حكاوي

حاتم حافظ يكتب: 100 عام من الحركة النسائية.. ما الذي تحقق؟

ككل الحركات النسائية في العالم، ولدت الحركة النسائية المصرية من رحم الحركة الوطنية. فما أن تشكّل الوفد المصري الذي مانعت سلطة الاحتلال الإنجليزي سفره إلى مؤتمر باريس لعرض المطالب الوطنية حتى تشكلت اللجنة النسائية للوفد لدعمه ودعم الحركة الوطنية. وأسهمت تلك اللجنة في كثير من النشاطات الثورية التي شهدها العام 1919، ولعلنا كلنا نذكر مشاهد المظاهرات النسائية التي صاحبت هذا الحراك والتي تضمنتها أية مادة فيلمية خاصة بتلك الفترة، سواء الأفلام الوثائقية أو الدرامية.

تأسيس الاتحاد النسائي

وفي عام 1923 – سنة تأسيس الدستور المصري – تشكل الاتحاد النسائي المصري من بعض قيادات لجنة الوفد النسائية وكانت مؤسسته الرائدة النسائية العظيمة هدى شعراوي، والتي تم اختيارها لتصبح نائب رئيس الاتحاد النسائي العالمي؛ ما يدلل على القوة المعنوية للاتحاد النسائي المصري وقتئذ. المهم أن الحركة النسائية – ممثلة في الاتحاد النسائي – ورغم تركيزها على حقوق النساء فإنها لم تنفصل يوما عن القضايا الكبرى للوطنية للمصرية، لأنها آمنت منذ البداية بأن تحرير النساء هو جوهر تحرير الوطن، لأن كل امرأة حرة قادرة على صناعة أبناء أحرار. ولعل هذا كان السبب خلف معارضة السلطة الإنجليزية للاتحاد النسائي سواء في مستعمرات بريطانيا العظمى أو حتى في إنجلترا نفسها.

بالطبع سبقت لجنة الوفد النسائية – والاتحاد النسائي المصري – جهود كبيرة في السياق نفسه، وهذا طبيعي لأن ثورة 19 نفسها لم تكن إلا خطوة في سياق طويل من النشاط التحرري. وإن كانت قد فجرت كل طاقات العمل الثوري لدى المصريين سياسة وفنا وفكرا وثقافة، ولا نكون ضيقي الأفق إذ نقول إن العنوان الأكبر للطرق المؤدية لهذه الثورة كان التحرر من الدولة العثمانية وتخلفها وأيضا التحرر من الاستعمار الإنجليزي. وليس أدل على ذلك من أن نشاط تمصير مصر صاحَب كل فعل سياسي أو ثقافي أو فني في تلك الفترة، لأن تمصير مصر أو إعادة اكتشاف مصرية مصر كان معناه القطيعة مع الأتراك والإنجليز، مع الشرق والغرب، وخلق شخصية مصرية باكتشاف جذورها، دون أن تعني هذه القطيعة مع الأتراك التخلي عن الدين ودون أن تعني القطيعة مع الإنجليز تجاهل أسباب التحضر وسبله.

هدى شعراوي
هدى شعراوي
مطالب الاتحاد

في هذا السياق يهمنا الإشارة إلى أن الجهود التي سبقت الاتحاد النسائي قام بها رجال دين ومصلحون اجتماعيون، مثل الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ الإمام محمد عبده وأيضا المصلح الاجتماعي الكبير قاسم أمين، والذي من المرجح أن يكون كتابه الرائد تحرير المرأة جهدا مشتركا بينه وبين الإمام محمد عبده. وهذه نقطة مهمة لأن المطالب التي تقدم بها الاتحاد النسائي ودافع عنها كانت مدعومة برجال دين إصلاحيين مثل الإمام محمد عبده. فماذا طالب الاتحاد النسائي؟

حدد الاتحاد النسائي مطالبه في عدة نقاط وظل لسنوات يلح على تقديمها لكل حكومة تتولى حكم البلاد، وهذه المطالب على النحو التالي:

  • مساواة البنات بالبنين في التعليم. وقبلها كان التعليم في المدارس العليا مقتصرا على الأولاد. (بالمناسبة إتاحة التعليم الابتدائي للبنات تم بفضل الشيخ رفاعة الطهطاوي) وهو المطلب الوحيد تقريبا الذي تحقق في سنوات إدارة هدى شعراوي للاتحاد النسائي، فما أن انتصف عقد الثلاثينيات حتى احتفل الاتحاد النسائي بأول طيارة مصرية: السيدة لطفية النادي، وما أن أوشك العقد على الانتهاء حتى احتفلت الحركة النسائية بتخرج بضعة نساء من كليات الطب والحقوق والآداب.
  • مساواة النساء بالرجال في الحقوق الدستورية. وبدأ هذا المطلب باحتجاج على تجاهل تمثيل النساء في دستور 1923 الذي كان انتصارا بفضل الحركة الوطنية كلها والتي شاركت فيها النساء بقدر متساو مع الرجال. وهذا المطلب تحقق تدريجيا وببطء لكنه احتاج لقرار شجاع من عبدالناصر بداية الخمسينيات لمنح النساء حق التمثيل النيابي في البرلمان.
  • منع زواج الأطفال ورفع سن زواج البنات إلى 16 عاما. ورغم أن القانون صدر بالفعل بعدها بسنوات فإن المذكرة التفسيرية مَحَته تماما، حيث إن القانون وضع مسألة تحديد سن البنت عند عقد القران في يد ولي أمرها الذي كان يمكنه شفهيا القَسَم بأن ابنته في سن قانوني للزواج! وتم زيادة سن زواج البنات إلى 18 عاما فيما بعد، وكانت هناك محاولة من بعض النائبات في السنوات الأخيرة لرفعه إلى سن 21 سنة، لكن فشلن في تمريره بسبب المتشددين.
  • منع تعدد الزوجات إلا لأسباب منها عدم قدرة الزوجة الأولى على الإنجاب أو مرضها مرضا يعوقها عن أداء مهامها كزوجة (وليس المقصود بتلك المهام الجنس بالمناسبة). ولاقى هذا المطلب تعنت كثير من الحكومات التي خافت من المتشددين الذين تحججوا بأن ذلك يحرم حلالا، رغم أن القانون المدني لا يحلل ولا يحرم ولا ينشغل بالحلال والحرام، ورغم أن هذا المطلب دعمه الإمام محمد عبده الذي لم يتزوج إلا بعد وفاة زوجته الأولى. وكان الرأي الغالب وقتها أن هذه “العادة” في طريقها للاختفاء وأن تردي الأحوال المعيشية سوف ينهي وجودها. لكن الحقيقة أن الاتحاد النسائي كان له تحفظات على هذا الرأي، فمن جهة فإن تأجيل إقرار هذا القانون سوف يجعل من معاناة النساء معاناة مستمرة، ومن جهة فإن الحاصل تراجع الطبقات العليا (التي لا تعاني من ضيق الحال بالطبع) عن عادة تعدد الزوجات مع استمرار انتشارها بين الطبقات الدنيا والفقيرة، وهو ما يعني أن معاناة الزوجات هي معاناة مضاعفة بالتأكيد. ورغم كل الحجج الذي ساقتها الرائدات النسويات وداعموها من المصلحين تأجلت الاستجابة لهذا المطلب إلى اليوم. (لكن يمكننا تقدير شجاعة هذا المطلب في وقت مبكر خصوصا وأن الكلام فيه هذه الأيام يقابل بهجوم شرس من الرجعيين).
  • عدم وقوع الطلاق إلا أمام القاضي الشرعي. (وأظن أن معركة دارت بين الرئيس السيسي وبين شيخ الأزهر بعد مطالبة السيسي بعدم الاعتداد بالطلاق إلا بمحرر رسمي). هذا المطلب لم يتحقق أيضا بسبب تعنت الحكومات المرتجفة من المتشددين. كما وقف أحمد الطيب – شيخ الأزهر – من رغبة الرئيس موقفا شديد الرجعية وسوف يسجل له في التاريخ أنه عارض كل إصلاح ممكن.
  • رفع سن الحضانة واستند هذا المطلب لفقه الإمام أبوحنيفة الذي وضع سن الحضانة للذكر حتى يبلغ وللأنثى حتى تتزوج! ورغم وجود تشريع ديني فإن هذا المطلب لم يتحقق وحُرمت آلاف الأمهات من أبنائهن.

الخلاصة أن الحركة النسائية المصرية كانت مدعومة برجال دين إصلاحيين وبمثقفين إصلاحيين (قَبِل لطفي السيد وطه حسين وعلي إبراهيم باشا التحاق بنات بكلية الآداب دون إطلاع الحكومة بحيلة لغوية حيث كانت اللائحة تنص على قبول “المصريين” فقال طه حسين إن كلمة المصريين تنطبق على المذكر والمؤنث) وأيضا بطبقة الإقطاعيين الموسرين، فقد كان رواد الإصلاح جميعهم تقريبا من أبناء تلك الطبقة الذين اتصلوا بأوروبا سواء بالدراسة أو بالثقافة، فلا يمكن تجاهل فضل الأمير يوسف كامل في تأسيس مدرسة الفنون الجميلة أو فضل الأميرة فاطمة إسماعيل في تأسيس جامعة القاهرة مثلا.

درية شفيق مع سيزا نبراوي
معوقات الإصلاح

وعلى الجانب الآخر يمكننا رصد معوقات تلك الإصلاحات (سواء في حينها أو الآن) في النقاط التالية:

  • خذل السياسيون الحركة النسائية مرات، بداية من زعيم الوطنية المصرية سعد باشا زغلول الذي رغم اعترافه بفضل الحركة النسائية في دعم مشروعه الوطني فإنه كسياسي كان يميل لجانب المحافظين خشية إثارة العواطف الدينية للعوام. (حدث ذلك أيضا حين تخلى عن طه حسين في أزمة كتاب الشعر الجاهلي). والغريب أن السياسيين الذين استجابوا لبعض مطالب الحركة النسائية لم يأتوا بانتخابات ديمقراطية: عبد الناصر كمثال.
  • الرجعيون سواء على أرضية دينية أو على أرضية ثقافية. ومثّل هؤلاء التيار الديني الأصولي وبخاصة مشايخ الأزهر، إضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأيضا التيار المنحاز لتركيا باعتبارها مقر الخلافة الإسلامية (رغم إلغاء الخلافة على يد أتاتورك). وهو تيار مستمر حتى الآن في معاندة كل تجديد وكل إصلاح سواء في الحركة السلفية أو في مؤسسة الأزهر.
  • مستوى التعليم. ففي الفترات التي توسعت مصر في تقديم تعليم جيد تشكلت طبقة وسطى من المثقفين الإصلاحيين مثل طه حسين، وفي هذه الفترات كان التعليم مهما في إضافة أنصار للتجديد والإصلاح، واستمر ذلك ربما لجيل الستينيات (الذين تلقوا تعليمهم في الأربعينيات والخمسنييات) حيث كانوا طليعة الإصلاحيين الذين استجابوا لخطط يوليو التحديثية. لكن للأسف بتراجع التعليم الجيد بداية من الستينيات ربما بسبب التوسع فيه دون خطط حقيقية وتدرجية انسحب التعليم من أن يكون عاملا له وزنه في توسعة نطاق الإصلاحيين أو المؤيدين للإصلاح، وتحولت جيوش المتعلمين وخريجين الجامعات إلى رصيد مضاف للرجعية الدينية والثقافية.
  • تفكك طبقة الإقطاعيين والطبقة الوسطى الزراعية أدى إلى غياب المصلح الاجتماعي الذي يمكنه تحدي التيار العام دون خوف. يمكن المقارنة مثلا بين قاسم أمين أو هدى شعراوي أو لطفي السيد أو غيرهم وبين المثقفين الإصلاحيين الذين لا يمكنهم خوض معاركهم دون خوف الفصل من العمل أو الملاحقة القانونية أو التهديد بالفقر لأنهم غير محميين لا بطبقة اجتماعية ولا بثروة ولا بنفوذ!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى