«تقاليد العمران»: كيف يمكن تحديد هوية الأمة؟

«تحضير الشعوب» كان محور الحديث الذي دار خلال ندوة أقيمت بمكتبة مصر العامة لمناقشة كتاب “تقاليد العمران.. بين الواقع والمتخيل”، والذي صدر مؤخرًا عن دار العين للنشر للدكتور نزار الصياد، أستاذ التخطيط العمراني وتاريخ المدن بجامعة كاليفورنيا بيركلي، وقد أدارت الندوة فاطمة البودي، مديرة دار العين للنشر.

الدولة القومية

يقول الدكتور نزار الصياد، أستاذ تاريخ المدن بجامعة كاليفورنيا بيركلي: “إن عملية الاستعمار قد صاحبتها عملية أخرى لتطهير المجتمع الشرقي من أفكاره المتوارثة. إذ أدعى المستعمر أن هدفه هو تحرير الشعوب، واعتبر أنه في مهمة إنسانية لتحقيق رقي للشعوب “كان ذلك مثلًا عندما جاء نابليون إلى مصر بحجة تحرير المصريين من بطش المماليك، وعندما استعمرت فرنسا أيضًا واحتلت أجزاء كبيرة من المغرب العربي”.

وويضيف، العلاقة بين السلطات الاستعمارية والمستعمرين وصلت إلى ذروة الأمر، عندما لجأت السلطات الاستعمارية لفكرة رمزية السلطة: “لا أتحدث فقط عن الفن، والعمارة والعمران، بل على المؤسسات التي خلفها الاستعمار، والتي تحكمت في صناعة العمران بصورة كبيرة”.

وتابع: هناك رؤى معمارية تقول إن الأفكار جميعا تنبع من باريس. ثم تهبط بعد ذلك إلى دول شمال إفريقيا، التي كانت بداخلها مستعمرات فرنسية، ثم تهبط بعد ذلك إلى دول إفريقيا الواقعة في الجنوب. لكن عندما جاءت حركة التحرير من الاستعمار التي أرادتها تلك الشعوب، وقفت الشعوب وأخذت بعض الأنماط التنظيمية من المستعمر، والتي لم تكن موجودة أصلًا. وهي فكرة الدولة والقومية، والوطنية، وهي أفكار ورثناها ونشأت في أوروبا خلال نهاية القرن الـ18 وبداية القرن الـ19.

وقد غيرت من شكل الدول والإمبراطوريات في أوروبا تحديدًا، وسمحت لبعض الدول باحتلال الكثير من البلدان تحت شعار القومية. إذ كانت النتيجة في دول العالم الثالث هو أن قيادات الحركات الثورية، استطاعوا إخماد معظم الخلافات العرقية والدينية، وتوحيد معظم فئات الشعب للحصول على فكرة الاستقلال. لكن بعد الاستقلال لم يكن ذلك كافيًا. فقد أدرك سكان الدول القومية الجديدة بالحيز الجديد، وأدركوا أنهم لا يشتركون في دولة واحدة، ولا يشتركون في دين أو تاريخ واحد.

جانب من النقاش
جانب من النقاش
مستعمر واحد

واستطرد: السمة الرئيسية التي كانت موجودة ببينهم هي أنهم تم احتلالهم من جانب مستعمر واحد، وقد شاهدنا هذا الأمر مثلًا في دولة مثل الهند، فعندما أرادت الاستقلال عن بريطانيا، تم تقسيمها إلى الهند وباكستان، وعندما أرادت أيضًا باكستان الانفصال، أراد البعض السكان من تقسيمها لـ”باكستان الشرقية والغربية”.

ثم بعد حوالي 15 عامًا قررت باكستان الشرقية أن تصبح “بنجلاديش”، وانفصلت عن باكستان كدولة؛ ولازالت الأزمة مستمرة خلال الوقت الراهن حيث إن هناك أزمة بين الهند وباكستان حول إقليم كشمير. وهنا شعرت الكثير من هذه الجماعات بالرغبة في الانفصال والتفكك عندما تبين أن حقيقة انتمائهم متوقفة على العرق والدين، أو القبلية وليس الدولة القومية.

وذكر الصياد أنه من الناحية المعمارية لم يأت عصر الاستقلال بالكثير من شكل المدن والعمران، لأن معظم هذه الدول (دول الجنوب)، ورثت تنظيمات وقوانين منظمة للعمران من المؤسسات التي تركها الاستعمار، وهذا حدث مثلا في دول الخليج حيث تم إنشاء بيوت خلال تلك الفترة، ليس لها علاقة بثقافة المكان، وتم بعد ذلك إغراقها بقوانين البناء، والتي تتبع أيضًا القوانين الموجودة في دول الاستعمار.

العودة للتراث

ويقول الصياد إنه في فترة تكوين الدولة الحديثة في دول الجنوب تحديدًا، رأى البعض أنه يجب العودة للتراث، وكان صاحب هذا الفكر مثلا هو المعماري المصري حسن فتحي الذي تزعم هذا الطريق، ولكن في النهاية فمعظم محاولاته تلك لم تنجح.

وتابع: لكن بشكل عام فالهوية الوطنية القومية تعتمد دائمًا على ما تريده السلطة الحاكمة أن تبثه للعالم الخارجي، وهنا تلعب العمارة دور كبير في الأمر، فمبنى برلمان بنغلاديش تم تصميمه على الرغم من أن مرجعية تكوينه وشكله كانت مرجعية الأصل. إلا أن المبنى نفسه أصبح رمزا للدولة، ويفتخر به سكان الدولة، وبات موجودا على العملات وغيرها من الأمور؛ لذلك نحن هنا يجب أن نسأل “متى يصبح الشكل المعماري معبر عن هوية أمة معينة؟”، فرغم أن برلمان بنجلاديش تم تصميمه من جانب معماري ليس له علاقة بالبيئة المحلية للدولة، لكنه مع الوقت أصبح يعبر عن هوية الدولة، وساعد في خلق هوية وطنية.

تراث مؤلف

يرى نزار أن تحليل الهوية العمرانية والمعمارية، يثبت لنا أن تحليل ماضيها يثبت لنا شخصية الحاكم وطموحاته، حتى في الدول المتقدمة. لكن في زمن العولمة أخذ موضوع هوية الشعوب أهمية خاصة في الدول ذات الطوائف واللغات المتعددة.

وهنا يجب أن يتم طرح سؤالا مفاده “متى تصبح العمارة والعمران الذي ألفه الاستعمار جزء من تراث الدولة؟”. فقد أصبحت المستوطنات الإسبانية الاستعمارية في أمريكا اللاتينية عنصر لجذب السكان خلال الوقت الحالي. والأمر نفسه ينطبق على منطقة الوسط “فمتى أصبح ما يسمى الآن بالقاهرة الخديوية جزء من التراث المصري. رغم أن عمارة هذا الحي كانت عبارة عن استيراد أوروبي لا يمت للقاهرة بأي صلة وقت بناءه؛ لكن في نهاية الأمر يأتي وقت تصبح فيه عمارة الآخر عمارة النفس، حتى ولو كان هذا الآخر مستعمر موجود؛ فمعظم التراث هو تراث مؤلف أو مختلق ومعدل من أصل آخر.

نقد العولمة

المفكر نبيل عبدالفتاح قال إن هناك قضية طرحها الدكتور نزار حول الإشكاليات التي طرحتها العولمة حول العمران، وعلى أنماط التحضر خاصة في بلدان جنوب العالم، فنحن نسميه بالتحضر المشوه، لأن الموجة الأولى من نقد العولمة كان رهان الخوف من أن تؤثر العولمة على الهويات واللغات الصغرى في عالمنا، باعتبار أنها سوف تندثر.

وقد كانت هذه من أول الانتقادات التي وجهت للعولمة، لكن الموجة الثانية من نقد العولمة تجاوزت هذا النقد الأولي البسيط، لأنه ثبت مع تطورات الرقمنة في العالم، أن هذا النمط يؤدي للحفاظ على الهويات واللغات الصغرى في عالمنا.

وتابع: لكن في نفس الوقت فتحت تطورات ما بعد العولمة الكثير من الإشكاليات، لأن المصطلحات التي ألفناها لن تكون صالحة للمقارنة التحليلية للتغيرات فائقة السرعة التي نواجهها الآن، وهذا ما ينعكس على المفاهيم التي حاول الدكتور نزار في مقدمة كتابه أن يتعامل معها تحليليًا ونقديًا، وتحديدًا مفهوم التراث ومفهوم التقاليد.

فمفهوم التراث لا يوجد له ترجمة للغة العربية، مثله مثل الكثير من المصطلحات، التي وفدت إلى القاموس العربي منذ نهايات القرن الـ19، فأغلب المصطلحات التي باتت مستقرة في ذاكرتنا، هي في حقيقة الأمر لا تعبر بدقة شديدة عن المصطلح في اللغات الأجنبية؛ وبالتالي فمفهوم التراث والتقاليد في حقيقة الأمر، هما مقدرتين سائدتين في الخطاب السائد سواء كان مصريًا وعربيًا، إذ يتم الخلط بينهما، وأحيانًا يتم استخدامها استخدامًا بلاغيًا وليس علميًا، وهذا ما يؤدي لبعض من الفوضى والتشوش في العقل المصري والعربي السائد.

خطاب سائد

يضيف عبدالفتاح: موضوع الهوية يطرح وكأنه موضوع قديم، لكن المفهوم في الحقيقة مفهوم حداثي بامتياز ومعاصر. وقد ظهر في أدبيات العلوم الاجتماعية خلال منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، وهو يستخدم في الخطاب الديني السائد، والخطاب العلماني الشديد السائد أيضًا، منذ سنوات طويلة وكأن هذا المصطلح قديم وله وظائفه، لأنه تم تديين المصطلح واستخدامه لمواجهة الأفكار الحداثية بعد هزيمة 1967. وقد استخدمته بعض الجماعات الإسلامية السلفية وبعض من علماء الأزهر.

مخيال معماري

واستطرد: مفهوم القومية يقع ضمن المفاهيم المتخيلة على مستوى الدراسات التي حاولت ربط القومية بالأمة، كليهما ارتبط بتطور النظام الرأسمالي وتوحيد الأسواق وبعض المجتمعات “فرنسا الحالية لم تكن هي فرنسا ولا إيطاليا ولا ألمانيا. لكن مع تطور الرأسمالية وضرورة فتح الأسواق تم بناء الدولة الأمة”.

كما أنه لا يوجد في العالم العربي دولة “أمة” إلا مصر، فجميع البلاد العربية لم تصل إلى فكرة الدولة الأمة، وكل هذه الأمور أثرت في البيئات العمرانية وفي التخطيط العمراني. فقد تم طرح القاهرة الخديوية بأنها كانت مرتبطة بالاستعمار.

وتابع: أنا لا أعتقد ذلك، لأنها كانت جزءًا من محاولة الخديوي إسماعيل لتحديث مصر، وقد ساهم الطابع الثقافي بين الجاليات المتمصرة والجاليات الأجنبية التي كانت موجودة، في خلق بيئة ثقافية وعالمية بامتياز؛ لذلك يمكن القول أن إنشاء القاهرة الخديوية، كان جزءًا من المخيال المعماري والتقدمي لإسماعيل باشا، بغض النظر عن آثار ذلك في الاقتصاد المصري وعلى مديونية مصر.

اختراع القوميات

أما الدكتور عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا الطبيعية بجامعة القاهرة، فقال إن ترجمة الكتاب كثيرة الإشكالية لأنه يحمل مصطلحات لم يتم تعريبها إلى اللغة العربية حتى الآن، لكن الدكتور نزار الصياد استطاع بطريقة ما من تمرير هذه المصطلحات وتعريب البعض منها وهو أمر أعتقد أنه أخذ منه مجهودًا كبيرًا.

واستطرد: فكرة اختراع القومية حاليا يتم مناقشتها باعتبارها مجموعة من الأساطير، لكن بطبيعة الحال فكلمة تراث التي تبدو ظاهريًا أنها شيء قديم، لكنها كلمة مستخدمة بصورة كبيرة، فالرئيس الروسي بوتن عندما تحدث مؤخرًا عن الحرب الروسية الأوكرانية، قال إن الغرب يريد إلغاء الحضارات الراسخة لصالح العولمة، وبدأ يستخدم كلمة التقاليد الحضارية أثناء حديثه، لأنه يدرك الكلمة بصورة كبيرة.

اقرأ أيضا

بعد سرقة متحف كلية الآثار.. ماذا يحدث داخل جامعة سوهاج؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى