بورتريهات متخيلة (10): نسرين.. تلك تحيتي لفتاة أحلام

لا أعرف عنها شيئا، فقد ابتلعها الصمت، خطفها الحبيب المثالي، فتى أحلام، وأسكنها سماء مغلقة بالحب والوعود. لذا سأتخيلها بالكامل، سأكتب عبر قناعها عما يغويني وما يخيفني، عما فتنني في الآخر، (أفعلت شيئا أكثر من ذلك في باقي البورتريهات؟)

تلك تحيتي لفتاة أحلام، كل فتاة أحلام.

**

بلا شائبة، تتناغم ببداهة مع الإيقاع، تتبدل بتبدله، ولا نشاز، كآلة موسيقية حبيسة، كل ما تحتاجه كي تصدح هو لمسة، ككل فتاة أحلام، لا نبالي معها بالشدق المفتوح للزمن، في ظلها كل موسيقى بريئة، كل الأحجار خفيفة وينبوع الماء متجدد وحي.

لا يعنينا معها الوصول، بل في ذلك كله نتبع الحب كدليل، فأجمل ما في السراب هو أن المسافة لا تنتهي، أن الطريق أوله وهم ونهايته قبض ريح. يُعبد، يُعمر، بالخيال وبالحجر وبالنزيف.

في الطريق بين المثالي والممكن تنشأ الصداقات، العداوات، الخبرة، الذكريات، تتسع الحياة والأسى، تتسع الحياة والفرح.

في غمار الحفل الصاخب، في جوف العزاء المر، ننسى دافع تلك الرحلة، نتوقف حيرى منهكين، نتذكر ذلك الوجه، نرفع الرأس قليلا ونواصل قطع المسافة الأزلية إلى السراب.

لا تعود فتاة الأحلام هدفا أو موضوعا. لأنها ليست حبا، ولا غراما. بل طريق. جزرة حُماره وأنسه.

**

أمسك بي شخص شرير بفظاظة، فلما مسمر في روحي نظراته الوحشية، تذكرتك، كي لا ينفرط قلبي.

حينها، جثا كل شيء في سكون، صامتا عند قدميك، وأدركت أني اختبرت ما لن يفهمه أبدا: نشوة العاصفة، فتصاعدت من روحي أغنية غامضة عن الحب والحرية وكل سراب. أنصت إليها الشرير، فتفتت أمام هبة ريح.

**

في كل لطف ستجدها، وكل ندرة، في يقين الحبيبة أنك تستحق كل هذا الحب، في ابتسامة أطفالك، في صديق واحد حقيقي بعد خسارة ألف، في أغنية توائم المزاج، في جملة أذكى منك وأنبل، في جملة ساذجة، أطيب من ذكائك وأنبل.

**

لا يوجد قانون يحكم القبلات، المفاجئة منها تحديدا، تفقد تلك القبلات أصحابها بعد حين، لكنها لا تشيخ ولا تذبل، وكذلك لا تنسى، تحمل معها شفاه أصحابها، تحيا كظل لشفاه وردية اللون، حزينة الطابع، تعشق الحياة وتفضل الموت. أما المتخيلة منها، تلك التي لم تمنح إلا في حلم، فيتحولن إلى فتيات أحلام.

**

في أعماقنا التي أفسدتها أوهام متخثرة، يطل صوت ما، متقطع، غائم، نمسك به أو يمسك بنا، كنظرة عذبة، حالمة، كشمس سكرانة محجوبة خلف ألف زجاج، نظرة لا تفك مغاليق اللغز، فقط تومئ إلى ما صفي من الآلام والنشوات، أن ما قايضته في الطريق صغيرا كان حقيقتك، التي فزعت من افتقارها للنضج، فدفنتها بالكامل. ما اعتبرته حينها فعلا ناضجا لم يكن إلا السذاجة عينها.

من يحطم الزجاج، ليعتنق ذاك الصوت وتلك النظرة. يعيدنا إلى الفكرة الأولى، حيث كان في كل ألم نشوة وفي كل شهقة صلاة؟

**

هناك عند جذر الأشياء، علينا أن ننصت، بالسذاجة التي كنا عليها وبالخبرة التي جعلتنا ما نحن عليه. هناك عند جذر الأشياء نسأل أما زالت العين المكورة بالعتمة، تنقب عن ضوء؟ عن نبضة سماوية؟ هل ما زال العالم كله حديقتنا؟

**

فتنة عميقة كسم، نصل موس صدئ، نار ذابلة، أجنحة مكسورة، جسد ترهل، أسنان أكلها الزمن، عين شاردة وإيقاع مفقود، أفق لا ينشق إلا عن الرتابة والتكرار.

هراء.

من يحتاج إلى معرفة الحقيقة، إن كان ينشد أنس نفسه؟

اقرأ أيضا:

بورتريهات متخيلة (8): محسن محي الدين.. أريج الشباب الأبدي

 

 

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى