بورتريهات متخيلة (13): سناء جميل.. اختراع الطريق

صعيدية، مسيحية، تحب الفن، ليست جميلة ولا منصاعة ولا تخبئ قوتها خلف قناع ملاك أو غواية شيطان، المساران المسموح بهما لامرأة كي تعبر الطريق.

كل ما تملكه هو موهبة مصفاة وإرادة نادرة، كماس منجم خفي لا يعرف النضوب، تلك خلطة خطر، بلا قرائن سابقة، بلا شهود أو محبين، بل خائفين مذعورين وقتلة، حيث المستقبل خيال نساء عجائز، حيث الشمس عدوة، حيث لا يمكن لفكرة أن تنمو إلا في قنوط الخرائب.

من أجل أن تظهر هويتها للضوء، كان عليها أن تنتهكه، أن تصير مثال نفسها.

سُد عليها الطريق، فاخترعت واحدا، هكذا انتزعت مجدها، بالانقطاع عن نسل الخرافات الخالدة، لتنشئ خرافتها، محروسة من الرب بالبسمة والعناية شرط أن تقطع الطريق، كل المعاناة، الاغتراب، نبذ العائلة، التضحية هي هداياه إليها، مطارق مباركة لمعدن نفيس.

**

كل شيء إلى زعزعة واضطراب، لكن عنكبوت الزمن لم يأسرها، بل زادها بريقا، أصقل فكرة روحها عن حياة كريمة الجوهر.

لا إدعاء في أناقتها، تلك الأناقة هي ابنة كبرياء الذات، كبح لمرارة ما، وتحويلها بإصرار إلى لطف الأسلوب، جلو يائس لصدأ الضغينة التي دائما ما تنفلت جارحة، ترويضا للوحش الذي لن يُرضي غضبه عما عاناه إلا افتراس العالم.

أم هو خوف قديم من الغياب المفاجئ؟ كأسرتها التي تركتها صغيرة في مدرسة داخلية واختفت. لذا كان على كل شيء أن يكون في مكانه. ليس للأناقة تعريف أبسط. الدقة ستحفظ العالم، حيث لكل جماد حياة مستقلة وروح استودعها إيانا، حيث طاولة أو مزهرية أو سجادة، هم أبناء لم تنجبهم كي لا تعرضهم للفقد، كأم لن يستوجب على جماداتها الحية، فعل أي شيء، فقط ستستلقي وتستقر لتنعم بدلال على عشب أمومتها.

**

قهرا نختار  الحبيب وطواعية يسري في دمائنا، ونسيل في ظلاله المعتمة. من ذاك الذي يستحق أن نتخلى أمامه عن دفاعتنا، أن نستأمنه على ضعفنا وهشاشتنا، أن ترتخي في أحضانه أوتارنا المعذبة بنفسها، كيف نستودع كل ذلك لدى آخر؟

التي خاطت المفارش كي تعيش، تعلم أن الحب لن يصير شيئا خالدا بطول الحياة وعمقها، إلا عبر أن نلضم غرزة تلو أخرى، بأناة وصبر، بتحمل لشكات الأصابع، نصحح خطأ تلو خطأ، كنص لا نكف عن تحريره حتى يبلغ كماله وذروة بهائه على أجمل نحو.  حب لا ينفصم، هذا فقط ما يليق بامرأة تعرف ما تريد.

الحب أصابع مدماة تسقي براعم اليدين.

**

 

ربما استيقظ لويس جريس بعد موت سناء جميل ذات مرة، على وقع كعبها وهو يقرقع في حلم، لم يثنه الشك عن النظر ربما ارتعش أو ابتسم، أو ذاب في رجفة قبلة هائلة، هبة مضيئة لحب لا نهائي وابتسامة لا نهائية. بين الريب والأحلام، كانت تتمشى على راحة الضوء، ذاهلة ساكنة، أرته في خطواته التي لم تعد تتقدم منذ موتها، جمال العالم، جمالها وقد صار مكتملا ككلمة الرب وذهبه المنصهر، أزليا كالزمن.

اقرأ أيضا:

بورتريهات متخيلة (12): عبد الله محمود.. تلك النظرة

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى