د.عماد أبوغازي: هكذا يتم تخطيط المدن!

استضاف بيت المعمار المصري الدكتور عماد أبوغازي، المؤرخ ووزير الثقافة الأسبق، لإلقاء محاضرة بعنوان «وثائق التطور العمراني للمدينة».  تحدث خلالها عن دور الوثيقة الرسمية في تطور العمران. وقد أهدى أبوغازي محاضرته إلى  أستاذه الدكتور عبداللطيف إبراهيم، ووالده المثقف البارز بدر الدين أبوغازي.

دراسة العمران

أشار أبوغازي – في بداية حديثه – إلى تأثره بأستاذه عبداللطيف إبراهيم، أستاذ الوثائق العربية، والذي كان أول شخص لفت انتباه الباحثين إلى ضرورة استخدام الوثائق في دراسة عمران المدينة والتعاملات الاجتماعية والسياسية، منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى وفاته عام 2001.

وفي بحث له باسم “الوثائق في خدمة الآثار – العصر المملوكي” والذي قدمه إلى المؤتمر الثاني للآثار في الوطن العربي سنة 1957. تحدث خلاله عن أهمية استخدام وثائق العصور الوسطى في تتبع التطور العمراني للقاهرة. إذ أشار إلى أن الوثيقة تذكر لنا الكثير من العديد من أسماء الخطط، والأماكن والشوارع والدروب والأزقة، والتي يرجع بعضها إلى ما قبل عصر المقريزي وبعده. وخاصة منذ عصر السلطان برسباي: “الوثائق تمكنا من فهم تطور العمران داخل المدينة. خاصة في العصر المملوكي، والتي تمكنا من تصحيح بعض الأخطاء التي وقعت فيها المصادر العلمية حول ملكية العمائر والمباني والقصور.”

صياغة الوثائق العربية

وأضاف: في دراسة أخرى قدمها عبداللطيف إبراهيم تحدث عن نفس الموضوع. لكنه أشار في هذه المرة للوثائق العربية في دراسة التاريخ والآثار، والتي رأى أن الوثائق تقدم وصفًا دقيقًا للآثار العربية والإسلامية والتي اندثرت أو بقي جزء منها مثل المساجد والخانقاوات والزوايا والتكايا ومكاتب الأيتام وأسبلة وغيرها من الأمور. فأبحاثه انصبت حول فكرة تقديم دراسة كاملة لكيفية صياغة الوثائق العربية في العصور الوسطى. لكنه فتح لنا الطريق حول كيفية الصياغة والاستفادة من هذه الدراسات في عملية فهم تطور المدينة.

واستطرد: شهد عصر المماليك في مصر تطورًا كبيرًا لمدينة القاهرة. وقد اتسع عمران المدينة خارج أسوار القاهرة الفاطمية، فيما عرف بظواهر القاهرة. وفي عصر الناصر محمد بن قلاوون شهدت المدينة توسعات عدة داخلها. لكن مع التدهور الذي حدث في نهاية فترة دولة المماليك البحرية، حدث تراجع كبير للمدينة، وهذا ما رصده المقريزي في خططه.

تطور المدينة

وأشار أبوغازي إلى أن الوثائق الخاصة، وهي وثائق البيع والوقف والاستبدال والهبة وأذون البناء والدعاوى المحفوظة في المؤسسات الأرشيفية المصرية. تساعد في رسم خريطة غير مكتملة لتطور المدينة في الفترة ما بين اكتمال خطط المقريزي حتى الاحتلال العثماني وسقوط دولة لمماليك بل تمتد لعدة سنوات في الحقبة العثمانية. وهي فترة شهدت عودة للبناء خاصة في عهود قایتبای والغوري. وقد أعادوا إعمال أجزاء كبيرة من المدينة.

وهذه الوثائق أغلبها موجود داخل دار الوثائق القومية والبعض منها في الأوقاف، وهم حوالي 1325 وثيقة ترجع للعصور الوسطى. ومنها 831 وثيقة ترجع تحديدًا لعصر المماليك الجراكسة. وأغلب الوثائق ترجع للفترة الأخيرة منها أي عصر الغوري، والذي استولى على الكثير من الأملاك تحت دعاوي مختلفة لدرجة أن الناس أطلقوا على مسجده اسم جامعه “الحرام”. نتيجة أن جميع ما بداخله هي أشياء تمت سرقتها من البيوت وغيرها من الملكيات الخاصة.

لكن هذه الأوراق الرسمية بغض النظر عن شخصية الغوري. فهي تعطي لنا وصفًا دقيقًا لتطور المدينة في السنوات الأخيرة من عصر المماليك الجراكسة.

النخبة الثقافية

وفي الجزء الثاني من المحاضرة تحت عنوان “كيف تعاملت النخبة الثقافية مع تحولات العمران في القرن الماضي؟”. تحدث أبوغازي عن أرشيف والده بدر الدين أبوغازي، والذي يحوي نسخًا من مسودات رسمية بحكم مناصبه التي تولاها. وكذلك وثائق خاصة احتفظ بها بحكم اهتماماته؛ وهذه الوثائق تكشف موقف النخب المثقفة من التحولات في عمران المدينة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

وذكر أنه يجب أولًا أن نتوقف عن نقطتين، أولهم هو الدور الذي لعبه عالم الآثار الإسلامية عليّ بهجت. لأنه يعد أحد أوائل من اكتشفوا مدينة الفسطاط. فمن خلال لجنة حفظ الآثار العربية ظهرت دلالات مختلفة حول المدينة. وهنا بدأت القاهرة الخديوية في الظهور. وقد تصدت لجنة حفظ الآثار حول التحديات الكبيرة التي واجهتها نتيجة الرغبة في عمل توسعات للطرق على حساب الآثار. ونجحت اللجنة في إيقاف عمليات هدم لبعض الآثار داخل المدينة.

تحولات العمران

عرض أبوغازي جزء كبير من أرشيف والده الراحل من وثائق هامة  تحصل عليها خلال فترة عمله وزيرًا للثقافة من الفترة بين عامي 1970 إلى 1971 وحتى انشغاله بالمسح الاجتماعي لمصر. وهو ما مكن والده من جمع  الكثير عن ملامح تطور العمران المصري ومواقف سابقة للنخب المثقفة منه.

إضافة إلى مرسوم ملكي عن الملك فؤاد يأمر بإنشاء لجنة استشارية خاصة بالفنون الجميلة عام 1949، والتي ضمت نخبة من الفنانين على رأسهم محمود خليل والمعماريين وغيرهم من الشخصيات العامة. كي يكون دورهم هو الحكم على أداء اللجنة. وقد نص البند السادس على “حماية المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية والميادين العامة وما يقام فيها من نصب وتماثيل وغيرها من نشاطات”.

وتابع: هذه اللجنة قارب علمها نحو القرن حيث أسست في المرة الأولى عام 1927. وقد شددت بضرورة حماية مقدرات الوطن من آثار ومعمار وكذلك زيادة عدد متاحف الفنون لأنه رأى أن مثل هذه الأشياء تجرد الإنسان من ماديته البهيمية و تغذيه بمحبة الجمال والحفاظ عليه.

تشوه عمراني

ويرى أبوغازي أن بداية التشوه العمراني في مصر بدأ بحريق القاهرة، وكذلك حرق مدن تاريخية في الخمسينات والستينات وهي الفترة التي يطلق عليها اسم “فندقة مصر”. إذ هدمت عدد من المباني الأثرية حينها مثل قصر هدى شعراوي، والذي يعد واحد من أهم القصور التي أثرت في تاريخ مصر وحضارتها وأسس لثورتها “رغم أن قصر عمر الخيام التاريخي أيضًا من الأشياء التي اعتزت مصر ببنائه وسط النيل لكن جاءت سنوات السبعينيات؟”.

ورغم الوصية بالمحافظة عليه كمتحف للشعب الليبي تم بناء فندق الماريوت بدلًا منه. واستمر النزف العمراني بهدم  قهوة “ماتتيا” التي شهدت اجتماعات لكبار المفكرين والتنوريين المصريين والشوام منهم محمد عبده وعبدالله النديم لبناء جراج ومبنى إداري لمحافظة القاهرة، لتأتي الطامة الكبرى بهدم الكونتينتال الذي شهد انعقاد لبرلمان مصر 1926 وغيرها من المباني التاريخية هدمت لصالح جراجات وخلافه.

حماية العاصمة

كما تحدث عن موقف المعماري عبدالمنعم هيكل، والذي يعد واحدًا ممن تصدوا للتشويه العمراني والذي وقف ضد التعدي على المباني التاريخية في الستينات والسبعينات. كونه كان مقرر لجنة العمارة في المجلس الأعلى لحماية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية. وفي مذكراته عن حماية العاصمة خص بذكر منطقة وسط البلد والتحرير وحتى الأزبكية بالعديد من التوصيات لحماية الذوق والتراث وأزمة التخطيط العمراني الذي هدد القاهرة خلال تلك الفترة.

واستكمل أن والده بدر الدين أبوغازي بعد أن ترك وزارة الثقافة استمر في البحث وتقديم الاقتراحات من خلال عمله كمقرر للجنة الفنون الجميلة بالاتحاد الاشتراكي. وخاطب وزير الإسكان حينها لإنشاء دار أوبرا محل التي حرقت. وقد حذره من غياب الثقافة المعمارية والتخطيط أثناء البناء: “هناك عدد من الوثائق حفظها أرشيف بدر الدين وهي خاصة بتخطيط المدن العربية. وهو مخطط كامل يحفظها في وحدة معمارية كاملة وتصور كامل يشمل المباني الإدارية للمحليات والبلديات والمنشآت الحكومية”.

واختتم أبوغازي محاضرته بعرض وثيقة مشتركة بين لجنتي الفنون والعمارة بالمجلس الأعلى لفنون والآداب والعلوم الاجتماعية قبل أن تتحول إلى المجلس الأعلى للثقافة. وضمت ضوابط تخطيط المدن. وكذلك العلاقة بين الفنان التشكيلي والمعماري، والمباني والأحياء التاريخية في مواجهة البناء الحديث.

علاوة على ملحق يضم العلاقة بين الفنون التشكيلية والعمارة. وأوصت اللجنتان في النهاية بالحفاظ على طابع المدينة وعدم التعرض للآثار. وكذلك تنفيذ مشروع قرار بتخصيص نسبة مئوية من تكاليف إنشاء البنايات للأعمال التشكيلية. كي يتم مراعاة البناء الحديث وفقًا للمعايير التشكيلية.

إعادة استخدام المباني الأثرية

وفي نهاية الندوة أجاب الدكتور عماد أبوغازي على مداخلات الحضور. إذ رحب بفكرة إعادة استخدام الأماكن التاريخية، لكن بشكل لا يدمرها ولا يشوهها، كما حدث في قصر المنيل والذي لم تراع فيه طبيعة معماره ولا النباتات النادرة التي يحويها. وكذلك ما حدث عند إنشاء متحف الفن الحديث. فقد تم هدم قصر هدى شعراوي، لكنه رحب بفكرة إعادة استخدام  بيت السحيمي وبيت يكن التراثي الذي تم ترميمه واستخدم مؤخرًا كمكتبة للكتب النادرة.

كما تحدث عن ضرورة رقمنة التراث المصري بدءًا بخرائط وكتب الخطط وخريطة وصف مصر بالتحديد. بداية من وصف المقريزي لمصر وصولًا لما قدمه علي مبارك. وما بينهم من خرائط تعود للعصر الفاطمي وخلافه. وربطها بالعامل الزمني لكل فترة تاريخية وذلك بهدف تقديم رؤية للتطور الزمني لمعمار مصر.

وقال: “الأمر يحتاج لفريق بحثي كبير وتمويل ضخم لكن العائد الخاص به أكبر لأنه يساعد على معرفة التراث والحفاظ عليه والارتقاء بالذوق العام للأجيال القادمة التي تعتمد على البحث الرقمي في التعاملات”.

مبادرات فردية

وأضاف: “خلال السنوات الأخيرة لم يتم توجيه النظر حول المباني الأثرية إلا من خلال  المبادرات الفردية ثم تأتي الاستجابة الحكومية أو لا تأتي. فالمناطق التي تضم مبان سكنية حديثة وتجاورها مبان أثرية يجب أن تكون بشكل لا يسيء للأثر أو يشوهه، لأننا في النهاية لا نطالب بهدم مبنى لإخلاء منطقة ما لحساب أثر بعينه. فلا يعقل أن يؤذى البشر لحساب الحجر. لكن يجب أن يكون هناك تدخل سليم بين العمران والتراث مثلما حدث أثناء تطوير الجزء الشمالي من منطقة المعز”.

اقرأ أيضا:

عماد أبوغازي في المحاضرة الافتتاحية لـ«الرحلة»: جيل ثورة 19 تمرد على الثوابت وتجاوز الواقع

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى