حكاوي

بورتريهات متخيلة (1).. عفاف راضي.. كغيمة أبدية دون مطر

“لن تنجح أو تفشل”. يقول متعجرف لعفاف راضي، فتصير أمثولة مهيبة سارية تختزل كل ما نعرفه عنها في جملة براقة. كشأن كل ما هو تافه وردئ في العمق. كشأن كل ما يعجب الحمقى الذين حقا لن يعرفوا النجاح ولا الفشل. هؤلاء اللذين – وبلا أي موهبة خاصة- لا يجيدون التحدث إلا عن شروط الموهبة لإخفاء ثوبهم المهترئ وانتحال الصفة التي لم تخلق لهم. لن يعرفوا أي شياطين، أي نار تسكن جوف أصوات معذبة بأصالتها، وفي ذلك جحيمهم.

كل خطوات حسين كمال، مطلق الأمثولة صوبت نحو الانحدار إلى الرث والتجاري، ماس شحيح وروث هائل، بينما أغانيها القليلة واصلت الصعود، ليس عبر التذكر، بل تحديدا لأنها تنسى، هكذا صارت كنزا وخبيئة.

“النداهة

في ذلك الصوت العميق السارح في تيهه، والذي كاد أن يلامس ذروة نضجه ثم صمت بغتة، شيء من نداء النداهة، مصاغ من حضور الليل والتراتيل المغوية التي تجعل من خوض الطريق إلى نهايته، حيث الموت، فكرة أقل إيذاء ورعبا.

الموت؟

هذا ما كان وما سيكون، الزمن بحيرة تخطو فوقها بقدم المعجزة، الزمن قوس صاعد إلى الانحدار. ثم لا شيء. ماء تكدر وهواء مدسوس. لكنك ستتعلم أن الصفقة لا تعوض، لقد منحت صباحا إضافيا، القدم لم تكف عن إتيان أعجوبتها بعد، خرافة مشينا فوق ماء الزمن، موصولة على الأقل لليلة أخرى. الفم الفاغر للبحيرة، لن ينشق اليوم.

صوت عفاف راضي أرض آمنة إذا ما حوصرت في أزقة مسدودة مع عويل أشباحي. ربما هو أيضا علامة وهن الروح وعطبها، فكيف شُد زمني إلى حنجرة من الماضي، وصار ما يمنحني السكينة والهدهدة، قادما من سبعينيات قرن مضى، عقد مهرجين؟

كيف انفلتت من قبضة من لم ينتبهوا إلى حساسية بحيرة الزمن. قبضة مهووسة بتكرار نسخ تافهة من أم كلثوم؟

كيف دفعوا الصوت الشهواني والملكي لوردة إلى التكرار بلا فهم للكوبليه؟ كيف حولوا ذلك الذهب إلى نحاس، وسمحوا لسماجة بحجم ميادة الحناوي أن تكون؟

عفاف راضي نفسها، كانت محاولة أخيرة لمنع الطوفان الذي كان عليه أن يبتلع كل تلك الرثاثة، حتى لو كان البديل رثاثة أشد. فالثوب في الأساس مهترئ، والجسد من البداية مثخن مطعون.

أي رسالة تخبرني؟ أن نجاتي في التقدم إلى الوراء، في الغوص إلى أسفل، أن خبيئتي التي لم تفض كامنة كلها فيما أخشاه: الذاكرة؟

 “بلا وعود”

لا طرب، بل أوبرا أنسنت على يد أرواح نبيلة خبرت غدرا ما، فجعلت من ذلك الصوت، وسائد من سحاب تظلل أسفلت حارق (سميناه بحيرة، لأننا نرغب بقدر حرقة الأسفلت في الخدعة عينها).

صوت يملك ما يكفي من النصاعة والنعومة، لزلزلة القلب واختراقه كراية غرسها مهزوم في قلب مهزوم (وكان ذلك انتصارهما الوحيد). متجذر في الأرض كشأن كل ما هو فريد في أصالته. يسحبك عاليا إلى أسفل، لا وعد فيه بالسماء أو الطيران. هل للصفحة الزرقاء أي عمق؟ أم أن كل عمق فيما تحت قدميك، لا في عينين مصوبتين إلى أعلى.

حارسة للسر، تتواطىء معنا على أن يحتفظ جزء ما من الحزن في صدورنا بغموضه. غير قابل للشفاء أو التبرير، كغيمة أبدية دون مطر، كضباب نتعلم عبر بَلُورَتِّه الغائمة أن نرى. لا ترد غربة الروح إلى ألفة، لا تخترق المسافة بيننا وصمتنا، فما الكلمات إلا مونولوجنا الداخلي، وما الموسيقى إلا إيقاع مصاحب لخطوة التراب فوق الماء. خلاء موصول، مضاء بنجمة ذابلة.

لن تمنح الأغنية بعد أن تنتهي لمستمعها إلا عزاء أن الأغنية قد خصته بشيء. يظل كما كان قبلها بأوصال ممزقة، أمله كله في أن يتماسك. قد تلطف من أنات معاركه مع الأشباح في الأزقة المسدودة، وتجعل الحنين وعدا لا قلقا غامضا يعوي في أحشائه، خدعتها الحلوة أنها تجعل العطش مرادفا للظمأ.

“بتطلع لمين؟”

تلك التي تبعد الحب بسأم من أراده بشدة، لا يهمها ما ينساب من بين الأصابع من ماء وفرص. سؤالها للقمر “بتطلع لمين” عبثي، لن يجيب، ليس فقط لأنه لا يبالي، بل لأن ذلك الحجر الضخم التائه في مداره المستقر، ظل ضعفه الأساسي أنه في حاجة إلينا كي نمنحه إشراقة المعنى. هكذا تدين لنا الأحجار والآلهة.

“تعالى جنبي”

ما المصير؟ لا يهم، لأن كل شيء الآن، مكتنز في لحظة عذبة.

عطاشى”

ما الماضي؟ حلم.

قضينا الليالي”

ما الخوف؟ أشباح ذاب عويلها في صدى الكورال، فصار أغنية حلوة.

قال لي تعالي

ما الموت؟ صديق لا يمل من انتظار رفاقه.

لمين يا قمر

 

ما لم نفهمه هو خبز قلوبنا، فكل غامض صار قدسيا، جليلا، صار صلاة، لا شيء مرعب في صلاة ولو كانت لحجر تائه في مداره المستقر. لا استحقاق، بل كفاح صبور وطويل للتماسك، تخبرني أغنياتها بطريقة أو بأخرى. هدية السماء أو الأرض الوحيدة، مجرد أغنية حلوة. علينا أن نتلقفها بتواضع وامتنان، ونرضى بها عن كل معركة خاسرة، أليس في ذلك شيء من النبل وكرامة القلب؟

صوت “لن ينجح أو يفشل”، يا للتفاهة!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى