د. مصطفى عيسي يكتب: الرمز والأسطورة في معرض «عشبة الخلود» لعلي سعيد

عادةً ما نبحث في معنى الرمز عن شيء مضمر، ومن حيث تسوقنا البداهة إلى المقروء منه، فإن جانباً مؤثراً منه يقع في الطرف الآخر الذي يكتسي بغموض كثير. تقول الحكمة أن الرمز صنعة الإنسان، وفي الفن تقع الرؤية الفنية في أرضه المتوهجة بكثرة من الدلالات. لا شك أنه منطق لا تعوزه إحكام التبريرات، كونه يحملنا دوماً على قبول لغة الفن رغم انفلاتها.

في مفتتح تجربة “علي سعيد” هناك مغريات كثيرة ينبغي لنا الاقتراب منها، وتأمل رموزها وتعقيداتها التي تصنع خيمتها الأسطورية، وجاذبيتها. المعلوم في هندسة الإنشاءات أن الجسر يصل بين نقطتين تفصلهما عوائق ما يجعل من بنائه ضرورة. لَعلّي أقدم مثالاً يتميز ببساطته، بينما يبدو أن سلوك الفنان أكثر حساسية خاصةً حينما يقدُم على النبش في ذاكرة التاريخ، ولا يلبث يستقطب رموزاً بعيدة الغور، فيقتطف منها بقدر ما يحتاجه رداء مادته الفنية. في سياق هذا المعنى فإن الفنان المصري “علي سعيد” داوم على صنع دائرته الخاصة وفق رؤية لا تبتغي من مُحاكاة الأشياء سوى شكلها الظاهر، كونه يدرك أن ما خفي وتوارى ربما يكون أبعد أثراً وأقوى. لذلك فإن ما يجمعه هذا الفنان من أشتاتٍ بعيدة طفق يعيد صياغته في لغة توفيقية وتوليفية مُحصّنة بقانون بنائي مُحكم.

وجوه الفيوم

لا شك أن وجوه الفيوم بما تحمل من سحرٍ خاص، تاريخي وجمالي، كانت المنبع الأول بالنسبة لتجربته الراهنة، وما صادفها من تغييرات لم يكن عبئاً على رؤيته الفنية. بل لعلها مثلت إضافة لتاريخ قديم عكف على النبش في جمالياته. بكلامٍ آخر، فإن هذا الفنان المثابر طفق يذهب عامداً إلى سِيَر مختلفة وروافد تسكن تواريخ غابرة، ومن ثم تجاور مع بحثه في جماليات الفن المصري القديم نزوعات إلى فنون أشورية وهندية وإيرانية ورومانية، صنعت في مجموعها وعاءً راح يختلف عليه بين حينٍ وحين، ليس بحسب الهوى وإنما بحسب تواتر رؤيته الفنية وما يتصل بالأسطوري.

من ثم فقد كان لديه في مسار قديم قصة إيزيس وأورزوريس، مثلما هو الحال مع ملحمة جلجامش، حيث كمن في كل منها بُعدٌ سردي، استطاع تجديد سيرته عبر اختزالات صورية تمد خطاً مع رؤى الفن المعاصر. والأمر كذلك فإنه لم يتيسر له حسم جماليات السرد بعيداً عن جماليات الصورة، وكأنما  ثمة اختبار قائم هناك بين الصورة والمعنى، بين اللغة المكتوبة والنص البصري.

بظني أن جاذبية صفحة المنمنمات ظلت تمثل جانباً مهماً في تجربته، فدفعت به إلى اصطياد روح الكتابة عبر نص راح يخاتل القديم ويشاغل الجديد في وقت واحد، مثلما كانت الصفحة عينها مساحة يخطر فيها الرمز والحكاية معاً.

عشبة الخلود

إن إعادة صياغة القديم المُتجذر في التاريخ يدعونا في مواجهة التجربة الفنية المعاصرة إلى المثول معه رغم افتقارنا إلى حافزه الجمالي والفكري. ولهذا سيبدو في لغة “علي سعيد” لغة تتكهن بما هو خارج المرئي الذي نعيشه، وفي تأكيد صريح بأن اللامرئي يجب أن يكون حاضراً في لوحته ممزوج بالدهشة والغرابة وكم من الأسئلة الاستاطيقية. من قريب نقول: أنه يعيدنا إلى أرضٍ يحكمها الحلم العامر برموز يؤلف بينها، وصور يبنيها وفق منطق وبنية السوريالية، اقتناعاً منه بأن العناصر المُتجاورة لا يفرقها التنافر على قدر إتيانها الدهشة وحضور العجائبي. واقع الأمر أن ما نقع عليه في تلك البنية الجمالية هو استدعاءات ذكية من منمنمات هندية وإيرانية يترافق وجودها مع سرديات بقيمة ملحمة جلجماش وأسطورة إيزيس وأوزوريس، من حيث يرغب في إغراقها في رؤية معاصرة.

يمكن الزعم بأن علي سعيد في «عشبة الخلود» راح يصنع في تؤدة، ملحمته الخاصة دون الاتكاء على عناصر مُبتذلة ومُتداولة. وبقول آخر: إنه ينحت في التاريخ ليستخلص شيئه الخاص. ولهذا كان من الطبيعي أن لا تنجو لوحته من تضفير غرائبي لأشتاتٍ من أزمنة مختلفة، مكللة بروح الأسطورة. وعندئذٍ سيكون السؤال: هل علينا قبول مثل تلك اللغة المُستحدثة؟. بلى. وربما هو القول المُختصر طالما أن منطق الأشياء طفق يبحث في أرضٍ جديدة عن هذا المُختلف الغرائبي. في تعليل اللغة تجتمع الحروف على شيء يتعلق بالجمالي مثلما يتعلق بالفكرة وهو ركن رئيس بات  يضيف في تجربة “علي سعيد” إحساس بالمغامرة دون الاحتكام إلى نوازع شخصية للمتلقي، كونه فنان يستطيع أن يستقطب الآخر إلى أرض مُفارقة في بنيتها ومن حيث يسودها نوع من سحر لا يُقاوم ولا يدع للمرء سوى فرصة المكوث أمامه للتأمل طويلاً.

يفتتح غدا معرض «عشبة الخلود» للفنان علي سعيد مدير متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية. يقام المعرض بجاليري (Art Talks) – 8 شارع الكامل محمد بالزمالك

اقرأ أيضا:

في اليوم الثاني لـ«الرحلة»: ورشة فنية عن التذوق الفني

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى