حوار| جمال فهمي: «الكون في فوضى عارمة»

تتواصل حتى 5 نوفمبر المقبل، فعاليات المعرض الفني للكاتب الصحفي والفنان التشكيلي جمال فهمي، تحت عنوان «العالم في فوضاه» بقاعة جاليري بيكاسو بالزمالك. يقول فهمي إنه يحاول في هذا المعرض أن يستوحي شيئا من جمال الفوضى الكونية وأنها مجرد محاولة.. «باب مصر» أجري معه حوارا للتعرف على دهاليز الفن من وجهة نظره على هامش افتتاح المعرض.

لماذا عملت بالصحافة برغم من دراستك الفنون الجميلة؟

درست فنون جميلة وحقوق واقتصاد، إلا أنى لم احترف الفن التشكيلي منذ البداية. وذلك لأني أحببت الصحافة والكتابة، فالقراءة تقريبًا كل حياتي. فوجدت نفسي في مهنة أعشقها وهي الصحافة، حتى وإن كنت الآن محرومًا منها إلا أنها تستهويني.

أما الجزء الفني فهو الجزء المتعلق بهوايتي وميلي وذوقي الشخصي للفن التشكيلي، الذي بدأت احترافه منذ فترة قصيرة تقارب 6 سنوات، بالطبع كان الرسم دائما معي طيلة حياتي. فقد كنت ارسم اسكتشات لإشباع هوايتي، لكن لم تكن للعرض العام.

ولماذا اتجهت إلى احتراف الفن في الفترة الأخيرة؟

مع التدهور الرهيب والمحزن في حال الصحافة والإعلام بشكل عام في مصر. أصبح الوضع غريب علي، فالمهنة باتت غير المهنة التي نعرفها. فقد أصبحت أصولها وقواعدها وأخلاقها غير موجودة، وخاصة في ظل ظهور وسائل الاتصال الحديثة والميديا الإلكترونية. لذا اعتبرت أنني “طردت من مجال الصحافة والكتابة”، وتولد بداخلي نوع من الاحتجاج على ما آلت إليه الصحافة. واتجهت لأعوض ذلك بالعودة لشغفي بالفن التشكيلي، خاصة أنه أصبح لدي وقت فراغ الآن.

هل هناك ما يمكن أن تعبر به بالرسم بديلًا عن الكتابة؟

أرى أن التعبير بالكتابة أقوى فهي المهنة التي قضيت فيها حياتي، لكن التعبير عن الشعور بالرسم والفن التشكيلي هو شيء هام. وأنا مذهبي في الفن يتمثل في أنني أراه ليس وسيلة للتعبير السياسي. بل أرى أن الرسالة الأصلية للفن تتمثل في إظهار وإيصال الجمال والمتعة للمتلقي.

أيها تفضل في توصيل رسالة ما لوحة فنية أم مقال صحفي؟

المقال الصحفي طبعًا فهو لا يمكن تعويضه، فهو “العمدة” للتعبير عن الرأي في القضايا الراهنة والحاضرة، وبالطبع الرسم لا يصلح بديلًا أو تعويضًا عن الكتابة والكلام.

وبالرغم من أن هناك لوحات لكبار الفنانين اشتهرت كونها عبرت عن قضايا هامة، مثل لوحة جرينيكا التي رسمها الفنان العالمي بيكاسو إبان الحرب الأهلية الإسبانية. إلا أن التعبير عن القضايا من خلال الكتابة  أقوى كثيرًا من التعبير برسم اللوحات.

“العالم في فوضاه” عنوان معرضك الأخير.. هل تختار العنوان أولا أم اللوحات التي تفرض عليك اسم المعرض؟

في الحقيقة اللوحات هي التي تختار اسم المعرض وتفرضه. وهناك الآن اتجاه عالمي في الفن التشكيلي يرفض وضع اسم على اللوحة. وبالنسبة لي بعد اكتمال مجوعتي الفنية من اللوحات، اختار الاسم المناسب لجميعهم ويضمهم.

أما عن اسم المعرض “العالم في فوضاه”، هناك خطأ بسيط في الاسم فقد كنت أقصد “الكون في فوضاه” وليس العالم. حيث يمثل العالم الكوكب الذي نعيش فيه، وهو جزء من الكون الكبير.

هل ترى أن الكون في حالة فوضى عارمة، وكيف يولد التنظيم من رحم الفوضى؟

عندما نتأمل في حال الكون من حولنا يبدو بالفعل في فوضى عارمة. وهناك تنوع لا حصر له، ونحن جزء أو قطرة في المحيط من هذا الكون، وبالتأمل نجد أننا نعيش مشاكل وصراعات وقضايا دخل الكوكب أو العالم الذي نعيش فيه.

لكن في المرحلة الثانية من تأملنا للكون، نكتشف أن تلك الفوضى العارمة، تكون منتظمة ضمن إطار محكم للغاية، في نظام شديد الصرامة. ولوهلة فكرت أن تلك اللوحة الفوضوية الهائلة هي سر جمال هذا الكون، وعبقرية الخالق، ومصدر للتنوع والجمال.

استخدمت العديد من الخامات الغريبة بعض الشيء داخل اللوحة مثل الرمال والحصى، فهل المقصود هنا إظهار فوضى الكون أم هو أسلوب فني؟

أنا مشغول جدًا طول الوقت بالتجريب، في محاولة كي استوحي قدرة الخالق عز وجل في صنع هذا الكون. ولدي هاجس دائم في أن أجرب أشياء جديدة، وأن أخلق أساليب وأشكال جديدة ومختلفة. وبالفعل استخدمت في معرضي العديد من الخامات الجديدة والمختلفة. بعضها قد يكون نادرا كي يستخدم في اللوحات مثل الرمل والحصى الذي قد يستخدم في إطار محدود. لكني استخدمته وبجانبه الألوان والأصباغ داخل بعض اللوحات.

استخدمت أيضًا في لوحاتي الألوان الزيتية والأصباغ وألوان الأكريلك. وكنت استخدم كل ذلك في بعض اللوحات، وأعتقد أنا هذا نوع من الشجاعة والتجريب، في محاولة لإنتاج أعمال تتمتع بالجمال، وتمثل وتشبه الكون في عناصره المتعددة التي لا تنضب، فحجم تنوع الكون بألوانه وأشكاله وخاماته لا يمكن استيعابه.

هل ترى خطورة على الفن التشكيلي من وجود وسائل التصوير الحديثة الآن والمتوافرة بكثرة في أيدي الجميع؟

عندما ظهر اختراع الكاميرا، تنبه لذلك بعض الفنانين التشكيليين الكبار الرواد، واللذين اعتبروا أن ما يقومون به من رسم الأشكال الطبيعية وتقليدها من مناظر وأشخاص سيؤثر عليه ظهور الكاميرا وأن الفن سيموت. حيث إن الكاميرا ستقوم بتصوير تلك الأشياء بسهولة. وهو ما جعل الرسام الفرنسي العالمي إدوار مانيه يقول: “إن الإنقاذ الحقيقي للفن التشكيلي أن يتحرر من الحالة الراهنة ويدخل إلى الخيال الجامح”.

لذا فجميع الجاليريهات الأوربية والعالمية لا يوجد بها الآن اللوحات التقليدية التي تصور جسد الإنسان. وأصبح الأساس الآن تقليد الكون في حواره الدائم ما بين الألوان والأشكال والكتل في تنوعها الهائل الرهيب. وهذة النظرية هي سر تسمية معرضي الأخير “الكون في فوضاه”.

في معرضك “إطار أبيض” قولت إننا نتسلح بالأمل والإرادة والرضا ونحن نعيش هذه الحياة، هل يمكن استمرار التسلح بالأمل في ظل هذه الفوضى الكونية العارمة؟

بالفعل فأنا أدعو إلى الأمل حتى تتغير الفوضى. حيث نتخلص من كل ما ينغص حياتنا، وهو ما أدعو له في معرضي هذا، فعندما نرى أنفسنا محصورين داخل الكون مع أزماتنا ومعاناتنا، وما نعاني منه من حروب واستغلال للبشر، وانعدام الحريات أو التضييق عليها، نرى الصورة سوداء.

لكن عندما ننظر للكون ككل وما به من تنوع هائل. قد نرى قدر كبير من الأمل، من هنا يمكنني القول أن هذا المعرض يشير إلى الأمل المغلف بالجمال.

هل على المجتمع أن يتقبل الفجوة بين مستوى ذوق الفنان الرفيع وبين الذوق العادي؟

من حيث المبدأ وفي نظري هناك قضية مسلم بها. هو أنه لا يوجد إنسان لا يستطيع أن يستوعب الجمال ويتذوقه. وعندما يتاح لأي إنسان فرصة للتعليم الجيد والثقافة الرفيعة وأن يرى الجمال بعيدًا عن العشوائية والفوضى. تكون قدرته على استقبال كل ما هو جميل أعلى بالطبع، من الشخص المحروم من كل هذا. فإذا كان شخص يعيش في بلد تقطع بها الأشجار، فماذا نطلب منه أن يستوعب، وقد انحصرت ثقافته البصرية في القبح وكل الأشياء البغيضة.

قد تكون بالفعل المدرسة الفنية التي انتمي لها مدرسة نخبوية، يتذوقها بالفعل النخبة. لكن يعود مقدار اتساع تلك النخبة المتذوقة إلى المجتمع الذي تعيش فيه. فكل ما تطور المجتمع زاد حجم النخبة القادرة على تذوق الفنون الرفيعة من فن وموسيقى وغيرها. وبالطبع مجتمعاتنا لا تزال متأخرة في منح تلك الحقوق لأفرادها، لذا يظل حجم النخبة لدينا أقل.

لكن هناك لوحات بالفعل يصعب فهمها أو تفسيرها على المتلقي العادي؟

أرى أنه ليس من أجل رفع شعار الشعبية، أن نطلب من المبدعين الكف من أن يصنعوا إبداعاتهم الراقية والحديثة والمختلفة، التي تناسب متلقي أفضل من الموجود. فهو نوع من التبشير بالجمال وواجبهم نحو المجتمع، حتى وإن لم يكن هناك جمهور متسع لذلك. وأرى أن محاولة البعض السؤال عما يقصده الفنان من اللوحة، هو سؤال خطأ. وأعتقد أن السؤال الصحيح هو هل هي لوحة جميلة أم لا، وعلى المتلقي ألا يفكر في معنى اللوحة بل ينظر إلى الكتل والألوان.

وأنا عادة عندما يسألني أحد عن معنى لوحة ما في معرضي أقول: “ولا ليها أي معنى”. ثم اسأله أنا السؤال الأساسي “هي حلوة ولا لأ من وجهة نظرك؟”. فليس من الضروري أن يكون لها تفسير، فاللوحة ليست مقال في جريدة يمكن لكاتبه شرح المقصود منه. ودائما ما أشير إلى أنه إذا ما سألت أي فنان عن معنى لوحة من النوعية التي أرسمها وأجاب فهو كاذب. لأن المعنى الوحيد والأساسي لأي لوحة من وجهة نظري هو أن تكون اللوحة قادرة على إيصال الشعور بالجمال.

للكاتبة والشاعرة النسوية الأمريكية أودري لورد تعبير “رعاية الذات ليست تدليلًا لها وإنما حفاظًا عليها وهو بمثابة نضال سياسي”، هل يصدق هذا التعبير على جمال فهمي، الذي قال إن التشكيل كان مؤجلًا منذ ما يزيد عن ربع قرن، وأن هذا المشروع يمثل عودة إلى عشقه وحبه للفن؟

لم أفكر في أن عودتي للفن هو نوع من التدليل، وبالطبع نحن دائما في نضال، حتى لو على الصعيد الشخصي. لكنه النضال الخاص بقضايا المجتمع والإنسانية، وبالطبع هو أعظم وأكبر بكثير من تدليل الذات.

يقول كلفورد جريتس في كتابه “الفن نسقًا ثقافيا”: “ينظر للفن على أنه نشاط اجتماعي وبالطبع الفنان عضو في المجتمع يتفاعل معه ويشارك في تجربته وخبرته البصرية وأدواته المعرفية والثقافية، وهو ما يعني أن نظرية الفن هي نفسها نظرية في الثقافة وإذا كان هناك نظرية دلالية للفن فينبغي أن تتبع حركة المجتمع.. لماذا وأنت تنتمي سياسيا لخلفية ناصرية تلجأ إلى أسلوب يجمع بين التجريدية والتأثيرية دون الواقعية مثلًا؟

أنا استخدم في لوحاتي أسلوب أحدث من التجريدية والتأثيرية، وأكثر تجريدا وإنسانية، وأرى أن أي شخص يدعى الثورية سواء كان مناضل أو سياسي أو كاتب أو فنان. يجب أن يكون إنساني النزعة في الأساس، وبالتالي يكون لديه القدرة على التعاطف مع معاناة أي بشر داخل أي مجتمع، وبدون تلك النزعة لا يصلح أن يكون مناضل على أي صعيد.

أما موقفي السياسي يتلخص في أن ما أطلبه لمجتمعي أطلبه لكل البشر، لذا فلا أرى أي تعارض فيما أرسمه وبين خلفيتي السياسية، حتى وإن كان ينظر لطريقة رسمي أو النزعة الإنسانية على أنها “طريقة خواجاتي”، فهذه نظرة سطحية، قليلة التهذيب فليس هناك ما يوصف به بـ”الخواجاتي” أو المستورد. فهي نظرة تنطوي على احتقار الذات وكأننا أقل من أن نفهم أو نستوعب الجمال مثل الخواجات، وتستبطن أيضًا نوع من العنصرية، وكأنها أن لم تكن شعبية فهي تعد ترف، مثل الجمال والعدل والاشتراكية وغيرها من حقوق مثل التعبير عن الرأي والحق في الصحة والتعليم.

اقرأ أيضا

«حي القاهرة الدولي للفنون»: مغامرات فنية في وسط البلد

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى