متابعات وتغطيات

حسن عبدالموجود: كتابي القادم عن البشر والسحالي

الكتابة لدي حسن عبدالموجود (1976) هي نوع من المواجهة، مواجهة كابوسية العالم، عبر السخرية منه، أبطاله دائما شخصيات هامشية، عابرة، لكنه يحررها من هامشيتها لتصبح هي قلب العالم الذي يستحق الكتابة.

المكان أسطوري، مؤسسات متخيلة تسحق الفرد، كأنها تنتمي إلى عوالم كافكا، مثلما يستيقظ بطل كافكا ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة، فإن بطل حسن عبدالموجود يتحول عندما ينام إلى قطة.

أسطورة ريفية قديمة منتشرة في الصعيد يستخدمها حسن لبناء أولى رواياته “عين القط”، رغم أن عبدالموجود أصدر روايتين، إلا أنه يعتبر نفسه ضيفا على الرواية، بل إنه يعتبر أن قصة قصيرة واحدة قادرة على مضاهاة رواية عظيمة، بكل لعبها وخيالها وأفكارها وشوارعها ومبانيها وأبطالها وتقاطعات مصائرهم.

مؤخرا حصل عبدالموجود على جائزة يوسف إدريس في القصة القصيرة عن مجموعته “حروب فاتنة”، الصادرة عن الكتب خان، وهي المجموعة الثالثة بعد “ساق وحيدة”، و”السهو والخطأ”، بمناسبة الجائزة التقيناه في حوار حول مشروعه الأدبي، وكتاباته القادمة:

 ماذا يعنى لك يوسف إدريس إبداعيا.. وقد اقترن اسمك به بعد الفوز بجائزة تحمل اسمه؟

يوسف إدريس هو منبع النهر، بينما نحن – كتّاب القصة – مياه الأمطار، والأفرع الصغيرة، التي تغذّى ذلك النهر، وتعيد إليه شبابه، وتساعده على شق طريقه إلى ما لا نهاية. كنت أرى صور يوسف إدريس – في بداياتي – وأتخيل أن الكاتب يجب أن يكون مثله، أنيقاً، ووسيماً، وصاحب كاريزما، حتى لو كان يطل عليك من ورق جرائد، رحل إدريس فى بداية التسعينيات، بينما كنت أبدأ، ووجدت الجميع في مسقط رأسي، نجع حمادي. يقول لى: اقرأ يحيى الطاهر عبدالله، يحيى الأفضل، يحيى الأهم، يحيى أبوك وأبونا جميعاً، وانجذبت إليه، انجذبت إلى لغته التي تبدو كلغة الأغاني، والموسيقى الجميلة، لكنني بعد أن كبرتُ قليلاً وبدأت قراءة يوسف إدريس تأكدت أنه الأقرب لي، وهو بخلاف لغته البسيطة الجميلة المكثفة. لديه قدرة لا يخطئها أحد على تقديم الناس العاديين كأنهم مسحورون، أو كأنه مسّهم بجنونه وشطحه، فقد كانت لديه قدرة على أن يرى ما لا يستطيع أحد رؤيته فيهم، إذ أننا نراهم أقل من أن يصبحوا أبطالاً لأعمال أدبية، ولكنه حين يكتبهم يخلع عنهم قشرة البساطة لنرى أسفلها أشخاصاً شديدي التعقيد. أحبُ يحيى الطاهر عبدالله، وكان محطة مهمة في حياتي، لدرجة أنني كنت أحفظ قصصي، وأغنّيها أمام الناس مثله، كنت اكتب القصة على طريقة قصته “أنا وهى وزهور العالم”، لكنني أصبحت أكثر ميلاً إلى يوسف إدريس، الذي لم تعجبني قصته “نظرة” حينما درستها في الإعدادية، لكنها أصبحت ضمن قصصي المفضلة فيما بعد حين أعدت قراءتها في مجموعته “أرخص ليالى”.

لماذا تعتبر نفسك ضيفا على الرواية؟

قررت ألا أعود إلى الرواية إلا من الباب الكبير، لا يمكن أن تكتب الرواية ليقولوا عنك إنك روائى. لو عاد بي الزمن سأعيد كتابة “عين القط” مرة أخرى، كان يمكن أن تصبح أفضل، كان يمكن أن تصبح واحدة من أهم الأعمال الروائية المصرية، وأكره “ناصية باتا”، فهي لا تذكرني إلا بتعجلي، وأفكر في حذف بعض صفحاتها، وإعادة طبعها مرة ثانية قريباً.

ولكن ألا تشعر بحنين إلى الرواية.. أم وجدت غايتك الفنية في القصة؟

منذ عامين أو يزيد، بدأت العمل على رواية تاريخية، وهذه المدة قضيتها في البحث عن مراجع تخص الفترة التاريخية وشخصياتها وملابسها ولهجتها وشكل بيوتها وأثاث بيوتها وشوارعها وأمثالها.. إلخ.

كنت أعمل في خطين متوازيين، أقوم بالبحث، والقراءة، وجمع المادة، وتدوين الملاحظات، لكنى في نفس الوقت كنت اكتب قصص “حروب فاتنة” وأركز فيها بالقدر الذي تستحقه كتابة قصة لديها طموح كبير. وبرغم بحثي الطويل عن مادة الرواية التاريخية إلا أنى لم أبدأ كتابتها، ولا أظن أن ذلك سيحدث قريباً، كما أنني ركنت قصصاً بعد أن بدأت العمل عليها منذ فترة، وكانت ستصدر بعنوان “ماموجرام” إذ وجدت أنها ستصبح امتداداً لعالم “حروب فاتنة”. وقررت كتابة عمل جديد، مزيج من القصة والرواية والسيرة الذاتية والتأمل والنص المفتوح بعنوان “بشر وسحالي” وهو يدور في عالم القرية، لكنها ليست قرية “عين القط” ولا لغتها. أعود إلى القرية بعد ابتعاد لأكثر من أربعين عاما، وبخبرة كتابة وحياة أكبر، تمكنني من محاولة فهم – أو هكذا آمل – العالم الذي كنت أعتقد أنه لا يوجد غيره على الأرض.

في نصوصك الأخيرة ولع باللغة حتى تبدو وكأنها هم رئيسي في تجربتك، لكنك لا تهمل في الوقت ذاته “الفكرة” كيف استطعت أن تحقق التوازن بينهما؟

أهملت “الفكرة” كثيراً، ربما لحداثة سني، وقلة خبرتي، سواء في الحياة أو الكتابة، ثم توقفت فجأة – بعد عدد من الأعمال – وسألت نفسى: ما الذي تريده من الكتابة؟، هل تريد أن تصبح كاتباً والسلام؟، الكتابة ليست للتسلية، ولا لشغل وقت الفراغ، ولكنها عالمي ومتعتي، وأريد ألا أكون مجرد شخص عابر، وإنما كاتب يترك لابنته ما يمكنها أن تفخر به يوماً ما.

لم يكن لدىّ سوى اللغة، وعلاقتي بها تحتاج إلى شرح طويل، لكنها عموماً تبدو كالعجينة، أشكلها بطريقة ما فتصبح تمثالاً قد يعجبني، لكنى في الصباح أسأل نفسي بانزعاج: ما هذا الشىء القبيح الذي ارتكبته؟، ثم أعود إلى تكوير التمثال وأشكله من جديد، وهكذا على مدار خمسة وعشرين عاماً. لكنني منذ مجموعتي “السهو والخطأ” لم تعد لي نفس النظرة العدائية إلى لغتي، أصبحتُ أكثر تصالحاً معها وإن كنت أعرف أنني لن أرضى عنها بشكل كامل إلى آخر لحظة من حياتي.

ومنذ “السهو والخطأ” كذلك بدا لي أن عجينة الكتابة صارت أكثر تماسكاً عندي، فقد وصلتُ إلى مقاديري الخاصة، لغة، وفكرة، وتأملاً، وحكاية أحاول أن تكون ممتعة. فلا ضرورة لأن نكتب لو أن أعمالنا خلت من المتعة، فهناك كتابات تبدو شديدة الاحترافية لكنك لا تستطيع أن تكمل فيها بضع صفحات، لقد بدا لي الأمر – وأنا أقرأ كثيراً منها – وكأنني مقبل على تناول  الآيس كريم، لكنه حين يصل فمي يبدو طعمه كريهاً، كأنه معجون حلاقة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى