بنك المأثورات الشعبية: مشروع قومي لجمع وتصنيف الثقافة الشعبية

الأسئلة كثيرة، والخلافات أكثر، والإنجاز يسير ببطء، وحفظة المأثور الشعبي يرحلون دون تجمع مكنون الصدور من معتقدات، ودون أن نعي نصوصهم الشعبية الآسرة، ولا يزال معظم المثقفين يتندرون على كل ما هو شعبي، حيث أصبحت مفردة لصيقة بما هو متدن في نظرهم؛ مساكن شعبية، ملابس شعبية، أطعمة وأشربة شعبية، كما أننا نتحدث كثيرا عن الهوية بوصفها مفردة في المطلق، كأنها عشبة نبتت في فراغ، كأنها موجودة لذاتها، نتحدث والطريق يخلو لكلام نظري يفتقد لآليات ميدانية تمثل مشروعا وطنيا يجتمع حوله كل المهتمين بتراث ومأثور مصرنا العظيمة، وقد يرى البعض أن الحديث عن مشروع مصري، أو عربي هو مقدمة الفشل، خاصة أن العرب لا يجتمعون على مشروعات كبرى، وأن اختلافات ـ تبدو ـ جوهرية في العناصر الفولكلورية المشتركة التي يمكن أن تشكل خارطة متسعة يمكن أن تقود لنهضة ثقافية عبر قراءة عميقة لتفاصيلها: الثقافة المادية – المعتقدات – العادات – التقاليد – التصورات – الأدب الشعبي بأنواعه – الفنون التشكيلية الشعبية – فنون الرقص والحركة – فنون الموسيقى… إلخ.

إن أولى خطوات المشروع لابد أن تنبنى على وضع تصور نظري يقف على ضبط المصطلحات، بداية من مفردة “فولكلور” وما يدور حولها من ترجمات: التراث الشعبي – المأثورات الشعبية – الفنون الشعبية – الأدب الشعبى.. إلخ، وما يندرج تحت المصطلح بوصفه جنسا لما تحته من أنواع، وبالتالى الوقوف على تحديد المفاهيم الخاصة بكل مصطلح من المصطلحات المتواترة وفك الالتباسات القائمة بينها وحولها، وظنى أن هذه البداية تحتاج إلى تقسيم العمل بحيث يتوفر لهذه المهمة نخبة من أهل التخصص مع الاستعانة بما أنجز من أطروحات ـ ليست قليلة ـ علمية فى هذا الشأن يكون الهدف منها عملية ضبط المصطلح.

أما الخطوة الثانية فتتعلق بالأعمال الببليوجرافية لحصر وتوثيق الدراسات التى أنجزت فى هذا المجال ووضعها فى إطار تصنيفي يتيح المواد العلمية من أبحاث ودراسات (نظرية – ميدانية)، ويمكن من خلالها إعداد مسارد بالمصطلحات المتواترة ومرادفاتها في البلدان العربية من خلال تفريغ المادة المتاحة، والتي ستوفرها الببليوجرافيا، وهذا العمل يمكن أن يعكف عليه مجموعة من المختصين في إعداد الببليوجرافيات، على أن يلحق بها كشافات نوعية: تاريخية – موضوعية.. إلخ، وهو الأمر الذى لن يتم إلا بالتوفر على الدراسات والأبحاث فى كل بلد عربي، وكذا الدراسات والأبحاث التي تخص الثقافة الشعبية العربية في مكتبات العالم.

ونظن أن الخطوة الثالثة تتمثل في حصر الجامعين الميدانين في كل بلد من الدول العربية وإعداد برنامج تدريبي يراعي الهدف من المشروع، كما يضع في تصوره التباينات بين عناصر الثقافة الشعبية سواء في المفردات الدالة على كل عنصر، وكيفية إعداد بطاقات التفريغ وتدوين المادة المجموعة وفقا للقواعد التي ستستقر عليها لجنة تدوين النصوص.

رابعا: أن تكون هناك خطوة جوهرية تشارك بها الشعوب في الجمع الميدانى عبر برنامج، يمكن أن نطلق عليه “بنك المأثورات الشعبية”، هذا البنك يمثل الخازنة التي يضع فيها كل مواطن عربى سهمه الفولكلورى (مثل – عادة – تقليد – حكايه… إلخ)، وهو ما سيجعل كل مساهم أحد الفاعلين في رسم الهوية، وبعد أن تتوفر مواد الجمع يمكن العكوف على تصنيفها من خلال المختصين، وتيسيرا على الناس من محب مأثورهم يمكن أن تعد بطاقات توزع من خلال ندوات وأمسيات تعريفية بالمشروع وأهميته وأهمية المشاركين فيه.

في هذا السياق، فإن أي حديث عن التراث والمأثور الشعبي دون إشارات جوهرية للكنز الحافظ لهما، يعد حديثا عبثيا؛ لكنز يتمثل في المرأة، حاملة التراث وراوية المأثور، والقابضة على جمر الأغنية الشعبية عبر دورة الحياة بداية من الميلاد وليس انتهاء بالموت، لأن الدائرة مكتملة لا تفصل بين حياة وموت وإنما تربطهما بربط الثقافة الشعبية، الأمر الذى يجعلنا نضع المرأة في مركز الاهتمام ونحن نتوجه إلى إعداد استراتيجية عربية لجمع وتدوين وتصنيف وأرشفة وتحليل عناصر الثقافة الشعبية، حيث يتسع جنس الفولكلور ليضم فنون السرد الشعبى وفنون الشعر وما بينهما من أنواع تخترق التصانيف البليدة لأنواع الأدب المتواترة.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى