها بالغناء في حلقات الزار على الإيقاع الشعبي المعروف بإيقاع أبو الغيط أو إيقاع أيوب، وهو الإيقاع الذي سيصبح أحد بصمات فرقته التي كونها.
جواهرجي الأصوات الشعبية ومكتشف النجوم
إنه المنقب عن الجواهر، عن الأصوات التىي مثلت السبيكة المصرية بجدارة، فكانت أصوات الكتيبة الصداحة بالموال والمربع والقصة. فمن ينسى أصوات مصر العبقرية ممثلة في محمد طه صاحب العشرة آلاف موال، كأن السماء اختارته مزيجًا من تغريد نادر الطيور والطبيعة، صوت جمع بين الوجهين القبلي والبحري، ينتمي إلى أعمق راقات الحكمة الشعبية، كأنه سبيكة العناصر التي صهرها الزمن في “ليله وعينه”، بطربوشه ولبسه التقليدي.
ومن ينسى أبو دراع صاحب الصوت الجسور الذي نُحت على مهل، كأنه أرغول عبر الزمن ليصل إلى قلوبنا، وصوت فاطمة سرحان الفلاحة التي عُصر صوتها من أشجار الجميز والتوت، وجمالات شيحة، ومتقال القناوي بشاربه الذي يقف عليه الصقر، ووجهه المنحوت الذي يبدو منتزعًا من أحد المعابد، وأسنانه الفضية التي تزيد الكلام الخشن رقة حين يعانق ربابه الذي قص سبيبه من ذيل أجود الخيول وأعفاها، ومعه محمد طه بصوته الذي يشف عن طبقات متراكبة، كأن السماء اختارته على يد الحجاوي مزيجًا من تغريد نادر الطيور والطبيعة.
لقد كانت هذه الأصوات بعض الجواهر التي كشف الحجاوي عنها الغبار لتتلألأ في سماء الفن ومجده، كما يعد الحجاوي المؤسس الحقيقي للبرامج الشعبية الإذاعية، رغم إنكار البعض لهذا التاريخ والركوب عليه من بعض المتفلكرين.
ففي كل مجال يخص الانشغال بالناس وفنونهم، لا بد أن تسأل عن الحجاوي الذي أسس عدة وسائط جماهيرية للمسرح كانت تنتقل في الأماكن الجماهيرية، مثل الحسين والسيدة والساحات الشعبية والأجران، ليقترح فضاءً جديدًا للفن مستعيرًا إياه من الجماعة الشعبية. وقد تمثلت هذه الأشكال في مسارح السامر، فضلًا عن الشوادر والسرادقات التي صارت علامة الثقافة الجماهيرية، التي كان مصيره فيها الفصل من العمل.

المؤسس الشرعي للمسرح الشعبي
حبيبي يا ولدي.. بحب بلدي
وأهل بلدي.. يا أنا يا بلدي
وبلدي يا ولدي
وطنك أفديه.. وأحميه وأبنيه
وأقرأ له ماضيه.
إن زكريا الحجاوي هو المؤسس الشرعي للمسرح الشعبي، إن جاز الاصطلاح، حيث نقل الثقافة الشعبية من سياقها الشعبي للسياق الجماهيري، ليحتل مكانته في مركز دائرة نقل الفن من الخاصة للعامة. كما أن دوره في السينما لا ينكره إلا جاحد، حيث ساهم بسيناريوهات سينمائية منها: “سيد دوريش” و”أدهم الشرقاوي”.
وفي مجال كتابة المقالات التي تعني بالفن الشعبي، كتب مجموعة من المقالات تحتاج إلى جمعها في كتاب، كما قدم كتابًا مهمًا في بابه بعنوان “حكايات اليهود”، كما ساهم في تأسيس مراكز للفنون الشعبية في عدد من البلدان العربية، كما اصطحب الشاعر العبقري صلاح جاهين للموالد والمناسبات الشعبية التي كان لها أثرها في استلهاماته الشعبية، خاصة أوبريت “الليلة الكبيرة”.
حكاية فصله من وزارة الثقافة وإخلاء شقته
لم تتوقف مواهب الحجاوي عند كتابة المقال والبرنامج الإذاعي والأوبريت والعمل الميداني الذي كشف من خلاله عن كنوز مصر في الغناء والموسيقى الشعبية، لكنه كان أحد كتاب القصة المتفردين. وفي هذا المجال ترك لنا مجموعة قصصية بعنوان “نهر البنفسج”، لم ينقطع فيها عن جوهر اهتماماته بالمهمشين من أبناء الشعب المصري، ليعيد إليهم أدوار البطولة.
ورغم عظمة الحجاوي ودوره التأسيسي في مجال الفنون الشعبية (موسيقى – غناء – حركة – كتابة)، إلا أن كل ذلك الرصيد لم يشفع له، فتم التنكيل به بفصله من وزارة الثقافة، وتم إخلاؤه من شقته لإقامة طريق مكان سكنه، فما كان منه إلا أن سافر للعمل بقطر ليحدث بها طفرة هائلة في مجال تأسيس فرق للفنون الشعبية.
لكنه رحل عن وطنه غريبًا، وكأن لسان حاله يردد موالًا شعبيًا من جمعه يعكس حاله:
يا خسارة الحلو من بعد الدلال يهينوه
من بعد ما كان صاحب مقدرة يهينوه
حسوا العوازل وجوله في الوطن يهينوه.
رحم الله أيقونة الفن الشعبي المصري والعربي زكريا الحجاوي، وأحسب أن بادرة استعادته ضمن من أسسوا ورادوا مجال الموسيقى والغناء الشعبي خطوة تعيد الاعتبار لرمز من أهم رموز الفن المصري الحقيقي.
ويبقى لنا السؤال: لماذا غاب دور المؤسسات الثقافية عن تدوين وحفظ الأعمال التي كتبها أو جمعها الحجاوي من قصص شعبية ومواويل وأغنيات وأوبريتات وسير، وإعادة طباعة قصصه وكتبه البحثية، والاهتمام بفرقة النيل للآلات الشعبية وفنانيها الذين يمثلون، هم وبعض فرق الآلات الشعبية، آخر الحفظة لتراث الحجاوي؟
وأتمنى أن تكون هناك مسابقة تعقدها وزارة الثقافة تحت اسم زكريا الحجاوي لفرق الآلات الشعبية، يكون هدفها غناء تراث الحجاوي، فضلًا عن إضافة نصوص غنائية جديدة مجموعة ميدانيًا من أقاليم مصر، واكتشاف مغنين ورواة جدد يستكملون مسيرة الحجاوي ورسالته العظيمة.
اقرأ أيضًا: «بدِّي أزورك يا نبي.. ياللي بلادك بعيدة».. أغاني حنون الحجاج وطقس العبور



