د.نهلة إمام: التراث غير المادي بحاجة إلى «خزانة» لحفظه

في جلسة نقاشية امتدت على مدار نصف ساعة، تحدثت الدكتورة نهلة إمام، ممثلة مصر وخبيرة التراث الثقافي غير المادي وعضو لجنة التقييم الدولية بمنظمة اليونسكو عن مجموعة الدول العربية حول «الحكاية وما فيها.. التراث غير المادي: تطبيقاته وإحيائه»، والتي نظمتها مدرسة «خزانة» للتراث. إذ كشفت إمام عن أهمية ودور التراث غير المادي وسبل الاستفادة منه والحفاظ عليه وإتاحته للأجيال القادمة، في محاولة لرصد الحكاية وأصلها.

التراث الشعبي

في البداية وصفت د. نهلة إمام جهود بعض الشباب للاهتمام بالتراث مجددا بمثابة خطوة مضيئة. بالإضافة إلى دور مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لهذا الاهتمام. وتقول: “أرى أن هذا الجهد لم يكن لينتقل للشباب لولا هذه الجهود خاصة أنه من المعروف عن التراث اقتصاره على كبار السن أو ما يُطلق عليهم بمحبي الزمن الجميل. ولكننا نردد معا أن الجميل موجود دائما في كل زمن إذا قررنا أن نراه”.

وفسرت مصطلح “التراث غير المادي” بأنه الشيء المتوارث والموجود في مجتمعنا منذ فترة زمنية كبيرة، ويُطلق عليه أيضا بالتراث الشعبي. وعن سبب إطلاق “غير مادي” عليه لتفرقته عن التراث المادي الملموس وهو الآثار. لكن غير المادي يشمل الأفكار والعادات والمعتقدات والأغاني والحِرف.

والمقصود بالحِرف ليس قطعة النحاس أو الثوب (لأنها مادية) ولكن المقصود هي المهارة وراء تصنيع القطعة والرموز التي تحملها وطريقة انتقالها من جيل إلى آخر ومدى مشاركتنا في توارثها. خاصة أن الحرف تتمتع بأنها غير جامدة، بل متطورة ومواكبة للعصر من خلال حدود وشروط معينة.

وتقول إمام: “من المعروف عن التراث الشعبي أنه يتضمن كل ما هو متوارث، مثل: أغاني الأفراح في القرى الريفية، وأغاني إعداد الكعك والخبز، وأغاني العروس، وطرق الزراعة التقليدية، وطرق قص الأثر في الصحراء، واستخراج المياه، والحرف التقليدية للنحاس وصنع الكليم، والزجاج التقليدي اليدوي، والتطعيم بالصدف، والفخار. وكل أشكال التراث غير المادي بحاجة إلى «خزانة» لحفظها”.

ورصدت خبيرة التراث الثقافي غير المادي تجارب مصر في حفظ التراث وتوثيقه، وحفظه مع إتاحته، حتى يستطيع الجمهور الوصول إلى أغاني الأفراح في الثلاثينات على سبيل المثال، وتطورها حتى الألفينات. وتقول: “هذا يتطلب وجود أرشيف مع نسبه إلى الزمان والمكان. خاصة مع تطور الأدوات وتحويلها إلى أخرى رقمية للوصول إلى الجمهور العام”.

«خزانة» التراث غير المادي

“كيف تتم الاستفادة من التراث غير المادي؟”، أوضحت عضو منظمة اليونسكو، أن أهمية حفظ التراث غير المادي تكمن في طريقة وصوله إلى الجمهور وبدوره يساهم في ربط الناس بوطنها، فالتراث دليل على المكان وهويته.

وتضيف: عند مشاهدة قطعة فخار مغربية أو تونسية نستدل من شكلها التراثي على بلد المنشأ. كذلك قطعة النحاس أو الفخار من الممكن الاستدلال على هويتها المصرية من شكلها. وبالطبع لا نستطيع حفظها كقطعة لكن من الممكن حفظ صورتها. وقديما كان يتم ذلك بطرق تقليدية عبر صور مطبوعة في الأرشيف، ولكن مع الرقمنة نستطيع حفظها رقميا ومن خلال الضغط على الزر نرى كل أنواع الفخار على سبيل المثال في مصر.

وتوضح إمام أنه بتطور الزمن قد تشهد أنواع من “التراث غير المادي” عدم الاستخدام بصورتها التقليدية مثل شرب المياه في “القلة”. ولكن من الممكن الحفاظ على الحِرفة نفسها بتحويل “القلة” الفخار إلى كوب أو وعاء للديكور أو أي أداة أخرى للاستخدام العصري لا تبعد عن تاريخها الأصلي للحفاظ على روح التراث.

وتستكمل: يتم الحفظ أيضا من خلال الصور والفيديو والتسجيلات الصوتية وإتاحته للجميع. وعلى سبيل منهم من سيروج لها ويستخدمه في أعماله الفنية ليعرف الرداء الصعيدي والفلاحي والفرق بين العمامة لكليهما وملابس سيناء والجرجار في النوبة، كذلك الموسيقى المميزة لكل منطقة.

وتذكر أنه يتعلق بالتراث غير المادي العديد من القضايا ومنها الملكية الفكرية. إذ ترى أن التراث غير المادي يعد ملكية عامة وملك للشعب، ولا يستطيع شخص نسبه لنفسه. أو منع استخدامه. مشيرة إلى تجربة العديد من الدول في نشر تراثها خارج حدود دولتها بنجاح رغم انه أكثر حداثة، مثل نجاح الولايات المتحدة في أن تجعل الجميع يرتدون “الجينز” حتى أصغر قرية. وهذه ثقافة أمريكية. كذلك التراث يُنسب إلى المصريين بمدى درجة انتشاره واستهلاك كل المصريين له، “حين نرى على الموائد الرسمية طبق كشري وطبق فول نكون قد نجحنا في نسبه لأنفسنا”.

اليونسكو وحفظ التراث

تطرقت إمام أيضا إلى إشكالية حفظ التراث غير المادي. وتقول: “بالأساس والدستور تقع المسؤولية على عاتق وزارة الثقافة باعتبارها المعنية في جمعه وتوثيقه وإتاحته للشعب المصري. ولكننا بحاجة إلى المحافظة على روحه والمعاني والقيم الذي يحملها أكثر من الحفاظ على المنتج بشكله المادي فقط”.

وترى أن الوعي والاهتمام بهذه القضية ازداد مؤخرا خاصة مع الاعتراف الدولي به من خلال تسجيل بعضها على قوائم منظمة اليونسكو، التي وقعت عليها مصر. ومن المفترض أنه بهذا التوقيع تُلزم مصر بتطبيق المعايير الخاصة بها. مضيفة أن القائمة تسجل عليها عناصر ثقافية من كل الدول الموقعة والتي وصلت إلى حوالي 190 دولة لكن الأهم من التسجيل هو أهداف الاتفاقية في حد ذاتها.

وأشارت إلى أنه يعد التسجيل آلية من آليات الاتفاقية المعنية في جوهرها لضرورة لفت نظر الحكومات والشعب إلى أهمية هذا التراث غير المادي وضرورة صونه وحفظه. مضيفة أنه رغم ذلك تسعى مصر للتسجيل مثل باقي الدول. وتتابع: “لا أفرح بسبب التسجيل بقدر سعادتي بالحركة التي تحدث بعد التسجيل والكتابة عن التسجيل. وهذا بدوره شكل من أشكال رفع الوعي والحوار المجتمعي وعودة الاهتمام بالتراث والحاجة إلى تسجيله”.

وأضافت أنه من المفترض أن تحتفي كل دولة بما لديها من عناصر ثقافية. وعن مصر قالت إنه منذ التوقيع على الاتفاقية في عام 2005 واستمر تسجيل بعض العناصر المصرية. وكان لدينا روائع التراث والسيرة الهلالية. ومنذ عام 2016 تم تسجيل بعض الملفات بالإضافة إلى العمل على ملفات أخرى للتسجيل. وكان التسجيل العام بشكل سنوي ولكن لتقنين الوضع بعد الإقبال الشديد أعلنت المنظمة أن للدولة الواحدة عنصر تسجله كل عامين. إلا إذا تم الدخول في ملفات مشتركة مثل العمل على الممارسات المرتبطة بالنخلة مع 14 دولة عربية. ثم ملف الخط العربي بالاشتراك مع 16 دولة عربية.

وأشارت إلى الجهد الكبير والمسؤولية باعتبارها عضو في صياغة الملفين المشتركين في اللجنة المصغرة لإعداد الملفين. ووصفته بأن فكرة العمل المشترك تتضمن أن العنصر يكون موجودا بتنويعات في أكثر من دولة. وتقول: “هي فكرة جذابة بالنسبة لي، وسنقدم مناقشة قريبة أيضا خارج إطار الإقليم العربي وملف عالمي”.

مواكبة العصر

وعن استمرارية التراث، تقول إمام إنه من الممكن المحافظة عليه مع تطويره لمواكبة حياتنا اليومية. من خلال استغلال التطريز التراثي ولكن على حقيبة أو وشاح، وليس من خلال ارتداء” الجلباب” ذو التطريز التراثي. وبهذا تتم عملية إعادة الإنتاج والاستخدام ولكن بشكل آخر ضمن خطة التطوير داخل الحدود الآمنة. وضربت مثالا آخر عن الكعك بطعم “الريد فيلفت” ووصفته بأنه مذاق أجنبي دخيل نتج عنه “قطعة حلوى مشوهة”.

وحتى يتم تسمية العنصر بأنه مصري يجب أن يتم تناوله في المناسبة المخصصة له، مثل الكعك في عيد الفطر. ورغم انتشاره في كل الشعوب الإسلامية وليست العربية فقط، ولكن التفرقة من بلد إلى آخر هو طابع الاحتفال المميز. وبالحديث عن جنسيات أخرى مثل المغرب فإنهم يطلقون عليه “سيدي رمضان” ويتبعون عادة مميزة للاحتفال به. وهي تغيير كل أدوات المطبخ عبر عملية تجديد، وهي من طرق الاحتفال بالمناسبة الدينية. وكذلك في مصر يتم الاحتفال به من خلال الفانوس الذي يجب أن يحقق هدفه التقليدي وهو الإضاءة.

أصل التراث

كشفت خبيرة التراث الثقافي غير المادي أنهم غير معنيين بالنقطة الصفرية مثل تاريخ شم النسيم لمصر القديمة، إجابة على تساؤل حول أصول التراث غير المادي. وتستكمل: “حال عملنا بهذا الشكل مع كل عنصر لن يتم استكمال البحث. ولكننا نهتم بالتراث الحي حاليا لأنه قد يكون العنصر موجود قديما واختفى إذا لا يعنيني فهو ليس من تراثي. ولكن حال وجوده لكن أصوله غير متوارثة يكون عنصر غير تراثي”.

وتختتم: رغم تعدد العناصر التراثية إلا أنها تعاني من إشكالية طريقة تحديدها. وكشفت عن طريقة الحكم على العنصر باعتباره تراثي أو غير تراثي. وأنه يجب على العنصر التراثي أن يكون متوارث 3 أو 4 أجيال على الأقل، وواسع الانتشار والممارسة. وأخيرًا يكون قد انتقل شفاهيا وتمت رؤيته، وليس عن طريق وسيلة إعلامية. عدا ذلك لا يتم تصنيفه تراث ثقافي غير مادي. وعلى سبيل المثال فإن عيد الحب ليس عيدا تراثيا رغم أنه متوارث على مدار أجيال ولكن لأن الجيل الأول “الجدة” لم تحتفل به.

اقرأ أيضا

نهلة إمام: الأهم من تسجيل «اليونسكو» أن يكون لدينا أرشيف وطني كبير

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر